الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الجيش العربي السوري في فترة الوحدة 1958 ـ 1961  معلومات تفصيلية

المسيرة النضالية لتحقيق الوحدة ودور الجيش العربي السوري فيها

لم تكن وحدة سورية ومصر حدثاً مفاجئاً في تاريخ العرب الحديث، بل جاءت بعد مسيرة نضالية طويلة خاضتها حركة التحرر العربية، منذ بدايات القرن العشرين بصورة خاصة القوى الوطنية التقدمية في القطرين الشقيقين سورية ومصر، منذ ذلك الحين برزت سورية بين الدول العربية كدولة رائدة في النضال من أجل التحرر من الاستعمار من أجل الوحدة.
تفردت سورية عن غيرها من الدول العربية في مرحلة الاستقلال بكونها الدولة العربية الأولى التي وضعت دستوراً على أساس نظام حكم جمهوري برلمان (دستور 1928)، كما أنها الدولة الأولى التي حصلت على استقلالها متحررة من أية امتيازات أجنبية، وكانت سورية في مقدمة الدول التي رفعت شعار الحياد الإيجابي، وعبَّر مواطنوها عن أن الانتماء الوطني لسورية والانتماء القومي للأمة العربية فوق أية انتماءات أخرى، والدولة العربية الأولى التي كانت سباقة لرفع شعار «بلاد العرب للعرب» و«شعار أمة عربية واحدة» في وقت كان فيه الاستعمار يعمل جاهداً من أجل تكريس التجزئة التي نجمت عن اتفاقية سايكس بيكو واتفاقات سرية أخرى كما كانت سورية البلد العربي الأول الذي ولدت فيه حركة البعث العربي الاشتراكي التي تبنت أهداف الجماهير العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية، في وقت كانت فيه دعوات أخرى تطرح الوحدة في إطار إقليمي، وفي إطار التحالف مع الاستعمار.
لقد كان الطريق إلى الوحدة مليئا بالمعارك الضارية والتي انتصر فيها الشعب العربي في سورية ومصر على تحالف الاستعمار والصهيونية والأنظمة الرجعية، وهذا التحالف الذي حاول بأساليب مختلفة قطع الطريق على حركة الجماهير العربية باتجاه الوحدة، ففي محاولة لاستبدال الانتماء القومي بانتماء إقليمي طرح مشروع سورية الكبرى، ومشروع الهلال الخصيب، وفي محاولة لاستبدال الأمن القومي بأمن إقليمي طرحت الدول الغربية الكبرى عام 1951 مشروع قيادة الشرق الأوسط وما عرف بمشروع حلف بغداد 1955 وقد اعتبرت سورية هذين المشروعين مخالفين لما جاء في ميثاق الأمن العربي المشترك الموقع في إطار الجامعة العربية عام 1950، ورفضت سورية ومصر كل الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية التي استهدفت دفعهما للقبول بهذه المشاريع، كما رفضتا مشروع الهيمنة الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط والتدخل المباشر في شؤونهما الداخلية بذريعة حماية المنطقة من الخطر الشيوعي، وبما أطلق عليه آنذاك "مبدأ آيزنهاور" أو نظرية ملأ الفراغ.
لقد فشلت جميع أساليب الاستعمار ومحاولاته لوقف حركة الجماهير العربية باتجاه الوحدة وانتصر التوجه القومي - التقدمي الذي قادته سورية ومصر وأثمر هذا التوجه عن الاتفاق على وحدة البلدين ، والسير بهذا الطريق بخطوات متصاعدة منذ عام 1955 وحتى عام 1958.
1 ـ أهم الخطوات في الطريق إلى الوحدة:
- «في 26 شباط عام 1955 وصل إلى دمشق وفد مصري برئاسة الصاغ (الرائد) صلاح سالم وزير الإرشاد المصري معلناً أن ميثاق الجامعة العربية لم يعد مواتياً لمواجهة الحالة الحاضرة التي تشهدها الساحة العربية بعد التوقيع على الحلف العراقي - التركي، وأكد أيضاً بأن الهدف من هذا الحلف هو ربط منطقة الشرق الأوسط بميثاق يكون همزة الوصل بين حلف الأطلسي وحلف جنوب آسيا، وجعله رأس جسر للجيوش الغربية،وعرض المسؤول المصري ضرورة عقد حلف عربي يحل محل الضمان الجماعي ليتمكن العرب بواسطته من مواجهة عدوهم الرئيسي"إسرائيل"، واقترح أن تبدأ سورية ومصر بعقد اتفاق ثنائي، يعرض على الدول العربية الأخرى لدعوتهما للانضمام إلى هذا الحلف، وقد وافقت سورية على هذا الاقتراح وصدر عن الطرفين بيان مشترك، كما أعلنت الرياض في الخامس من آذار 1955 انضمام المملكة العربية السعودية إلى البيان السوري - المصري.
