الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  دور الجيش في حماية الاستقلال والحفاظ على النظام ال  معلومات تفصيلية

دور الجيش في إحباط المخططات الاستعمارية 

تتمتع سورية بموقع جغرافي هام، إذ هي تشكل همزة الوصل بين القارات الثلاث (آسيا وأفريقيا وأوروبا) من جهة، وعلى مسافة غير بعيدة من منابع البترول في العراق والخليج وإيران من جهة ثانية، هذا بالإضافة لعدة مميزات استراتيجية أخرى، لذا لا غرابة أن يكون هذا البلد موئلاً للطامعين منذ قديم الزمان وحتى اليوم! وفي الفترة بين الحربين العالميتين خضعت سورية - في مفهومها الجغرافي الكامل - للانتداب الذي فرضته عليها دولتا فرنسا وبريطانيا، ثم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وزوال هذا الانتداب بدأت هاتان الدولتان مرحلة من الصراع فيما بينهما من أجل إعادة الهيمنة على المنطقة ولمواجهة النفوذ الأمريكي هذا بالإضافة إلى حماية الوجود الإسرائيلي الجديد في المنطقة!
وقد وجدت القوى الاستعمارية الكبرى الثلاث أنه من مصلحتها تقاسم مناطق النفوذ وتحقيق أهدافها الإمبريالية باسم «الدفاع عن العالم الحر ومحاربة الشيوعية» وكان لابد من أجل تحقيق هذه الأهداف من جر سورية إلى الارتباط بواحد من المشاريع الاستعمارية المشبوهة، وهذه المشروعات التي حاولت الدول الغربية فرضها على سورية في فترة الخمسينيات ما يلي:
1 ـ التصريح الثلاثي:
في الخامس والعشرين من شهر أيار 1950، أصدرت الدول العظمى الثلاث، الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ما سمي بالبيان الثلاثي، الذي التزمت فيه بحفظ السلام على الحدود الإسرائيلية - العربية، وأعلنت معارضتها المطلقة لاستعمال القوة أو التهديد باستعمال القوة في العلاقات بين دول المنطقة، وجعلت التزويد بالسلاح مشروطاً بعدم الاعتداء، فقد قضت بنود التصريح بعدم تزويد أية دولة من دول المنطقة بالسلاح إلا إذا تعهدت بعدم استعمال هذا السلاح إلا في حالات ثلاث:
• تأمين الأمن الداخلي.
• تأمين الدفاع المشروع عن النفس (الخارجي).
• الاشتراك في الدفاع عن مجموع منطقة الشرق الأوسط.
ومعنى هذا أن الدول العربية لا يمكنها أن تحصل على أسلحة من هذه الدول إلا ما يستخدم منها للأمن الداخلي، والأسلحة الدفاعية، وأما بالنسبة للأسلحة الهجومية الثقيلة فلا يمكن أن تحصل عليها إلا إذا انضمت إلى منظومة الدفاع عن الشرق الأوسط، التي يمكن أن تنضم إليها إسرائيل أيضاً بحكم كونها إحدى دول المنطقة!


وهذا معناه أن الغاية من التصريح هي الحفاظ على أمن إسرائيل أولاً، ومصالح الدول الكبرى الثلاث ثانياً بصرف النظر عن مصالح الدول العربية في المنطقة.
وفي 4 تموز 1950 اجتمعت الجمعية التأسيسية (السورية) لمناقشة هذا التصريح، ونقل وزير الخارجية، الدكتور ناظم القدسي، إلى الجمعية قرار اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية بشأن ردها على البيان الثلاثي: «إن الدول العربية ليست أقل حرصاً على استقرار السلام في المنطقة لكن تأمينه يقع على عاتقها وحدها، وإن ما تستورده من سلاح يستعمل لا في العدوان على أحد، بل في سبيل الدفاع عن نفسها وهي تعتبر التصريح الثلاثي بمثابة توزيع لمناطق النفوذ في الشرق الأوسط، وهي ترفض أي تدخل أجنبي في مسائلها الداخلية».
