الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الجيش العربي السوري في فترة الوحدة 1958 ـ 1961  معلومات تفصيلية

الجيش العربي السوريفي عهد الجمهورية العربية المتحدة

1 ـ البنية الاجتماعية للجيش العربي السوري وتوجهه السياسي:
كانت الحكومة السورية قد اعتبرت اليوم الأول من آب 1945 يوم ميلاد الجيش العربي السوري، ففي هذا اليوم التزمت فرنسا بتسليم القطعات الخاصة السورية، التي عملت تحت سلطة الانتداب الفرنسي، إلى الحكومة السورية، بعد أن كان معظم ضباط وصف ضباط وأفراد هذه القطعات قد التحقوا عملياً بصفوف الحركة الوطنية، وفي 11 تشرين الأول 1945 صدر المرسوم القاضي بتحديد ملاك الجيش العربي السوري من القطعات النظامية وغير النظامية(الاحتياطية).
وكان الحدث البارز في بنية الجيش العربي السوري ذلك القرار الجامع الذي اتخذته الحكومة السورية عام 1947، على أثر قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين في 29/11/1947، وقرار الجامعة العربية القاضي "باتخاذ الإجراءات الكفيلة لإحباط قرار التقسيم هو إصدار قانون الخدمة الإلزامية، حيث أحدث هذا القانون تحولاً أساسياً في بنية الجيش من حيث زيادة عدده باطراد في كل سنة إلى أن أصبح عام1958 حوالي 30 ألفاً، وكذلك من حيث البنية الاجتماعية لهذا الجيش حيث أصبح جيشاً معبراً عن البنية الديموغرافية للمجتمع السوري، تخدم فيه كافة طبقات وفئات المواطنين السوريين، وكان من الطبيعي أن تنعكس القضايا الاجتماعية - الطبقية - السياسية لبنية هذا المجتمع على بنية الجيش.
وكانت القضايا الوطنية التي واجهت سورية في تلك الفترة هامة وخطيرة جداً، وكان من الطبيعي أن يكون للجيش الدور الرئيسي فيها ففي أشد مرحلة من مراحل الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي كان على سورية أن تختار طريقها من بين عدة خيارات متباينة:
• هل هي إلى جانب مشروع سورية الكبرى الذي طرحه الملك عبد الله؟
• أم إلى جانب مشروع الهلال الخصيب الذي طرحه نوري السعيد؟
• أم إلى جانب المشاريع الإقليمية التي طرحتها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تمثلت بمشروع قيادة الشرق الأوسط، ومشروع حلف بغداد،ومشرع آيزنهاور "مبدأ آيزنهاور"؟
• أم إلى جانب المشروع القومي بدءاً بالوحدة مع مصر؟
• أم إلى جانب مشروع تدعيم الاستقلال الوطني لسورية والتعاون المتبادل بين الدول العربية في إطار جامعة الدول العربية؟
وكان للأحزاب الوطنية (حزب البعث العربي الاشتراكي، حزب الشعب، الحزب الوطني، الحزب الشيوعي، الحزب التعاوني الاشتراكي، الحزب القومي السوري الاجتماعي، الكتلة الديمقراطية) مواقف متباينة من هذه القضايا، إلا أن معظمها وقف إلى جانب تحقيق الوحدة مع مصر (المحلق رقم 22 يبين النظام السياسي لدولة الوحدة وأسماء الشخصيات التي شاركت في الحكم)، وكان كل منها يسعى إلى كسب الجيش إلى موقفة الأمر الذي جعل من الجيش مركز الثقل في اتخاذ القرار الفترة الكائنة بين عام 1949 وقيام الوحدة عام 1958.

النظام السياسي لدولة الوحدة

 وقد نجح الجيش في تثبت دعائم التوجه الوطني - القومي - الديمقراطي - الدستوري في سورية والمساهمة مع القيادة السياسية في اتخاذ القرارات الصائبة لمواجهة المؤامرات الداخلية والخارجية في الفترة منذ عام 1954 وحتى قيام الوحدة عام1958، معززاً الوحدة الوطنية على أساس "الميثاق الوطني" الذي تقدم به الرئيس شكري القوتلي في 15 شباط 1956 ووافقت عليه الأحزاب السورية، والذي تضمن في مجال السياستين الداخلية والخارجية ما يلي:
«الامتناع عن دخول أحلاف واتحادات عسكرية عدوانية، والسير على نهج الحياد الايجابي، والنضال ضد أعمال إسرائيل العدوانية، وتعميق وتوسيع التعاون مع مصر، وعقد اتفاقيات اقتصادية وسياسية وثقافية يمكنها أن تصبح أساساً للوحدة العربية الشاملة، وتطوير العلاقات التجارية مع الدول الصديقة بهدف تعزيز الاستقلال الاقتصادي والمالي لسورية، أما في المجال الداخلي فقد وافقت جميع أحزاب منظمات سورية السياسية على ضرورة تصنيع البلد، والقضاء سريعاً على تخلفها الاقتصادي، وإقرار الضمان الاجتماعي، وإصدار قوانين لحماية حقوق العمال والفلاحين، وتوزيع أراضي الدولة على الفلاحين المعدمين، كما نص الميثاق، نزولاً عند طلب زعماء حزب البعث، على فقرة تقضي بضرورة إنشاء الوحدة بين سورية ومصر».