- في 20 تشرين الأول 1955 وقعت في دمشق معاهدة الدفاع المشترك السورية - المصرية، وتبودلت وثائقها بين الطرفين في 8 تشرين الثاني من العام نفسه، وأعلن الرئيس عبد الناصر إثر ذلك "إن هذه الاتفاقية هي فاتحة مستقبل جديد، فالتاريخ يرينا أنه إذا ما اتحدت سورية ومصر فإنهما ستحميان العالم العربي من جميع الأخطار التي يمكن أن تهدده، وهذا ما حدث بالضبط أيام الصليبيين فعندما تحالفت سورية ومصر استطاعتا أن تقوما معاً بحماية العالم الإسلامي من الأخطار التي كان يخشاها أما اليوم فستحمي سورية ومصر العالم العربي من الصهيونية، وقد أنشأت بموجب هذه المعاهدة لجنة عليا وهيئة لشؤون الدفاع، وقيادة مشتركة برئاسة المشير عبد الحكم عامر .
- في 15 شباط 1956 وجه الرئيس شكري القوتلي رسالة خاصة إلى مجلس النواب السوري وإلى كافة الأحزاب السياسية في سورية لدعوتها إلى توحيد الجهود أمام الخطر الخارجي والاتفاق على «ميثاق وطني» في الساحة الخارجية والداخلية.
- في 27 حزيران 1956 أعلن السيد صبري العسلي رئيس الحكومة السورية أمام مجلس النواب السوري «بأننا سنشرع في توثيق علاقاتنا مع مصر من خلال محادثات فورية، نأمل أن تؤدي إلى سياسة مشتركة بين البلدين، وندعو الدول العربية المتحررة إلى إتباعها كيما يصبح بالإمكان وحدة عربية شاملة».
- في 5 تموز 1956 أعلن السيد صبري العسلي عن تشكيل لجنة وزارية تضم: صبري العسلي، صلاح البيطار، أحمد قنبر، مهمتها القيام بمفاوضات مع مصر من أجل الوحدة، وقد أيد مجلس النواب قرار الحكومة، وتمنى عليها إتباع الطريق المختصر الذي يقرب شعبنا من الهدف الذي انتظره طويلاً.
- في6 تموز 1956 ألقى الأستاذ صلاح البيطار وزير الخارجية بياناً أمام مجلس النواب شكر فيه اجتماع النواب على تأييد قرار الحكومة بتشكيل لجنة وزارية لبحث الوحدة مع مصر وقال: «إذا كنا جادين في تقدير فداحة الأخطار المحيطة بنا فهذا الاتحاد هو سبيل للوقاية والدفاع، وإذا كنا واثقين بإمكانيات شعبنا مؤمنين بنزوعه الصادق إلى الحرية والعدالة والوحدة فهذا الاتحاد سيكون المحرك الفعال لتلك الإمكانيات».
- في 17 تموز 1956 قدمت الحكومة السورية لمجلس النواب مشروع ميثاق حول المبادئ الأساسية لاتحاد البلدان العربية المستقلة للنظر فيه، وكان الرئيس شكري القوتلي قد أعد مخططاً للاتحاد الفدرالي المقترح تضمن توحيد البلدان السياسية والعسكرية والاقتصادية والمالية والثقافة، وكذلك تشكيل مجلس تأسيسي لإعداد دستور الاتحاد، وافترض أن تكون دولة الاتحاد القادمة مكونة من مجلس تنفيذي يضم الرئيس ووزراء المالية والدفاع والخارجية والتعليم والمواصلات، ومجلس تشريعي، وأن ينتخب الرئيس لمدة عامين، وأن يكون اختصاص المحكمة العليا الفدرالية حل الخلافات التي يمكن أن تنشأ بين الدول الداخلة في الاتحاد، أما الإشراف على تنظيم وتحرك الجيش فأعطى للقيادة العليا الاتحادية. واقتضى المشروع المقدم الاحتفاظ بالاستقلال الذاتي للدول الداخلة في الاتحاد، وقد وافق البرلمان السوري على هذا المشروع.
- في 2 أيلول 1956 عقدة اتفاقية بين سورية ومصر حول التعاون الاقتصادي، وكانت مهمتها خلق مؤسسات مشتركة تنفيذاً لقرار التقارب المتدرج بين البلدين(10).
- في الأول من تشرين الثاني 1956، أي في اليوم الثالث للعدوان الثلاثي على مصر، اتخذ مجلس النواب السوري قراراً بوضع القوات المسلحة السورية تحت تصرف القيادة العليا السورية- المصرية وكانت القوات المسلحة قد استنفرت واستعدت لتنفيذ عمليات قتالية ضد إسرائيل من الجولان إلا أن الرئيس عبد الناصر طلب وقف ذلك بعد أن تبين اشتراك الدول العظمى بالعدوان.وأعلنت التعبئة العامة في البلاد، وبُدئ في جميع أنحاء سورية بتشكيل كتائب الجيش الشعبي لمساندة الشعب المصري، وقام العمال السوريون وعناصر من الجيش العربي السوري بتفجير ثلاث محطات ضخ بترول تابعة لشركة نفط العراق، فتوقف الضخ كلياً، وقد حرم هذا أوروبا الغربية من 70% من وارداتها النفطية التي كانت تأتي عبر قناة السويس والساحل السوري. وهكذا خاض البلدان مصر وسورية معركة مشتركة ضد العدوان مهدت الطريق إلى الوحدة.
