الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  دور الجيش في حماية الاستقلال والحفاظ على النظام ال  معلومات تفصيلية

دور الجيش في صدّ الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة

عقدت الهدنة السورية - الإسرائيلية في 20 تموز 1949، وقضت بنودها بانسحاب وحدات الجيش السوري من الأراضي الفلسطينية التي احتلّتها أثناء الحرب، وبأن تصبح هذه الأراضي «مناطق مجردة» لا يحق لأي من الطرفين إدخال عسكريين من جيشه إليها أو ضمها لأراضيه.


وظلت هذه المناطق، طيلة عام 1951، هدفاً لاعتداءات الإسرائيليين عليها: ففي 25 آذار 1951 فتح اليهود النار باتجاه الخطوط السورية في القطاع المحيط بمستعمرة «مسْمَا هَايَردِن» ومزرعة الخوري من الجانب الإسرائيلي، وطالت الرمايات مخفري (الجمرك) و (جسر بنات يعقوب) السوريين. وفي 30 آذار من العام نفسه عزّزَ اليهود حشودهم في منطقة بحيرة الحولة، ومنعوا السكان العرب الذين يقطنون المنطقة المجردّة فيها من زراعة أراضيهم، ثم في 4 نيسان من العام نفسه دخلت قوة عسكرية إسرائيلية يزيد عدد أفرادها على مائة جندي إلى المنطقة المجردة، واحتلت قرية (السمرة) العربية ودمرتّها ، بينما بقيت المستعمرة اليهودية المجاورة لها (هاؤون) سليمة في مكانها.
وبينما كانت لجنة الهدنة في سبيلها لمعالجة هذا الحادث وصلت أخبار عن محاولة دخول سيارتين إسرائيليتين تقلاّن جنوداً إلى موقع (الحمة)، الذي يقع في مكان تلاقي الحدود السورية مع الحدود الأردنية من جهة، والحدود الفلسطينية من جهة ثانية. وقد حاولت السيارتان التملص من المخفر السوري الموجود في مدخل البلدة فتظاهر قائدهما بأن السيارتين ضلّتا الطريق، وطلب مهلة لا تزيد على دقيقتين للعودة إلى ما بعد خط الحدود، فسمح له الضابط السوري رئيس المخفر بذلك، ولكنه سمعه يقول لأفراد السيارة الثانية بأن ينسحبوا إلى مسافة 50م ويحموا تراجعه لأنه سيقوم بإطلاق النار على رجال المخفر السوري ثم الانسحاب. وصدف أن قائد المخفر السوري كان من الضباط الفلسطينيين الذين يجيدون اللغة العبرية (الملازم رشيد جربوع) فأشار لجنده بإطلاق النار على أفراد السيارة الثانية فسقط من ركابها سبعة قتلى وجريح وأسير تم تسليمهم جميعاً إلى لجنة مراقبة الهدنة. وفي «5/4/1951، في الساعة السادسة عشر والنصف قصفت ثماني طائرات إسرائيلية منطقة الحمّة، وتصدّت لها الأسلحة المضادة».
وخلال شهر نيسان من عام 1951 كانت القوات الإسرائيلية تهاجم سكان المنطقة المجردة العرب الذين كانوا يقطنون سهل الحولة، في النقيب، والغنّامة، والبكّارة،والجسر، فتُصادر أغنامهم وأبقارهم وتدمّر بيوتهم وتطردهم من ديارهم... وبما أن السكان كانوا أضعف من أن يتمكنوا من صدّ هذه الهجمات الصهيونية فقد جرى إدخال ثلاث فصائل من الجند، برتبائهم وضباطهم، من ملاك كتيبة الاستطلاع، وفوج المشاة الأول، والفوج السادس عشر باللباس المدني حيث اختلط الجند بالسكان المدنين، وخاض الطرفان معاً معركة حامية ضد الصهاينة، هي «معركة تل الشمالنة» أواخر شهر نيسان 1951. وقد أسفرت هذه المعركة عن مصرع ما يزيد على مائة جندي ومستوطن صهيوني مقابل سقوط تسعة شهداء أحدهم ضابط من الجانب السوري(الملازم الأول أسعد عميِّر) بالإضافة إلى إصابة عدد من الجرحى، وقد تمّ تكريمهم بوسام جرحى الحرب «نظراً لإصابتهم أثناء قيامهم بالواجب في منطقة العمليات الحربية».(شهداء معركة الشمالنة هم: الملازم الأول أسعد عمير، الرقيب صالح الحاج عبد الله، المجند يونس أسعد العيسى، المجند عبد صالح عيسى شعبان، المجند علي بن محسن محسن وجميعهم من فوج المشاة الأول، الوكيل زازو كاوه، المجند طه كلاس، المجند محمد حداد ديب، المجند أحمد عيسى حسن من كتيبة الاستطلاع، وقد منح هؤلاء جميعاً الوسام الحربي من الدرجة الأولى بعد الاستشهاد).