وهكذا لعب الجيش العربي السوري دوره لأول مرة في تاريخ سورية السياسي الحديث، كجيش وطني يساهم من خلال ممثليه في الحفاظ على الحياة الدستورية - الديمقراطية في سورية واتخاذ القرارات المصيرية على أساس الوحدة الوطنية المؤسسة على ميثاق وطني، وقد شكلت هذه التجربة لدور الجيش الوطني، بعد تطويرها لاحقاً، الأساس لدور الجيش العقائدي الذي اعتمدته المنطلقات النظرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، تلك التي أقرها المؤتمر القومي السادس بعد ثورة الثامن من آذار عام 1963، والتي جسدتها بصورة عملية الحركة التصحيحية المباركة عام1970.


لم تتغير بنية الجيش العربي السوري وتوجهه السياسي خلال فترة الوحدة، إنما الذي تغير هو دور الجيش في الحياة السياسية، فقد اشترط الرئيس جمال عبد الناصر تطبيق تجربة "ثورة 23 يوليو" في مصر في استخدام الجيش كجيش محترف يهتم بالأعمال الحربية فقط، وقال أنه أمضى من عامين إلى ثلاثة أعوام ليتمكن من تحييد الجيش المصري عن التدخل في العمل السياسي. وقرر تطبيق هذه التجربة على الجيش العربي السوري دون أن يأخذ بعين الاعتبار الطابع الديمقراطي المتقدم للحياة السياسية في سورية ودور الجيش العربي السوري في تاريخها السياسي، هذا الدور الذي كان فيه للجيش النصيب الأكبر في صنع الوحدة، والذي يفترض أن يعطى له الدور الأكبر في حمايتها فكان أن تعرض الجيش العربي السوري خلال فترة الوحدة لعوامل مؤثرة في بيئته الداخلية ساهمت مساهمة كبيرة في تجميد دوره يوم أن تعرضت الوحدة للخطر.
2 ـ أهم العوامل التي أثرت على معنويات الجيش العربي السوري في فترة الوحدة:
منذ أن اتسعت أبعاد الحرب لتشمل مساحة البلاد وقطاعاتها كافة تحولت الجيوش من جيوش محترفة قليلة العدد إلى جيوش شعبية يخدم فيها كل أفراد الشعب، وأصبح الجيش، سيما في البلاد التي تناضل من أجل التحرر والوحدة، يحمل طموحات الشعب وقضاياه وهمومه، ويتأثر بكافة التحولات التي تحدث في حياة الشعب ويؤثر بها، ومن هنا كان لابد لمعرفة الحالة العامة للجيش العربي السوري في فترة الوحدة من معرفة الحالة العامة للشعب العربي في سورية إبان ذلك، فقد حدثت مجموعة من التحولات الهامة على الحالة السياسية الاجتماعية والاقتصادية للشعب العربي في سورية بعد قيام الوحدة، كان لها تأثير سلبي على معنويات الجيش العربي السوري.
(1) لقد أحدث قرار حل الأحزاب السياسية في سورية منذ قيام الوحدة فراغاً سياسياً كبيراً، باعتبار أن هذه الأحزاب حملت هدف النضال من أجل الاستقلال وحققته على خير وجه، كما حملت هدف النضال ضد الديكتاتوريات العسكرية وأنجزته، ومن أجل حكم دستوري - ديمقراطي - نيابي فتمثلت هذا كله وحافظت عليه حتى قيام الوحدة. ويضاف إلى هذا كله أنها تولت هدف النضال من أجل نهج وطني - قومي تقدمي فسارت عليه حتى حققت الوحدة، وقد تأخر إنشاء التنظيم الذي جاء بديل عن هذه الأحزاب "الاتحاد القومي" حتى تشرين الثاني 1959، وعمل وكأنه مؤسسة من مؤسسات الحكم يتبع لأجهزتها التنفيذية، وشكل هذا دافعاً للأحزاب التي حلت للعودة إلى نشاطها الجماهيري وتوجيه النقد إلى نظام الوحدة بغية إعادة الحياة السياسية للبلاد. وفي هذا الظرف ولد التنظيم العسكري السري في القاهرة باسم "اللجنة العسكرية" من الضباط البعثيين الذين كانت لهم تجربة متميزة في النضال قبل قيام الوحدة وأثنائها «وكانت نواة التنظيم مكونة من المقدم محمد عمران والرائد صلاح جديد والرائد حافظ الأسد والرائد عبد الكريم الجندي والرائد منير جيرودي والرائد أحمد الأمير».
(2) إن النظام الجديد للنقابات الذي صدر في خلال فترة الوحدة قلَّص عدد النقابات في سورية إلى النصف، وحرمها من المكتسبات التي أحرزتها خلال نضالها الطويل: كحق الإضراب باعتباره ممنوعاً في النظام الداخلي في النقابات المصرية وحق القيام في الاجتماعات والاحتفالات والتظاهرات، الأمر الذي انعكس سلباً على معنويات الطبقة العاملة في سورية.