- في 17 شباط 1957 وقع اتفاق بين سورية ومصر على إنشاء وزارة خارجية موحدة، وفي 15آذار وقع البلدان اتفاقية التعاون الثقافي، وفي 18 آب اجتمع الرئيسان شكري القوتلي وجمال عبد الناصر في القاهرة لدراسة مسائل توحيد البلدين.
- في 21 تموز 1957 زار القاهرة وفد من مجلس النواب السوري يمثل جميع الأحزاب والكتل للاشتراك في افتتاح دورة مجلس الأمة الجديد في مصر لحضور احتفالات عيد الثورة 23يوليو، وفي هذه المناسبة ألقى الرئيس جمال عبد الناصر خطاباً هاماً ضمنه التحذير من أي عدوان يوجه ضد سورية والترحيب بكل مسعى يقرب من هدف الوحدة المنشود، وعقد الوفد السوري عدة اجتماعات رسمية اتفق فيها الطرفان على تأليف لجنة مشتركة سورية - مصرية تقوم بالدراسات اللازمة ووضع تفاصيل أجهزة الاتحاد، وتحديد المرحلة الانتقالية وتكوين المجلس الاتحادي للقطرين.
في عام 1957 اشتد التآمر على سورية بعد أن وقعت مع الاتحاد السوفييتي اتفاقيات اقتصادية وعسكرية تقوي من دور سورية في المنطقة وتعزز استقلالها، وقد وصف خالد العظم حالة سورية أنذاك بمايلي:
«رحبت الدول الاشتراكية بالصداقة بينها وبين سورية وراحت تزيد في تأييدها في أوساط الأمم المتحدة وتمد لها يد المعونة الاقتصادية والفنية وتعينها على تصريف المحاصيل التي تمنعت الدول الغربية عن شرائها، جرياً على قاعدة الحصار الاقتصادي. واستمرت هذه الدول الاشتراكية، وفي مقدمتها الاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا، في توريد الأسلحة والذخائر وإرسال الخبراء في الأمور العسكرية والفنية ثم أنها أعلنت استعدادها لدعم مخططات سورية ومشاريعها الاقتصادية والاجتماعية بالمال، بقرض يسدد على أقساط ذات آجال طويلة بفائدة زهيدة. وجاء الخبراء الروس الاختصاصيون بشتى أنواع المشاريع درسوا اقتراحات خبرائنا وقاموا بجولات في أنحاء البلاد، وشملت المشاريع التي أعلن السوفييت عن استعدادهم لتمويلها وتزويدها بالمعدات والخبراء كبناء السدود على الأنهر بحيث تزيد مساحة الأراضي المروية نحو ثمانية ملايين دونم من أجود الأراضي وأخصبها. هذا بالإضافة إلى بناء السكك الحديدية الموصلة بين البحر ومراكز الإنتاج ، ناهيك بالدراسة الجيولوجية لوضع خريطة مفصلة عما تحت الأرض، وبالمعامل العديدة وأهمها معمل إنتاج السماد الكيميائي، وبمحطات توليد الكهرباء وغير ذلك من المشاريع، سواء منها ما اكتملت دراسته أو ما يحتاج إلى دراسة جديدة».
وأصاب الدول الغربية قلق بالغ من جراء هذه المعونة المالية والفنية التي حصلت سورية عليها من الاتحاد السوفييتي، وتبين لها أن سورية لم تعد بحاجة إلى قرض يمنحه البنك الدولي بفوائد لا تقل عن 6% وبشروط تعسفية، وإلى خبراء فرنسيين وبريطانيين يقدمون الدراسات والاستنتاجات الخاطئة قصداً أو إيهاماً ويحتفظون بالحقائق. فضلاً عن أن سورية لم تعد بحاجة إلى ممالأة مصالح هذه الدولة أو تلك، حتى تشتري منها عشرين ألف طن من القمح أو عشرة آلاف طن من القطن.
وتيقنت الدول الغربية أنه لم يعد يوجد في سورية رجل سياسي يجرؤ على إظهار علاقته بها أو تقديره لها أو ترجيحه التعامل معها، وبات القائلون بالصداقة والتعاون مع الدول الشرقية أسياد الموقف في مجلس النواب وفي الجيش وفي الأوساط الشعبية. وأصبح عملاء الاستعمار وأتباعه ومحاسبيه ودعاته يبتعدون عن الأضواء ويلوذون بالصمت المطبق في المجالس والنوادي. ويعيشون في حالة قلق ووجل دائمين.