2 ـ مشروع الدفاع عن الشرق الأوسط:
في بداية عام 1951 وجدت الدول الغربية الثلاث الكبرى، بعد (التصريح الثلاثي)، أن من مصلحتها إنشاء حلف دفاعي ضد النفوذ السوفييتي، يشمل كخط أول تركيا وسورية والعراق وإيران، باسم (مشروع الدفاع عن الشرق الأوسط)، وهذا المشروع كان يستهدف أمرين:
• استخدام سورية كمخفر دفاعي متقدم ضد الخطر الشيوعي القادم من الشمال أو الشمال الشرقي.
• إنهاء حالة العداء بين سورية وإسرائيل، وذلك بإدخالهما معاً ضمن منظومة دفاعية واحدة بقيادة دول عظمى.
ورغبة في «تسويق» هذا المشروع قام الوزراء المفوضون للدول الأربع (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، تركيا) بمقابلة السيد فيضي الأتاسي، وزير الخارجية في حكومة السيد حسن الحكيم، بتاريخ 13/10/1951، وقدموا له مذكرة رسمية جاء فيها: «إن الدفاع عن الشرق الأوسط أمر حيوي بالقياس إلى أمن العالم الحر، وهذا الدفاع لا يتأتى إلا بالتعاون بين دوله، مضافاً إليها دول أخرى في المنطقة التي هي ليست جغرافياً منه، وإلا بالتنسيق بين هذه الدول ودول المنطقة، لذا بات من المناسب إنشاء قيادة حليفة للشرق الأوسط تشترك فيها البلاد القادرة على المساهمة في الدفاع والراغبة فيه. إن بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وتركيا مستعدة للاشتراك في هذه القيادة، وقد وجهت دعوات إلى اتحاد جنوب أفريقيا واستراليا ونيوزيلندا التي أعربت عن اهتمامها بالدفاع عن المنطقة».
وفي نهاية المقابلة طلب الوزراء المفوضون الأربعة من وزير الخارجية السوري الحصول على جواب رسمي من الحكومة السورية على مضمون المذكرة، ولكن الوزير التمس منهم إمهاله إلى أن يتمكن من عرض الموضوع على الحكومة وعلى المجلس النيابي.
ونظراً لوجود خلاف بين رئيس الحكومة السورية في ذلك الوقت (السيد حسن الحكيم) ووزير خارجيته حول هذا الموضوع، فقد انبرى رئيس الحكومة أمام المجلس النيابي عند بحثه في جلسة 23/10/1951 للدفاع عن المشروع وقال: «إن الأقطار العربية سوف تفيد من منهاج الأمن المتبادل الأمريكي، الذي سيقوي العرب عسكرياً واقتصادياً أمام إسرائيل»، هذا في حين وصفه وزير الخارجية بالقول: «إن مشروع قيادة الشرق الأوسط يستهدف عدواً لم يقترف سوءاً بحق العرب (أي الاتحاد السوفييتي)، وإن الدول الغربية كلها تناصب العرب العداء في قضيتين هامتين هما قضية فلسطين والقضية المصرية، وناشد الدول العربية البقاء على الحياد بين الكتلتين الغربية والشرقية».
وبسبب هذا الانقسام في الرأي سحب رئيس الحكومة المشروع بحجة أنه معروض على الحكومة للاطلاع وليس للمناقشة واتخاذ قرار في شأنه! ولكن القضية انتقلت إلى الشارع وإلى الصحافة المحلية، ووصف وزير الخارجية، بسخرية لاذعة موقف رئيس الحكومة السيد حسن الحكيم من المشروع بأنه لم يكن «حسناً» ولا«حكيماً»، ولم يرى رئيس الحكومة عندئذ بداً من تقديم استقالته فقدمها يوم 10 تشرين الثاني 1951، وقادت استقالته هذه إلى أزمة وزارية انتهت بتكليف الدكتور معروف الدواليبي بتشكيل الحكومة يوم 28 من الشهر نفسه، وهذا التكليف أدى إلى قيام الشيشكلي بانقلابه الثاني يوم 29 وكان من الأفضل عرض المشروع (مشروع الدفاع عن الشرق الأوسط) على الحكومة أولاً، لترفضه دون عرضه على مجلس النواب، وخاصة بعد أن رفضته الحكومة المصرية قبل ذلك.