(3)إن مرسوم إعادة تنظيم الصحافة الذي صدر في تشرين الثاني 1958، والذي تركزت الصحافة بموجبه في دائرة خاصةبشؤون الصحافة، بعد أن تنازل مالكو الصحف عن حق الإصدار، نظر الشعب إليه كقيد جديد على الحريات مستنكراً ما تم في هذا الشأن أثناء الانقلابات العسكرية في سورية الأمر الذي ساهم أيضاً في انحسار المد الجماهيري الذي كان مؤيداً لقيام الوحدة.
(4) بعد النجاح الذي حققه قانون الإصلاح الزراعي(القانون161 الصادر في 27 أيلول 1958) وقانون العلاقات الزراعية(القانون 134) في أوساط الفلاحين السوريين، أخذت الفرحة تتبدد في العامين التاليين نتيجة الصعوبات الناجمة عن عملية التطبيق، وتأخر التنفيذ، وانخفاضالإنتاج الزراعي، وتراجع المساحات المزروعة. وكان الجفاف الناجم عن انحسار الأمطار طيلة فترة الوحدة من أخطر العوامل التي أدت إلى تفاقم الأوضاع المعيشية للفلاحين.
(5) منذ العام الثاني للوحدة أُغلقت في وجه البضائع الصناعية السورية، وخاصةً صناعة النسيج، جميع أسواق التصريف في الدول العربية المجاورة لأسباب سياسية وأخرى تجارية، فتضررت مصالح البرجوازية السورية وبدأت بتهريب أموالها إلى خارج سورية سيما بعد أن أخذت البضائع المصرية تحتل السوق السورية، وأدى هذا بالبرجوازية السورية أن تقف ضد نظام الوحدة بعد أن كانت قد توقعت بأن هذا النظام سيفتح لها أسواقاً إضافية، وقد ازداد موقفها عداءً بعد قرارات التأميم التي صدرت في تموز 1961، والتي شملت أكثر من 12 مؤسسة صناعية كبيرة في سورية مع البنوك الخاصة. وواجهت المؤسسات المؤممة صعوبات إنتاجية وتسويقية وإدارية.
وهكذا لم يأت خريف عام 1961 إلا وكانت فئات سياسية واجتماعية واسعة في سورية قد تضررت مصالحها من نظام الوحدة، رغم الطابع القومي - التقدمي لهذا النظام، كونه نظاماً مستقلاً ومتحرراً تماماً من التبعية للدول الاستعمارية، ومناهضاً للصهيونية ولإسرائيل. وبدا واضحاً أن المشكلة تكمن في المؤسسات البيروقراطية للوحدة وفي أسلوب عملها غير الديمقراطي.
وكان لهذه التحولات التي حدثت داخل المجتمع السوري أثرها على معنويات الجيش العربي السوري فكبحت من مبادرته ويقظته وحماسته إلى حدٍّ أتاح الفرصة لمجموعة من المغامرين العسكريين المرتبطين بالبرجوازية السورية للانقضاض على الوحدة. واستعان هؤلاء بمجموعة من الأخطاء التي وقعت بها القيادة العسكرية المصرية في تلك الفترة، وكان منها:

  • في اليوم الذي وصل فيه الرئيس عبد الناصر إلى دمشق (يوم 5 آذار 1958) اجتمع المشير عبد الحكيم عامر إلى ضباط مجلس القيادة في الجيش العربي السوري، وأبلغهم قرار الرئيس عبد الناصر بحل المجلس، وذكرهم بموافقتهم على وضع أنفسهم تحت تصرف السيد الرئيس، وأبلغهم قرار بمنح كل منهم وساماً وثمن شقة (بيت). وأصيب الجميع بالإحباط لهذا الأسلوب في المعاملة، وطلبواً أن يكون الوسام وساماً عاماً بقيام الوحدة لكافة أفراد القوات المسلحة، واعتذروا عن ثمن الشقة.
     
  • في اليوم التالي استدعى المشير عبد الحكيم عامر ضباط قيادة الجيش العربي السوري (نائب رئيس الأركان ورؤساء الشعب) وهم: أمين النفوري وعبد الحميد السراج وأحمد عبد الكريم ومصطفى حمدون ، وأبلغهم قرار الرئيس عبد الناصر باختيارهم ليكونوا أعضاء في الوزارة التي سيتم تشكيلها في 8 آذار 1958، وبعد عدة أيام أقيل قائد الجيش الفريق عفيف البزرة، وعين المشير عامر قيادة جديدة من الضباط التالية أسماؤهم: ـ الفريق جمال فيصل قائداً للجيش الأول. ـ العميد عبد المحسن أبو النور نائباً لرئيس الأركان (الملحق العسكري المصري بدمشق). ـ المقدم محمد اسطنبولي رئيساً للشعبة الثانية (مخابرات). ـ العقيد أكرم الديري رئيساً للشعبة الثالثة (عمليات). ـ العقيد طعمة العودة الله لقيادة سلاح المدرعات.ولم تلق هذه التعيينات والتنقلات استحساناً داخل الجيش العربي السوري وفي صفوف الشعب، واعتبرت نوعاً من التصفية للضباط القادة الذين كانوا أكثر المتحمسين لقيام الوحدة، بهدف انفراد القيادة المصرية بالحكم. 