- منذ بداية أيلول 1957، وعلى أثر زيارة "لوي هندرسون" ممثل الولايات المتحدة في حلف بغداد، إلى تركيا وبعض الدول العربية، واتهامه سورية "بأنها ستصبح جهاز إرسال للنفوذ السوفييتي في المنطقة" خيم على سورية خطر التدخل العسكري التركي المدعوم أمريكياً. فاجتمعت القيادة السورية - المصرية الموحدة في القاهرة من 6 -12 أيلول 1957 واتخذت قراراً بقيام مصر بتقديم مساعدة فورية لسورية في حال العدوان عليها. ووضعت سورية مسألة خطر العدوان على جدول أعمال الدورة الثانية عشر لهيئة الأمم المتحدة، التي اجتمعت في أيلول، وقررت الأمم المتحدة إرسال لجنة تحقيق دولية بهذا الصدد. ومع استمرار الحشود التركية على الحدود الشمالية قدمت الحكومة السورية في 8 تشرين الأول مذكرة احتجاج رسمية إلى الحكومة التركية، وأدلى ممثل القيادة الموحدة للقوات السورية - المصرية بتصريح أعلن فيه «بناء على اتفاقية الدفاع المشترك بين البلدين أرسلت القوات المصرية وحدات أساسية منها إلى سورية لتعزيز قواتها المسلحة ولتمتين قدرتها الدفاعية»، وفي الوقت نفسه أعلنت الحكومة المصرية «أن مجموعة كبيرة من السفن الحربية المصرية ستتواجد في ميناء اللاذقية بزيارة رسمية»، وقد وصلت بالفعل إلى الميناء في13 تشرين الأول أولى الوحدات المصرية والسفن الحربية.
وفي هذه الفترة أدلى العديد من المسؤولين العرب بتصريحاتهم الرسمية حول وقوف بلدانهم إلى جانب سورية، وكان موقف الاتحاد السوفييتي أكثر تشدداً من أي موقف آخر. وأخذ التوتر على الحدود السورية يخف تدريجياً وترافق بتصريحات تركية مفادها أن تركيا لا تضمر أية نوايا عدوانية تجاه سورية، وفي 3 تشرين الأول من العام نفسه نقل عن الرئيس الأمريكي قوله: «إن الوضع السوري آخذ بالاستقرار وبدأ الخطر الذي شعرت به دول عربية مثل لبنان والأردن والعراق والسعودية يخف»، وهكذا ساهمت مصر مساهمة فعلية في صد عدوان تركي محتمل على سورية في وقت كان فيه كلا البلدين يسيران في الطريق إلى الوحدة.
- وفي 17 تشرين الثاني1957 وصل إلى دمشق وفد مجلس الأمة المصري المكون من 42 نائباً برئاسة أنور السادات، فاستقبل في مطار دمشق استقبالاً رسمياً وشعبياً وكان في مقدمة المستقبلين السيد أكرم الحوارني رئيس مجلس النواب السوري. وفي اليوم الثاني اجتمع النواب المصريون والسوريون في مبنى مجلس النواب السوري وتبادلوا الخطب والكلمات التي تنم عن رغبة الطرفين في إنجاز الاتحاد، وعقدت اللجنتان: لجنة الشؤون العربية في مجلس الأمة المصري ولجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب السوري اجتماعاً مشتركاً. وبعد المداولات في الموضوعات قيد البحث خلصت اللجنة إلى اتخاذ مشروع قرار بغية عرضه في الجلسة المشتركة لأخذ الرأي عليه وقد جاء نصه كما يلي:
«إن نواب المجلسين المجتمعين إذ يعلنون رغبة الشعب العربي في مصر وسورية بإقامة اتحاد فيدرالي بين القطرين يباركون الخطوات العملية التي اتخذتها الحكومتان السورية والمصرية في سبيل تحقيق هذا الاتحاد ويدعوان حكومتي مصر وسورية للدخول فوراً في مباحثات مشتركة بغية استكمال تنفيذ هذا الاتحاد».
2 ـ دور الجيش العربي السوري في تحقيق الوحدة وردود الفعل على قيامها

برهنت مجموعة الضباط ذوي التوجه القومي - التقدمي، والتي ساهمت مساهمة رئيسية بالإطاحة بنظام الشيشكلي عام 1954، عن تجردها ونبل مقصدها بتنفيذ ما التزمت به من إعادة الحياة الدستورية إلى البلاد وإعادة الجيش إلى ثكناته، ودعمت التوجه القومي - الوطني - التقدمي لحكومة الائتلاف الوطني التي تشكلت على قاعدة " الميثاق الوطني" وذلك من خلال مشاركتها في إبداء الرأي حول المواضيع ذات الأهمية، وكان يمثل الجيش رئيس الأركان ومعاونيه ورؤساء شعب الأركان الثلاثة. ويقول السيد خالد العظم، المكلف بوزارة الدفاع آنذاك، «كنا نجتمع في داري مرة أو أكثر في الاسبوع اجتماعاً سياسياً يحضره: العسلي والحوراني والبيطار والكياليوبكداش، وممثلوا الجيش الخمسة، وكانت هذه الاجتماعات تمثل الفئة الحاكمة في التجمع القومي والجيش، وكنا ندرس الأمور السياسية ونقرر الاتجاه العام».