وقد تتابعت حوادث الاعتداء على المنطقة المجردة وسكانها وكانت غايتها، حسبما ظهر بعدئذ، هي إلهاء القوات السورية بالمناوشات على خط الهدنة بينما كانت الجرّافات وآليات الشفط الإسرائيلية تقوم بتجفيف سهل الحولة، ونظراً لأن تجفيف هذا السهل يغير من طبيعة الأرض في المنطقة المجردة ويزيل حاجزاً طبيعياً بعرض 8 كيلو مترات تقريباً، لذا فقد تقدّمت الحكومة السورية بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي، وفي 8 أيار 1951 «اتخذ مجلس الأمن قراراً أدان فيه إسرائيل لإقدامها على تجفيف بعض أقسام بحيرة الحولة وتغيير مجرى نهر الأردن، مما أدى إلى أعمال حربية في المنطقة المجردة من السلاح الواقعة بينها وبين سورية، وقد دعا مجلس الأمن إسرائيل في قراره هذا للكف عن الأعمال التي باشرت بها». ولكن إسرائيل كانت قد انتهت من الأعمال التي تريد القيام بها في المنطقة!
وعادت المناطق الحدودية للتفجر في أوائل عام 1953 بسبب محاولة إسرائيل تحويل مجرى نهر الأردن، فأرسل الرئيس آيزنهاور إلى المنطقة خبيراً في المياه، وهو المستر إيريك جونستون، الذين قدّم مشروعاً لتقاسم مياه نهر الأردن بين سورية والأردن وإسرائيل، ولكنّ هذا المشروع كان يعني ضمناً الاعتراف واقعياًDe facto بدولة إسرائيل وهذا ما رفضته الدولتان العربيتان، بينما تابعت إسرائيل عملية تحويل مياهه.
وبتاريخ «27تشرين الأول 1953 أرغم مجلس الأمن إسرائيل على وقف الأعمال التي باشرتها في الضفة الغربية من نهر الأردن في المنطقة المجردّة، وحتى يبت المجلس في الشكوى التي قدّمتها سورية بهذا الخصوص، وقد عهد المجلس إلى رئيس أركان هيئة مراقبة الهدنة بالسهر على تنفيذ هذا التعهد».
وقد كانت هذه الاصطدامات مقدمة للتفكير بإنشاء (الحرس الوطني) من سكان المنطقة، ويقول اللواء أمين أبو عساف في ذلك:«بعد أن تكررت حوادث العدوان الصهيوني على المنطقة المجردة، واتضحت خطتهم (أي خطة اليهود) القاضية بالاستيلاء على هذه المناطق والتمركز بها عسكرياً، وبعد طرد سكانها العرب، قررت رئاسة الأركان العامة الدفاع عن هذه الأراضي بشتى الطرق والأساليب للمحافظة عليها دون اللجوء إلى اصطدام يشترك فيه الجيش بشكل صريح. لذلك وسعياً وراء تنفيذ هذه الخطة لجأت قيادة القطاع بموافقة السلطات المسؤولة ومؤازرتها على تسليح السكان العرب في المناطق المجردة بأسلحة فردية وأوتوماتيكية تختلف نوعاً ما عن الأسلحة المستخدمة في الجيش».


واستمرت المناوشات بين الجانبين السوري والإسرائيلي بقية عام 1953، وطيلة عام 1954.«وكانت في أغلب الأحيان إذا لم نقل دائماً، في صالح الجيش السوري، فقد استطاع هذا الجيش دائماً تعطيل العمل في تحويل مجرى نهر الأردن، وأن يفرض سيطرته على المنطقة المجردة، وخاصة منطقة الحمّة التي فشلت عدة محاولات إسرائيلية للسيطرة عليها. وكانت فصيلة كاملة من رجال الجيش السوري، بإمرة ضابط تابع لرئاسة الأركان مباشرة، تقيم بصفة مدنيين مع السكان الأصليين، في هذا الموقع لمنع إسرائيل من احتلاله كما فعلت في بقية أجزاء المنطقة المجرّدة».