  • لجأت قيادة المشير عبد الحكيم عامر إلى ندب حوالي ثلاثمائة ضابط سوري من سورية إلى مصر منهم حوالي 62 ضابطاً كانوا ينتمون إلى حزب البعث قبل الوحدة، والباقي منهم كان مؤيداً لحزب البعث أو للحزب الشيوعي، وقد علم هؤلاء وزملاؤهم أن ندبهم لم يأت لتعزيز الوحدة والانصهار بين الجيشين وإنما لإبعادهم عن وحداتهم العسكرية في الجيش العربي السوري بسبب الشك في إخلاصهم للوحدة، سيما بعد استقالة الوزراء البعثيين. وأدى هذا إلى إحباط رغبتهم في العمل, ودفعهم للاتصال بقياداتهم الحزبية السابقة وبرفاقهم العسكريين منهم والمدنيين.
  • برزت لدى قيادة المشير عبد الحكيم عامر العديد من مظاهر التمييز في المعاملة بين الضباط المصريين والسوريين. ففي حين استلم الضباط المصريون المنتدبون إلى الجيش الأول وظائف هامة في الأركان وفي التشكيلات، لم يستلم الضباط السوريون الذين ندبو إلى الجيش الثاني أية وظيفة هامة. وكذلك كان الضباط المصريون موضع ثقة فيما يعملون، في حين كان الضابط السوريون موضع مراقبة من قبل عناصر الاستخبارات، ومن زملائهم الضباط المصريين.

لقد أدت هذه الأخطاء التي وقعت بها قيادة المشير عبد الحكيم عامر إلى تحييد الضباط الوحدويين، في الوقت الذي اعتمدت فيه على الضباط المحترفين والذين ينتمون إلى أصول برجوازية، وهؤلاء هم الذين كانوا أداة تنفيذية لحركة الانفصال. وعلى الرغم من وجود هذه الظواهر السلبية والأخطاء التي وقعت بها القيادة، قطع الجيش العربي السوري مرحلة هامة من التطورات خلال فترة الوحدة.

3 ـ أهم التطورات التي طرأت على الجيش السوري خلال فترة الوحدة:
مما لاشك فيه أن الجيش العربي السوري (الجيش الأول) تطور تطوراً كبيراً خلال سنوات الوحدة، ويعود سبب ذلك إلى أنه كان يقف قبل قيام الوحدة على عتبة مرحلة كبيرة من التطور نتيجة اتفاقية التسليح التي وقعتها سورية مع الاتحاد السوفييتي عام1957، والانتقال بعقيدة التدريب القتالي من العقيدة الغربية إلى العقيدة الشرقية بمساعدة مجموعة من الخبراء السوفييت، هذا بالإضافة إلى الدور المميز الذي لعبه عدد من القادة المصريين الذين عملوا في قيادة الجيش الأول وساهموا بشكل جيد في التطوير التنظيمي والمهني والإداري لوزارة الدفاع ولقيادة الجيش الأول وتشكيلاته، أما أهم مجالات هذا التطور فهي:
آ ـ التطورات التي طرأت على وزارة الدفاع:
بالإضافة إلى تحديث الأنظمة المتعلقة بالعمل وخدمات الموظفين ألحق بديوان الوزارة بعض المصالح المدنية التي كانت مرتبطة بوزارات الدولة الأخرى كمصلحة الطيران المدني، ومصلحة الموانئ والمنائر، ومكتب مقاطعة إسرائيل، وذلك انسجاماً مع مثيلاتها في الإقليم الجنوبي، واستحدثت إدارتان هما: إدارة التعبئة، والمتحف الحربي، كما ألحق بديوان الوزارة مؤسسة معامل الدفاع والمؤسسة الاجتماعية العسكرية ومصلحة الأرصاد الجوية، وحدثت على هذه المصالح والمؤسسات التطورات التالية:
• مصلحة الطيران المدني:
توسعت أعمال هذه المصلحة بعد أن كانت تابعة لوزارة الأشغال العامة والمواصلات، وتضاعفت ميزانيتها خلال فترة الوحدة أكثر من ثلاث مرات، كما زادت إيراداتها بأكثر من خمسة أضعاف، وازداد عددالاختصاصين والفنيين فيها، كما زادت إمكانيات مدرسة شؤون الطيران المدني، وأوفد إلى الخارج أكثر من عشرين فنياً للتخصص العالي،كما استوعبت شركة الطيران العربية السورية طائرات نقل (دي سي ـ 6) فزادت إمكانياتها في النقل الداخلي والخارجي بحوالي 50%، وبدأ العمل بإنشاء مطار دمشق الجديد في 25/4/1960 ليكون قادراً على استقبال الطائرات النفاثة الكبيرة التي ستضاعف إيرادات مصلحة الطيران المدني.
• مصلحة الأرصاد الجوية:
لم تكن مصلحة الأرصاد الجوية قبل عام 1958 لتزيد عن مكتب تنبؤات ابتدائي مركزه مطار المزة وست محطات رصد جوي، أما بعد هذا التاريخ فقد أنشئت مكاتب التنبؤات حتى عمت معظم مدن سورية، وكذلك الحال في محطات الرصد الجوي التي تضاعف عددها فضلاً عن تأمين العناصر الفنية اللازمة، ولم يقتصر عمل مصلحة الأرصاد الجوية على تقديم التسهيلات لخدمة الطيران وتأمين سلامته بل تطورت إلى القيام بكافة الأعمال المناخية لصالح الشؤون الزراعية والشؤون الأخرى.