وكان التقدم المضطرد على طريق الوحدة بين المؤسسات الدستورية في سورية ومصر يلقى ارتياحاً كبيراً في الجيش العربي السوري، في الوقت الذي كانت فيه تلك المعلومات التي ترد عن رغبة الرئيس عبد الناصر بالتقدم التدريجي على طريق الوحدة تلقى انعكاساً سلبياً وقيل إن الأستاذ صلاح البيطار وزير الخارجية سأل السفير المصري محمود رياض عن موقف القاهرة من موضوع الوحدة المقترحة فكان رده«إن جمال عبد الناصر غير متحمس للوحدة، لأنه يخشى من انقلاب عسكري يقوم به الضباط السوريون المعادون للوحدة، وبالتالي فإن القضية الأساسية هي وجود الضباط المسيسين بين صفوف الجيش، فضلاً عن مشكلة الأحزاب التي تعانيها سورية، ولذلك فإن مصر تعتقد أن الوقت لم يحن بعد لقيام الوحدة».
وقد اجتمع سياسيو التجمع الوطني وممثلو الجيش الخمسة في منزل السيد خالد العظم وطلب الأستاذ صلاح البيطار تجديد السعي من أجل الوحدة مع مصر وقرّر الحاضرون بالإجماع إيفاد البيطار ليجتمع إلى الرئيس عبد الناصر ويفهم منه الحد الأدنى من الاتحاد الذي تقبل به الحكومة المصرية». وبعد لقاء الرئيس عبد الناصر خلص البيطار إلى أن الجيش السوري وحده هو الذي يستطيع أن يقنع عبد الناصر بالموافقة على الوحدة، فقام باستدعاء الضابطين السوريين أمين النفوري وأحمد عبد الكريم وقال لهما صراحة : «الوحدة أمانة في أعناقكم أنتم وزملاءكم، وعليكم أن تثبتوا ذلك لجمال عبد الناصر وينتهي الإشكال».
وبتاريخ 11/ كانون الثاني/ 1958 عقد رئيس الأركان الفريق عفيف البزرة اجتماعاً عاجلاً "لمجلس القيادة" المكون من 23 ضابطاً هم: أمين النفوري، عبد الحميد السراج، أحمد عبد الكريم، أكرم الديري، أحمد حنيدي، طعمة العودة الله، مصطفى حمدون، عبد الغني قنوت، مصطفى رام حمدان، ياسين فرجاني، عبد الله جسومة، محمد النسر، لؤي الشطي، أمين الحافظ، إبراهيم فرهود، حسين حده، غالب الشقفة، جمال الصوفي، بشير صادق، بكري الزوبري، جادو عز الدين، عبد الغني عياش، وبعد إجراء النقاش حول صيغة الوحدة مع مصر قرر غالبية الضباط المطالبة بصيغة الوحدة الاندماجية، وإعداد مذكرة بهذا الخصوص يحملها وفد من الضباط برئاسة رئيس الأركان إلى الرئيس عبد الناصر في صباح اليوم التالي 12 /كانون الثاني/ 1958. وفي الوقت نفسه يحملها نائب رئيس الأركانإلى السيد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس مجلس النواب.
أعدت المذكرة مساء ذلك اليوم، وقد جاء فيها أن يكون شكل الوحدة بالخطوط الكبرى التالية: «دستور واحد، رئيس دولة واحد، سلطة تشريعية واحدة، سلطة تنفيذية واحدة، سلطة قضائية واحدة، علم واحد، عاصمة واحدة»، وفيما يتعلق بالوحدة العسكرية جاء في المذكرة أن تقوم على الأسس التالية: «قائد أعلى للقوات المسلحة (رئيس الجمهورية)، مجلس دفاع أعلى، قيادة عامة للقوات المسلحة، قوات مسلحة (برية -بحرية - جوية) موحدة التنظيم والتسليح والتدريب والتجهيز توزع حسب متطلبات الدفاع والخطط الدفاعية المقررة على مسارح العمليات في أراضي الدولة الاتحادية، وموازنة واحدة».
وفي ساعة مبكرة من يوم 12/كانون الثاني ، استدعى رئيس الأركان الفريق عفيف البزرة، الملحق العسكري المصري بدمشق العميد عبد المحسن أبو النور، وطلب إليه مرافقة الوفد العسكري السوري برئاسة رئيس الأركان إلى القاهرة بطائرة نقل عسكرية. وضم الوفد أربعة عشر ضباطاً آخر هم: مصطفى حمدون، أحمد عبد الكريم، أحمد الحنيدي، طعمة العودة الله، حسين حدة، عبد الغني قنوت، محمد النسر، ياسين فرجاني، عبد الله جسومة، جادو عز الدين مصطفى، رام حمداني، أكرم الديري، جمال الصوفي، أمين الحافظ.
