الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  دور الجيش إبان العدوان الثلاثي على مصر   معلومات تفصيلية

دور الجيش إبان العدوان الثلاثي على مصر 

في السابع عشر من شهر نيسان 1950 تم التوقيع على (معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي) بين دول الجامعة العربية، وتنص على التزام كل دولة عضو بأن تهب لنجدة أي دولة أخرى عضو في المعاهدة إذا تعرضت لاعتداء مسلح. وقد وقع هذه المعاهدة عن الجانب السوري الدكتور ناظم القدسي، بصفتة رئيساً للحكومة ووزيراً للخارجية.
وتتميز هذه المعاهدة عن «ميثاق جامعة الدول العربية» بأمرين:
1 ـ وافقت الدول المتعاهدة على أن تلتزم بالقرارات الصادرة عن المجلس بأغلبية الثلثين (المادة 9)، بمعنى أن شرط الاجماع ليس ضرورياً.
2 ـ تعهدت الدول الأعضاء بعدم إبرام أية اتفاقية دولية لا تتفق مع المعاهدة الحالية، وأن لا تتبع علاقاتها الدولية سبيلاً لا يتلاءم مع أغراض المعاهدة وقد «وصفت الاتفاقية بأنها خطوة نحو تكامل أكبر بين الدول العربية وتعبير عن إراداتها بالوقوف جنباً إلى جنب».
وقد أبرمت الحكومة السورية هذه المعاهدة بالقانون رقم /9/ تاريخ 5/6/1951 دلالة على استعدادها لتنفيذها فوراً. ولما تأخرت بقية الدول العربية في تنفيذ نص المعاهدة حاولت الحكومة السورية أن تقنعها بتنفيذها، وهكذا سافر العقيد أديب الشيشكلي، نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الأركان العامة في ذلك الوقت إلى مصر، وأدلى هناك بتصريح جاء فيه:
« لقد جئنا إلى مصر لأمور تتعلق بالضمان الجماعي، ولهذا الضمان ناحية عسكرية وأخرى سياسية. وفيما يختص بالناحية العسكرية التي تدخل ضمن نطاق عملنا رأينا من المناسب الاتصال بذوي الشأن من رجال مصر لنقوم ببعض الدراسات حول مشروع الضمان الجماعي، الذي توليه الحكومة السورية تأييدها التام كأداة صالحة للدفاع عن كيان العالم العربي». ولكن هذه المعاهدة بقيت ـ رغم الجهود والمحاولات السورية ـ حبراً على ورق، ولم تنفذ في الواقع، ولذا أخذت الدول الأعضاء في الجامعة تلجأ إلى عقد الاتفاقيات الثنائية بين بعضها بعضاً.
وقد انتهى العمل بهذه المعاهدة فعلياً في الشهر الأول من عام 1955، حين قام العراق بعقد الحلف العراقي - التركي، الذي يتعارض مع نص ميثاق الدفاع العربي المشترك لفظاً ومضموناً، وردّت مصر على ذلك بإعلان الانسحاب من هذا الميثاق. وعرضت مصر عندئذ على سورية الارتباط بمعاهدة جديدة باسم «ميثاق الدفاع السوري - المصري المشترك»، ولكن الحكومة السورية لم تقبل الارتباط بهذا الميثاق بشكل رسمي إلا في 20 تشرين الأول 1955، وتم تبادل وثائق الإبرام في 8 تشرين الثاني من العام نفسه.
وقد نص ميثاق الدفاع السوري - المصري المشترك «على تشكيل جملة مؤسسات مشتركة في مجال الدفاع، ومن هذه المؤسسات (اللجنة العسكرية الدائمة)، و(الهيئة الاستشارية العليا)، و(مجلس الدفاع المشترك). وتتألف اللجنة من وزراء الخارجية والدفاع في كلا البلدين، وهي التي تصدر التوجيهات المتعلقة بالسياسة العسكرية إلى قائد مجلس الدفاع المشترك الذي تعنيه اللجنة العسكرية الدائمة.
أما الهيئة الاستشارية العليا فتتألف من رئيسي أركان القوات المسلحة في مصر وسورية، وتعمل كهيئة استشارية للجنة العسكرية الدائمة. ويضم مجلس الدفاع المشترك القائد الأعلى ورئيس الأركان العامة وبعض الشخصيات العسكرية الأخرى. وفي زمن الحرب توضع القوات المسلحة لكلا البلدين تحت تصرف مجلس الدفاع المشترك. وكان الهجوم على أي بلد سوف يعتبر هجوماً على البلدين كليهما. أما مدة الميثاق فخمسة أعوام تتجدد تلقائياً. وقد عين الفريق عبد الكريم عامر، وزير الحربية المصري، والقائد العام للقوات المسلحة، المصرية، قائداً عاماً لمجلس الدفاع المشترك».
وحين تعرض القطر المصري الشقيق للعدوان الثلاثي الذي قامت به جيوش بريطانيا وفرنسا و إسرائيل ضد أراضيه في أواخر شهر تشرين الأول عام 1956، سارعت الحكومة السورية وعرضت على مصر أن تدخل الحرب رسمياً إلى جانبها، ولكن الرئيس جمال عبد الناصر طلب من الحكومة السورية التريث مع البقاء على أهبة الاستعداد. وقد وضع الجيش العربي السوري بكامله تحت تصرف «القيادة المشتركة»، استناداً لنص ميثاق الدفاع المشترك بين البلدين، ولكن القيادة المشتركة فضَّلت سدّ الجبهة الأردنية بما يعادل فرقة سورية، وإبقاء القوات السورية الأخرى على أهبة الاستعداد.
وتنفيذاً لأوامر القيادة المشتركة شكل ما يسمى (الجمهرة السورية الأولى) من الوحدات التالية: اللواء الثالث مشاة بإمرة العقيد سهيل العشي، اللواء المدرع المتمركز في حوران بإمرة المقدم طعمة العودة الله، فوج مدفعية بإمرة المقدم جوزيف بيرمان، فوج هندسة بإمرة المقدم ممدوح الحبّال، وكُلّفت هذه الجمهرة بالتوجه بسرعة فائقة إلى الأردن بإمرة العقيد سهيل العشي، وأن تضع نفسها تحت تصرف الفرقة الأردنية بقيادة اللواء راضي عناب، للقيام بمهمة هجومية على إسرائيل، ولكن «لكن أمراً معاكساً وصل يوم 31/10/56 من القيادة المشتركة في القاهرة، ويقضي بأخذ خطة الدفاع، وأصبحت مدينة اربد مقراً لقيادة الجمهرة».
وقد كلفت الحكومة السورية، إضافة إلى ذلك، وفداً سورياً رسمياً رفيع المستوى بالسفر إلى موسكو لإقناع السوفييت بوضع كل ثقلهم إلى جانب مصر في المعركة، وهكذا قام الرئيس شكري القوتلي بزيارة عاجلة إلى الاتحاد السوفييتي، ما بين الثلاثين من تشرين الأول والرابع من تشرين الثاني(...) وقد صحبه فيها عبد الحسيب رسلان وزير الدفاع، وتوفيق نظام الدين رئيس الأركان العامة، ورشادي جبري وزير الزراعة. ولا شك بأن القيام بهذه الزيارة الرسمية على أعلى المستويات، في أول أيام المعركة، فيها دلالة أكيدة على الغاية من القيام بها.