• مصلحة الموانئ والمنائر:
كانت مصلحة الموانئ والمنائر حتى عام 1958 مديرية تتبع وزارة الأشغال العامة باسم مديرية الشؤون البحرية أما بعد أن التحقت بوزارة الدفاع (الحربية)، وأدمجت مع مصلحة الموانئ والمنائر في الإقليم الجنوبي فقد سجلت هذه المصلحة عدة تطورات منها: وضع تشريعات جديدة تنظم العمل في هذه المصلحة بدلاً من التشريعات القديمة التي تعود إلى عهد الانتداب الفرنسي، وزيادة أعمال الإنشاءات العمرانية في مختلف الموانئ السورية لتسهيل عملية قيادة هذه الموانئ ومراقبة كافة السفن التي تمر بالشاطئ السوري، وتنظيم أعمال الصيد وكذلك إصلاح وترميم كافة مباني المنارات القديمة، وإقامة المحطات اللاسلكية القادرة على تأمين الاتصال مع المحطات الرئيسة في إقليمي الجمهورية، وتلقيوتوزيع كافة النشرات الجوية الإقليمية والعالمية.
• مكتب مقاطعة إسرائيل:
ألحق مكتب مقاطعة إسرائيل بوزارة الدفاع (الحربية) في 22/6/1958، ومنح هذا المكتب صلاحيات واسعة في وضع الخطط الكفيلة بمكافحة النشاط الإسرائيلي في كافة الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأصبح دوره أكثر فاعلية مع مكاتب المقاطعة المقامة في كل دولة عربية بشكل أحكم طوق المقاطعة الاقتصادية على إسرائيل.
• مؤسسة معامل الدفاع:
طلب من هذه المؤسسة بالإضافة إلى دورها في تزويد الجيش بالعتاد والسلاح الخفيف المساهمة في سياسة التصنيع في المجال المدني، فأنشأت لهذه الغاية معملاً لصناعة الأحذية العسكرية أدى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي للجيش من هذه المادة، كما زودت الجيش باحتياجاته من القطع الميكانيكية والتجهيزات المعدنية، وانشأت معملاً للبطاريات الجافة التي ضاهت الإنتاج الأوروبي.
ب ـ التطورات التي طرأت على الجيش العربي السوري (الجيش الأول):
 في الهيكل التنظيمي والتسليح:
تطور الهيكل التنظيمي للجيش العربي السوري خلال سنوات الوحدة تطوراً كبيراً من حيث الحجم والتنظيم والتسليح، ليناسب الواجب العملياتي الذي خطط له على الجبهة السورية، وقد شملت هذه التطورات مايلي:
- تشكيل لواء مشاة جديد للدفاع عن المنطقة الساحلية.
- إعادة تنظيم كافة الألوية بمختلف أنواعها (ملاكات جديدة).
- تحول لواء المشاة إلى لواء ميكانيكي لزيادة خفة الحركة.
- تشكيل كتيبتي استطلاع.
- إعادة تنظيم قوات المظلات والصاعقة والفدائيين، وشكلت منها كتائب بحجم لواء.
- إحداث تشكيلات مدفعية م/ط وزيادتها إلى عدة أضعاف، عما كانت سابقاً (أفواج م/ط) وسلحت جميعها بأسلحة جديدة.
- زيادة احتياطي الجيش من مدفعية ميدان إلى ثلاث أضعاف، ومن المدفعية م/د إلى ستة أضعاف، وتشكيل كتيبة مراقبة مدفعية.
- تشكيل وحدات قاذفات لهب.
- استكمال كتائب الدبابات العضوية في الألوية.
- تشكيل كتائب مهندسين.
كما تطورت قوات الاحتياط في الوقت نفسه تطوراً كبيراً إذأعيد تشكيلها خلال سنوات الوحدة من سرايا إلى ألوية تشبه في تنظيمها الألوية العاملة، كما سلحت بالأسلحة المخصصة للألوية العاملة، وازداد حجمها ست مرات عما كانت عليه قبل الوحدة ففاق عددها عدد الألوية العاملة.
وتطور وضع المقاومة الشعبية بعد إصدار قانون المقاومة الشعبية والحرس الوطني، وأصبحت مشكّلة من كتائب تتبع قيادات المناطق مباشرة وتضم 127 ألف مقاتل مسلحين بالأسلحة الخفيفة، وشكل في منطقة الجبهة 40 كتيبة تضم 10 آلاف مقاتل، واسندت إليها مهام تعبوية تكمل عمل القوات النظامية، كما شكلت وحدات للحرس الوطني في المنطقة الحدودية من السكان المحليين المواجهين لإسرائيل.
وقد تطلبت إعادة التنظيم وزيادة الحجم زيادة عدد المستودعات والورش في كافة المناطق، فأنشأت عدة ورش للمركبات والأسلحة والذخيرة.