في صباح 12/كانون الثاني سلم اللواء أمين النفوري نائب رئيس الأركان ومعه عبد الحميد السراج المذكرة إلى رئيس الجمهوريةورئيس الوزراء ووزير الدفاع، وقرر رئيس الوزراء إجراء اجتماع في منزله مساءً، وقد حضر الاجتماع من الوزارة، العظم والكيالي، ومن النواب الحوراني وبكداش، ومن الأركان النفوري والسراج، «وبعد أن اطلعوا على المذكرة لم يعيروها الاهتمام الذي تستحقه، لعلمهم أن عبد الناصر لن يقبل بالوحدة الاندماجية».
اجتمع الوفد العسكري السوري بالمشير عبد الحكيم عامر يومي 13 ـ 14/كانون الثاني، وفي 15/كانون الثاني اجتمع بالرئيس عبد الناصر الذي كان قد أطلع الجميع على المذكرة المقدمة له. وبعد أن رحب الرئيس عبد الناصر بالوفد أعرب عن تقديره لنبل مشاعرهم القومية ومقاصدهم الخيرة إلا أنه رأى أن يحضر ممثل رسمي عن الحكومة السورية المباحثات، وفي 16/كانون الثاني وصل الأستاذ صلاح البيطار إلى القاهرة وشارك في المحادثات الرسمية.
تحدث الأستاذ صلاح البيطار مطالباً بالوحدة الفورية، وعلى أنها حلم وضرورة مصير، وأن الظروف العربية والدولية والداخلية تجعل اللحظة مناسبة تماماً للعمل الوحدوي، وبعد نقاش طويل أعلن عبد الناصر شروطه لقيام الوحدة على الشكل التالي:
(1) أن يجرى استفتاء شعبي على الوحدة في مصروسورية حتى يقول الشعبان رأيهما الحر، ويعبران عن إرادتهما واختيارهما.
(2) أن يتوقف النشاط الحزبي في سورية، وأن تقوم كل الأحزاب السورية دون استثناء بحل نفسها.
(3) أن يتوقف تدخل الجيش بالسياسة توقفاً تاماً، وأن ينصرف ضباطه إلى مهامهم العسكرية.
عاد الوفد العسكري السوري ومعه الأستاذ صلاح البيطار إلى دمشق يوم21/كانون الثاني وبعهدتهم محضر المباحثات التي دارت في القاهرة والتي تم الاتفاق فيها مع الرئيس عبد الناصر، وفي صباح يوم 22 كانون الثاني قابل ممثلو قيادة الجيش رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء المكلف بوزارة الدفاع السيد خالد العظم، وتقرر اجتماع مجلس الوزراء في مساء اليوم نفسه. اجتمع مجلس الوزراء في القصر الجمهوري برئاسة رئيس الجمهورية وحضور أكرم الحوراني رئيس مجلس النواب، وقائد الجيش عفيف البزرة مع معاونيه الأربعة: أمين النفوري وعبد الحميد السراج وأحمد عبد الكريم ومصطفى حمدون، وبعد أن افتتح الاجتماع رئيس الجمهورية تلا الأستاذ صلاح البيطار نص محضر المباحثات التي تم التوصل إليه وقد جاء فيه:
«تم الاتفاق على النقاط التالية خلال الاجتماعات المشتركة التي عقدة بين سيادة الرئيس جمال عبد الناصر وسيادة وزير الخارجية السورية السيد صلاح البيطار والمفوض من قبل الحكومة السورية بموجب قرار متخذ من مجلس الوزراء لبحث توحيد القطرين العربيين مصر وسورية:
أولاً: شكل الاتحاد:
يكون الحكم في الدولة العربية المتحدة جمهورياً رئاسياً ويتولى السلطة التنفيذية رئيس الدولة يعاونه وزراء معينون من قبل الرئيس، ويتولى السلطة التشريعية مجلس تشريعي واحد ينتخب انتخاباً حراً مباشراً من قبل الشعب.
ثانياً: المراحل التنفيذية المقترحة لتوحيد البلدين:
المرحلة الأولى:
(1) يعقد اجتماعاً بين الرئيسين وممثلين عن الحكومتين لإعلان قيام الدولة العربية المتحدة. واستناداً إلى قرارات المجلسين التشريعيين في مصر وسورية. يجتمع المجلسان التشريعيان في وقت واحد في دمشق والقاهرة لإصدار القرارات الآتية:
أ ـ قيام الدولة العربية المتحدة.
ب ـ ترشيح رئيس الدولة العربية المتحدة.
ج ـ تفويض رئيس الدولة العربية المتحدة بإصدار دستور مؤقت يمارس وفقه سلطاته لحين وضع الدستور الاتحادي الدائم.
(2) استفتاء الشعب في مصر وسورية على القرارات التي أصدرتها المجالس التشريعية.
(3) على أثر ظهور نتيجة الاستفتاء يعلن الرئيس الدستور المؤقت ويباشر سلطاته فوراً.
المرحلة الثانية:
(1) وضع دستور دائم للجمهورية العربية المتحدة.