ومن جهة ثانية فقد «اختلط الدم السوري بتراب مصر ومياهها، واستشهد الضابط البحري السوري جول جمال بعد أن قضى على المدمرة الفرنسية جان بارت، وكان الشرف الذي ناله هذا البطل هو شرف جماهير سورية العربية، التي وضعت الجيش العربي السوري تحت تصرف القيادة العربية المشتركة، ونسفت أنابيب النفط المارة في أراضيها لتمنع تغذية العدوان الإمبريالي بالنفط العربي».

 


وكان لحادثة نسف أنابيب النفط في سورية أثر كبير في وقف العدوان الثلاثي على مصر، ويقول السيد خالد العظم في ذلك: «وقد دلت الحوادث فيما بعد على أن بريطانيا وفرنسا تضعضعتا أمام ما قامت به سورية من نسف محطات الضخ وقطع الأنابيب إبان العدوان على مصر، إذ أن سير السيارات والطائرات كاد أن يتعطل في بلادهما بسبب ندرة البنزين، ثم خشيتا من اضطرار المعامل إلى إغلاق أبوابها لنضوب المازوت في المستودعات».
ويلخص كتاب «الذكرى الخمسون لتأسيس الجيش العربي السوري» أثر وقوف سورية بكاملها، حكومة وجيشاً وشعباً، إلى جانب مصر لإحباط العدوان الثلاثي الذي تعرضت له أواخر سنة 1956 بالقول: «لم تكن مصر وحدها في المعركة، بل شاركت سورية في أداء الواجب المقدس، ووقف المقاتل العربي السوري يحمي ظهر أخيه وصدره، ويقتحم معه بحار الموت، حتى تمكن الشهيد البطل (جول جمال) من إغراق مفخرة البحرية الفرنسية المدمرة (جان بارت). وفي الوقت نفسه قامت قوات سورية بتدمير عدد من مضخات البترول الخاصة بشركة نفط العراق، فانقطع بذلك مورد العائدات الرئيسي الذي يحرك آلة الحرب الإمبريالية، مما كان له أعظم الأثر في بلبلة الأوضاع في الدول المعتدية وفي أوروبا، كما أسقطت طائرة سورية من طراز « ميتيور» يقودها الملازم الأول منير جيرودي، قاذفة قنابل بريطانية من طراز (كامبيرا) فوق الأراضي اللبنانية».