وأعيد تنظيم قيادة الجيش الأول وأُنشئت الأجهزة التالية: هيئة التدريب، هيئة الإمداد والتموين، إدارة شؤون الضباط، إدارة الشؤون العامة والتوجيه المعنوي، إدارة الحرب الكيميائية، إدارة الوقود، المقر العام، فساهم هذا التنظيم في تفعيل دور قيادة الجيش في السيطرة على القوات وإداراتها والتخطيط لها في زمني السلم والحرب. كما أعيد تنظيم القوى البحرية وشكلت وحداتها المقاتلة ضمن ألوية، ونقلت القوة البحرية إلى ميناء البيضاء الجديد، وبُدئ العمل بإعداد دراسة لإنشاء قاعدة بحرية في ميناء طرطوس الجديد، كما أعيد تنظيم القوى الجوية ونشرت وحداتها في المطارات الجديدة، واستكملت شبكة الإنذار والتوجه الخاصة بالدفاع الجوي.
وبوجه عام فإن عملية إعادة تنظيم هيكلية الجيش العربي السوري خلال سنوات الوحدة أدت إلى زيادة ملموسة في قوته النارية، وفي حركيته، كما وفرت له المزيد من وسائط الدعم، ومن تأمين القتال، وفاعلية أفضل لأجهزة القيادة والسيطرة.
أما في مجال التسليح فيمكن ملاحظة تطور تسليح الجيش العربي السوري خلال فترة الوحدة 

التطور في تسليح الجيش العربي السوري

 في التخطيط العملياتي:
قبل قيام الوحدة عام 1958 كانت الخطة الموضوعة للدفاع عن الجبهة (المنطقة الجنوبية الغربية) تقتصر على صد الإغارات الإسرائيلية، حيث انتشرت قوات محدودة على طول الجبهة دون وجود قوات كافية في النسق الثاني تسمح بالقيام بهجمات معاكسة أو بصد هجوم إسرائيلي كبير الحجم، وقد أعدت خطط عملياتية دفاعية تدافع بموجبها كل منطقة عن نفسها. أعيد النظر بعد قيام الوحدة بخطط العمليات على أساس اشترك الجيشين في الحرب (الجيش الأول والجيش الثاني)، وعدم الاكتفاء بخطط الدفاع وإنما إعداد خطة تعرضيه هجومية لكل جيش ينفذها في حالة هجوم العدو على الجيش الآخر، وقد نظمت عدة خطط مستقلة للدفاع عن منطقة دمشق، وخطة تعرضية للهجوم على اسرائيل في حال قيامها بالهجوم على الجبهة المصرية، كما وضع جدول زمني للتجهيز الهندسي لمسرح العمليات وللإعداد التدريبي، والتأمين القتالي والإداري والفني لكل خطة، وأعيد النظر في التوزيع الاستراتيجي لقوات الجيش الأول وفق كل خطة، ومن الطبيعي القول أن مثل هذا التخطيط العملياتي أمن شروطاً أفضل لتحقيق النصر على العدو في حرب محتملة.
ومن الجدير بالذكر أن المخططين راعوا في تخطيطهم قيام القيادات والقوات بالتدريب على واجباتها وفق الخطط العملياتية، وقد نفذت في كل سنة من سنوات الوحدة المشاريع على مستوى قيادة الجيش، وقيادة الجبهة (المنطقة الجنوبية الغربية)، ومجموعات الألوية والألوية العاملة، وقيادة القوى الجوية، وقيادة القوى البحرية وبعض الألوية الاحتياطية.
 في التدريب:
كانت الجهة المسؤولة عن تدريب الجيش العربي السوري قبل عام 1958 هي فرع التدريب ضمن الشعبة الثالثة ويضم ثلاثة ضباط، وكان مستوى التدريب في حدود مشاريع السرايا والكتائب، ومع تطور الجيش الأول خلال فترة الوحدة تطور أيضاً الجهاز المسؤول عن التدريب إلى حجم هيئة مستقلة مرتبطة برئيس الأركان تضم 16 ضابطاً، كما ارتفع مستوى المشاريع التدريبية إلى مشاريع ألوية ومجموعات ألوية (3 ألوية عاملة في لواء احتياط) وبمشاركة القوى الجوية والقوى البحرية.
وكان تدريب الاستطلاع والتدريب الإداري، من موضوعات التدريب الجديدة التي أدخلت على سياسة التدريب في الجيش الأول، الأمر الذي حسّن من مستوى تدريب وحدات الاستطلاع والعناصر الإدارية، كما تم تطوير التدريب المهني، وساعدت مراكز التدريب المهني في الجيش الثاني في تخريج عدة دورات مهنية باختصاصات مختلفة.


وقد روعي الاهتمام بالنشاط الرياضي في الجيش حيث اتسع هذا النشاط ليشمل كافة وحدات وألوية الجيش وأدخل في ملاك كل لواء ضابط رياضة متخصص بهذا النشاط، وأنشئت عشرات الملاعب في المعسكرات والمناطق لمختلف الألعاب الرياضية، كما أنشئ ناد للرماية والفروسية ومركز لإنتاج الخيول العربية.
كما استحدثت كليات ومدارس التدريب التالية في الجيش الأول: كلية الأركان التي افتتحت عام 1958 ثم اندمجت في معهد قادة الألوية في أوائل عام 1961، ومدرسة المشاة عام 1959، ومدرسة المحاسبة عام 1959، ومدرسة المخابرات عام 1960، ومدرسة الصاعقة، ومركز التدريب الأول عام 1961، ومدرسة المدفعية م/ط.
وخلال سنوات الوحدة أرسل 160 ضابطاً و20 صف ضابط في بعثات خارجية، كما أرسل في بعثات إلى الإقليم الجنوبي 1111 ضابطاً و717 صف ضابط و344 مهنياً.