(2) تكوين الاتحاد القومي.
(3) إجراء انتخابات وفقاً للدستور.
(4) العمل على توحيد مرافق الدولة.
وقد وافق الجميع على ما جاء في المحضر ما عدا السيد خالد العظم الذي طلب مهلة زمنية لمناقشة النص، وقد وجه في الاجتماعات اللاحقة نقداً شديداً مشيراً إلى أن النص يخالف الدستور السوري الذي أقر نظام الحكم بأنه ديمقراطي نيابي، كما أعطى النص صلاحيات إلى رئيس الجمهورية تسمح له بأن يكون حاكماً ديكتاتورياً، وخالف المبدأ الديمقراطي بموافقته على حل الأحزاب، كما اعترض العظم على مبدأ الاستفتاء. مع ذلك انتهت المداولات بموافقة المجتمعين على نص المحضر كما هو.
وفي 31 كانون الثاني/ يناير/1958 غادر رئيس الجمهورية شكري القوتلي، ورئيس الوزراء صبري العسلي وجميع الوزراء إلى القاهرة لتوقيع نص المحضر، واستقبلهم الرئيس عبد الناصر والوزراء المصريون في مطار ألماظة العسكري، وتوجهوا إلى قصر القبة في القاهرة، وفي مساء ذلك اليوم عقد اجتماع مشترك وزع فيه مشروع الدستور المؤقت.
وفي اليوم التالي وقع الجميع محضر إعلان الوحدة (الملحق رقم 20)، ومن على شرفة القصر خطب الرئيس عبد الناصر، وتبعه الرئيس القوتلي، ثم تلا صبري العسلي رئيس وزراء سورية محضر الاجتماع الذي أعلن بموجبه قيام الجمهورية العربية المتحدة. نص إعلان الوحدة وفي اليوم الخامس من شباط 1958 صادق مجلس الأمة المصري على إقامة الوحدة بالإجماع كما صادق المجلس النيابي السوري عليها ما عدا خالد بكداش سكرتير الحزب الشيوعي في سورية الذي غادر دمشق يوم انعقاد جلسة المجلس النيابي متوجهاً إلى بلغاريا.


وفي 21شباط/ فبراير أجرى استفتاء في مصر وسورية لاختيار جمال عبد الناصر رئيساً للجمهورية العربية المتحدة وكانت نتيحة الاستفتاء 99,99% وأذيعت النتيجة في اليوم التالي في كلا القطرين، وسارت في دمشق والمدن السورية مسيرات شعبية ضخمة طافت الشوارع وهي ترفع لافتات كتب عليها "الوحدة بين البلدين نواة الوحدة العربية الشاملة".
وفي 23 شباط/فبراير ألقى الرئيس جمال عبد الناصر خطاباً من شرفة قصر الضيافة في دمشق قال فيه «إنه بمناسبة الاحتفال بميلاد الجمهورية الجديدة يحق لكل فرد في أمة العرب أن يشعر بالقوة الحقيقية، وأن يشعر بأن إرادته قد انتصرت وأهدافه قد تحققت، وقال: إنه في عام 1917 تم تقسيم العالم العربي إلى دويلات وتم الاتفاق مع اليهود على إعطائهم فلسطين، أما اليوم فمشيئة العرب هي وحدها التي لها السيادة، وهي التي قررت قيام الجمهورية العربية المتحدة ، وقال أيضاً: "إن الوحدة هي بداية التحرر، بداية التخلص من السيطرة ونهاية الضعف، وإنه لا فراغ في الشرق الأوسط ولا مناطق لنفوذهم». 

وفي الخامس من آذار 1958 أصدرالرئيس جمال عبد الناصر الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة، نص الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة 

وكانت أهم النتائج المباشرة التي ترتبت على قيام الوحدة بين سورية ومصر«فشل المخطط الاستعماري الذي كان يتطلع نحو ضرب سورية وعزل مصر، والانتصار على الدعوات الإقليمية والانعزالية وتجاوزها، والتأكيد على أن التحرر والوحدة هدفان قوميان متلازمان لا يجوز فصل أحدهما عن الآخر، كما أحدثت الوحدة آثاراً إيجابية ومهمة في مجريات النضال العربي وألهبت حماس الجماهير من أجل التحرر والانضمام إلى الجمهورية العربية المتحدة» (ولكن في الوقت نفسه كتلت القوى المضادة الداخلية والخارجية التي لها مصلحة في الإبقاء على التجزئة في الوطن العربي ونجحت هذه القوى في إسقاط الوحدة بعد ثلاث سنوات ونصف من قيامها)، ويشير السيد خالد العظم في مذكراته إلى الدور الكبير الذي لعبته قيادة الجيش السوري في تحقيق الوحدة قائلاً «لولا هؤلاء الضباط الخمسة: النفوري والسراج وعبد الكريم وحمدون والبزرة ، لما تمت الوحدة»، ولكن الحقيقة هي أن تعلق الشعب السوري بالوحدة فرض على جميع مؤسسات الحكم في سورية بما في ذلك الجيش ضرورة التحرك لتحقيقها بالسرعة الممكنة.