وقد تحسن بشكل ملحوظ موقف مساعدات التدريب بمختلف أنواعها، فاستكمل لصالح الألوية 12 حقل رمي عام، و67 حقلاً مصغراً، و73 قاعة تعليمية مختلفة بمعدل 9 قاعات لكل لواء، و8 حقول تدريب مختلطة، ولصالح المنشآت التعليمية 9 حقول رمي مصغرة، و49 قاعة تعليمية، و3 حقول تدريب، وبلغ مجموع ما أنفق على مساعدات التدريب حوالي 700000 ل.س، وبصورة عامة يمكن القول أن التدريب في الجيش الأول قد سار خطوات متقدمة إلى الأمام في فترة الوحدة.
 في التعبئة:
خلال فترة الوحدة أحدث نظام جديد للتعبئة حسّن بصورة كبيرة من إمكانيات التعبئة في سورية، ومن سرعتها إذ أنشئ في وزارة الدفاع (الحربية) فرع التعبئة العامة وأسندت له مهام: الحصر الصناعي، وحصر الواردات، وحصر المشافي، وحصر الكفاءات العلمية والمهنية والفنية بالإقليم، وحصر وسائط النقل وطرق المواصلات أما ما يتعلق بالتعبئة لصالح وحدات وتشكيلات الجيش الأول فقد وضعت أنظمة وأساليب تحقق سرعة في استدعاء العناصر الاحتياطية وتعبئتها، وأمكن الوصول إلى مستوى استكمال القوات العاملة خلال 48 ساعة واستدعاء ألوية احتياط الخط الأول خلال هذه المدة، وشكل لكل لواء احتياط مركز تعبئة تشرف عليه نواة عاملة هي المكتب الإداري الدائم الذي يتولى الاحتفاظ بكافة مهمات ومعدات وعتاد وأسلحة اللواء وصيانتها أثناء السلم، وتنظيم تسليمها خلال عدة ساعات، وقد وضعت خطة لبناء مركز تعبئة (مخازن ومستودعات) لكل لواء ونفذ عملياً جزء منها فارتفع بذلك مستوى تنظيم القوات الاحتياطية وسرعة زجها في الأعمال القتالية.
في الشؤون الإدارية والشخصية والمعنوية:
أعيد تنظيم الشؤون الإدارية في الجيش الأول فبدلاً من تعدد المصالح الإدارية وعملها المستقل عن بعضها البعض أنشئت هيئة الإمداد والتموين، التي ضمت هذه المصالح ووسعت أطر عملها، الأمر الذي جعل الوضع الإداري في الجيش وفي الوحدات والتشكيلات يزداد تحسناً، سيما في مجال دور أفرع ووحدات الشؤون الإدارية خلال الأعمال القتالية، وهذه المسألة لم تكن موضع دراسة كافية قبل عام 1958، كما أعيد النظر على هذا الأساس بتوزيع المنشآت الإدارية على جميع المناطق داخل القطر، وعولج النقص الكبير في عدد المستودعات اللازمة للجيش، وخاصة ما يتعلق منها بمعدات التسليح والوقود، هذا بالإضافة إلى معسكرات إيواء العسكريين والمنشآت الإدارية والخدمية الأخرى ومنها: معسكرات لوحدات الجبهة، ومعسكر لواء مشاةفي المنطقة الساحلية، ومعسكرين في الداخل لتعبئة أربعة ألوية احتياطية، ومعسكر لواء مدرع، ومعسكر لواء جوي، ومباني قاعدة بحرية، ومعسكرات لمدرسة الرياضة، ومدرسة المحاسبة، ومدرسة المخابرات، وأبنية لمصنع الأحذية، ومصنع الصابون، ومستودعات للذخيرة عن مختلق الأحجام، وثلاثة أفران عسكرية، والمسرح العسكري، وسينما القنيطرة.
كما تطورت الخدمات الطبية بدورها تطوراً ملحوظاً لتلبية احتياجات زيادة عدد العسكريين في الجيش الأول، فافتتح مشفى الجولان العسكري، ومشفى في كل من حمص واللاذقية، وأحدثت شعب جراحة متخصصة في مشفى المزة العسكري، وزاد عدد الأطباء والممرضين والممرضات بحوالي الضعف.
كما أعيد النظر في الأسلوب الإحصائي المتبع للأفراد، وترتب على ذلك إدخال أسلوب الإحصاء الآلي سنة 1960 في إدارة السجلات العسكرية، حيث أمكن تصنيف أفراد الجيش آلياً حسب الوظائف العسكرية أو طبقاً لما تطلبه دواعي الخدمة.
كما نظمت عملية التجنيد والتسريح في الجيش الأول، بحيث تتم مرتين سنوياً بما يتناسب مع فترات التدريب، ونظمت عملية التطوع لشغل الوظائف الفنية والرئيسية وفق أفضليات محددة، مع وضع خطة للتأهيل العلمي والفني لهؤلاء، كما أدخل للمرة الأولى نظام لوحات الهوية المعدنية التي توزع على العسكريين أثناء العمليات الحربية.
وصدرت أوامر وتعليمات تنظيمية دقيقة تتعلق بشؤون العسكريين حول الإجازات، والعلاج والسلف والإعانات، والمراسم العسكرية، كما أصدرت قيادة الجيش الأول القانون رقم 152 لعام 1959 الخاص بقانون العقوبات العسكري، حيث شدد القانون الجديد على عقوبات العسكريين الذين ينتسبون إلى الأحزاب السياسية والجمعيات، والذين يستخدمون العسكريين والسيارات العسكرية في المصالح الخاصة، والذين يستخدمون العنف والشدة مع زملائهم أو مع مرؤوسيهم أو مع المواطنين، وقد أشارت الإحصائية الرسمية إلى أن عدد الجنود الفارين وكذلك عدد العسكريين المحالين إلى مجالس تأديبية قد تراجع خلال سنوات الوحدة على الرغم من زيادة تعداد الجيش الأول خلال تلك الفترة بنسبة 25% مع زيادة في نسبة المجندين إلى 70%.
كما عملت قيادة الجيش الأول على توسيع وتنظيم الخدمات الاجتماعية للعسكريين، ففي مجال السكن بني حوالي 852 مسكناً للضباط وصف الضباط وأجرت لهؤلاء بمبالغ زهيدة، كما وضع نظام لتسليف العسكريين مبلغاً محدداً بالتقسيط دون فائدة وكان يكفي لشراء منزل في المدينة أو لبناء بيت في القرية، واستفاد أكثر من 660 ضابطاً وصف ضابط من هذه السلف، وفيما يتعلق بعلاج العسكريين وعائلاتهم صدر الأمر الدائم رقم 25 سنة 1958 الذي نظم العناية بهذا الموضوع، وسمح بموجبه بعلاج الضباط المتقاعدين في المشافي العسكرية، كما تقرر إيفاد العسكريين المرضى إلى خارج الجمهورية إذا ما تعذر علاجهم داخلها، واستحدث نظام البطاقة الصحية لاستخدامها من قبل عائلات العسكريين، وأنشئت في دمشق دار التوليد العسكري في عام 1940 وعدة مستوصفات لعلاج عائلات العسكريين، وأنشئ مصنع لصناعة الأطراف الصناعية يقدم خدماته للعسكريين والمدنيين على السواء، وأنشئت دار "المبرة العسكرية" لاستيعاب المشوهين والعاجزين، وقد صدر الأمر الإداري رقم 26 تاريخ 18/1/1960 لتنظيم منح السلف والإعانات والمكآفات للعسكريين، وأحدث فرع لصندوق التأمين للقوات المسلحة، كما أحدثت ثلاثة صناديق تعاونية أحدها للضباط والثاني لضباط الصف المحترفين والثالث للمتطوعين عموماً، كما اتسع نشاط المؤسسة الاجتماعية العسكرية فتضاعف عدد فروع البيع وعدد سيارات المبيع المتنقلة، وعدد الأصناف التي تبيعها المؤسسة بأسعار مخفضة للعسكريين.
ووضع مشروع لإنشاء النوادي والندوات للعسكريين في مختلف المناطق العسكرية مع تحسين الموجود منها، وقد أنشئت ثمانية نوادٍ جديدة للضباط في اللاذقية، ودير الزور، والقنيطرة، ومسعدة، والعليقة، والعال، وقاعدة الضمير الجوية، وحلب، وثلاثة نواد لصف الضباط في طرطوس وفي قاعدة الضمير الجوية وفي دمشق، وتم تحسين 14 نادياً من النوادي القديمة، بحيث أصبح مجموع النوادي 45 نادياً منها 25 للضباط و20 لصف الضباط، كما تم تحسين تجهيزات ندوات الأفراد التي بلغ عددها 107 ندوات.
وصدر الأمر الدائم رقم 7 بتاريخ 1/8/1958 الذي أصبح مرجعاً لمنح الإجازات بدلاً من عدة مراجع كانت موجودة بهذا الخصوص، كما استصدرت قيادة الجيش الأول قانوناً يقضي بأن تتحمل الدولة أجور سفر المجازين من مركز عملهم إلى مدنهم الأصلية.
كما وضعت إدارة الشؤون العامة والتوجيه المعنوي التي أنشئت في تلك الفترة خطة ثقافية استهدفت تحسين ثقافة العسكريين ورفع روحهم المعنوية، ونفذت العديد من النشاطات منها الزيارات المتبادلة للضباط وصف الضباط بين الجيشين (وصل العدد من الجيش الأول إلى 264 ضابطاً و184 صف ضابط)، والترفيه عن القوات عن طريق إقامة الحفلات، وحضور مسرحيات المسرح العسكري، وعرض الأفلام السينمائية، كما تم صياغة تقاليد عسكرية جديدة حول زيارة المرضى في المشافي وتقديم الهدايا، ومراسم الأعياد وغيرها، وساهم إنشاء المتحف الحربي في نهاية عام 1958 في التعريف بالتراث العسكري للجيش العربي السوري.
وبصورة عامة يمكن القول أن الجيش الأول سار بخطا متصاعدة إلى الأمام خلال فترة الوحدة من حيث بنيته التنظيمية، وتدريبه القتالي، وتسليحه، وتأميناته القتالية، وتحويله إلى جيش محترف تتماثل فيه الأنظمة والقوانين مع ما هو موجود في الجيش الثاني في الإقليم الجنوبي إلى حد بعيد.