لقد أدى قيام الوحدة إلى تغيير موازين القوى في المنطقة: فقد تصدى ملكا الأردن والعراق للمد الوحدوي وذلك بإقامة الاتحاد العربي بين المملكتين، ودعمت المملكة العربية السعودية خطوتهما، وحدثت اضطرابات داخلية في لبنان بين مؤيد ومعارض للوحدة وكذلك في الأردن، وقد أحدثت ثورة 14 تموز 1958 في العراق، التي عجلت الوحدة في انطلاقها، هزة في المنطقة، ونزلت في اليوم التالي القوات الأمريكية في لبنان بطلب رسمي من الرئيس اللبناني كميل شمعون، كما هبطت في الوقت نفسه قوات المظليين البريطانية في الأردن قادمة من قبرص عبر أجواء إسرائيل. وفي 18 تموز اجتمع في أنقرة مندوبو تركيا وإسرائيل وإيران وإثيوبيا لدراسة مشروع إسرائيل بإقامة حلف سري أطلق عليه "حلف الأطراف"، وفي 20 تموز أرسل "بن غوريون" رسالة مستعجلة إلى آيزنهاور يطالبه فيها بدعم معنوي ومالي لمشروع التحالف السري بين البلدان الأربعة:
«إن غاية الحلف بنظر بن غوريون الوقوف في وجه التوسع السوفييتي الذي يتم من خلال عبد الناصر، وربما استطاع هذا الحلف في المستقبل استغلال لبنان وربما سورية أيضاً».
وكانت استراتيجية القوى الاستعمارية التي وضعت آنذاك لمواجهة الوحدة، تهدف إلى احتوائها ومنع توسعها إلى الدول العربية المجاورة ومن ثم العمل على الإجهاز عليها وإحداث الانفصال. ووافق أعضاء منظمة حلف الأطلسي في جلسة سرية عقدة في 12 شباط/ فبراير 1958 على تقويم ممثل الحكومة الإيطالية للجوانب الإيجابية والسلبية لهذه الوحدة قائلاً: «إن الوحدة المقترحة تحمل جانباً إيجابياً يتمثل في كونها منعت وقوع انقلاب شيوعي في سورية وتحول سورية للسوفييت، وأنه لشيء مشجع حل الحزب الشيوعي السوري كخطوة أولى، إلا أن الجانب السلبي يتمثل في أن الوحدة قد أعطت قوة دافعة للاتجاهات الخطرة للقومية العربية، وللاتجاهات المضادة لأنظمة الحكم الملكية في العالم العربي، كما أن وجود لبنان أصبح معرضاً للخطر وتزايد الخطر أيضاً على إسرائيل في المدى البعيد».
وبالمقابل رحب الاتحاد السوفييتي بقيام الجمهورية العربية المتحدة، وأعرب، وهو يملك علاقات صداقة مع كلا البلدين المتحدين، عن تمنياته الصادقة بتطوير العلاقات مع الجمهورية العربية المتحدة.
أما «دالاس» وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية فقد كتب إلى «آيزنهاور» عشية ولادة الجمهورية العربية المتحدة مايلي: «إن هذه الوحدة خطره .. وهناك تصور كبير أنها مدعومة من الروس .. فإذا تحقق هذا فإن الأردن ولبنان سيبتلعان، وستضع هذه الوحدة السعودية والعراق في خطر».
وقد علق "ي.م. بريماكوف" المفكر السوفييتي المعروف (ورئيس وزراء روسيا الاتحادية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي) حول سياسة الولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة الوحدة بقوله «قاد فشل استخدام التكتيك الأمريكي الجديد حيال سورية في عام 1957 إلى تعديل بعض نقاط الارتكاز عند تنفيذ مبدأ آيزنهاور، واتضح هذا بشكل خاص من رد فعل الولايات المتحدة الأمريكية على قيام الجمهورية العربية المتحدة في شباط عام 1958 التي ضمت مصر وسورية، ووضعت الولايات المتحدة أمامها هدف تطويق هذه الدولة الجديدة التي عززت بشدة الميول نحو المركزية في العالم العربي بشريط وقائي فريد من نوعه، وبالطبع استمرت أثناء ذلك المحاولات الرامية إلى تغيير طابع الحكم في كل من إقليمي الدولة الجديدة وتصفية الاتجاه المعادي للإمبريالية في سياستها الخارجية، ولكن الولايات المتحدة نظراً لفشلها في سورية ركزت بشكل رئيسي على تعزيز تلك الأنظمة العربية التي كانت في ذلك الوقت، أو التي يمكن أن تصبح، حليفة للغرب، واعتبرت الولايات المتحدة أثناء ذلك أن أخطر أعداء هذه الأنظمة هي القوى المنادية، بأي شكل من الأشكال، بالتحالف مع الجمهورية العربية المتحدة».