3 ـ مشروع النقطة الرابعة:
لم يمض على طي «مشروع الدفاع عن الشرق الأوسط» إلا بضعة أسابيع حتى طلعت السياسة الأمريكية بمشروع جديد يحمل الطابع الاقتصادي ظاهرياً، والعسكري فعلياً، وهو «مشروع النقطة الرابعة».
ويشبه هذا المشروع مشروع مارشال الذي تم تطبيقه في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية*. ولكن على نطاق أضيق، حيث نص على عدة بنود أهمها مد أوتستراد يصل بين عواصم الشرق الأوسط جميعاً، بما فيها حلب وبيروت ودمشق، بشرط إعطاء الحق للسلطة المانحة وحلفائها باستخدام هذه الطرق لمصلحتها في حالة الحرب، وقد عرض هذا المشروع على الحكومة السورية في زمن الشيشكلي (1952/1953) ورفض أيضاً.
4 ـ الحلف العراقي - التركي (حلف بغداد):
حلف بغداد هو ميثاق ثنائي في الأصل، عقدته حكومتا العراق وتركيا في بغداد يوم 13/1/1955، ثم أصبح معاهدة جماعية بعد ذلك، وهو في الحقيقة «لم يكن إلا حلقة من حلقات النطاق الكبير الذي أقرته السياسة الأمريكية لإحاطة الاتحاد السوفييتي بحزام يطوق تلك البلاد ويحصر داخلها النشاط الشيوعي، إلى أن يأتي يوم تقضي فيه أمريكا على الشيوعية في داخل البلاد التي تبنت هذا المذهب الاجتماعي».
وفي اليوم التالي للتوقيع على الحلف في بغداد قدم رئيس وزراء تركيا عدنان مندريس إلى دمشق، وقابل رئيس الحكومة السورية السيد فارس الخوري، أملاً منه في إقناعه بانضمام سورية إلى الحلف. ولأن الخوري كان يعلم بحسه السياسي المجرب، أن كلاً من الجيش والشارع السياسي كانا ضد الحلف، فإنه لم يعط مندريس رأياً باتاً في الموضوع، هذا في حين دعت مصر في السادس عشر من كانون الثاني 1955 إلى اجتماع لمجلس جامعة الدول العربية، يعقد في القاهرة، لشجب الحلف العراقي التركي، فلبت جميع الدول الأعضاء دعوة الجامعة باستثناء العراق، وحضر الاجتماع عن سورية رئيس حكومتها السيد فارس الخوري، ووزير خارجيتها السيد فيضي الأتاسي (من حزب الشعب).
وكان الاجتماع على وشك اتخاذ قرار بشجب موقف العراق والحلف العراقي - التركي، حين تقدم الوفد السوري باقتراح لتشكيل وفد عربي مشترك للذهاب إلى بغداد ومحاولة ثني الحكومة العراقية عن الارتباط بالحلف، لأن ذلك يتنافى مع (الميثاق العربي للدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي) الذي تم توقيعه في نطاق جامعة الدول العربية سنة 1950.
وقد تألف الوفد الذي سافر إلى بغداد من السادة صلاح سالم (مصر) وفيضي الأتاسي (سورية)، و وليد صلاح (الأردن) و سامي الصلح (لبنان)، قابل الوفد السيد نوري السعيد رئيس وزراء العراق وطلب إليه باسم جامعة الدول العربية العدول عن الارتباط بالميثاق العراقي - التركي، ولكن السعيد أفهم أعضاء الوفد أن الارتباط بالحلف لا رجعة عنه. وهنا أعلنت مصر انسحابها من (الميثاق العربي للدفاع المشترك)، وأنه أصبح لكل دولة من أعضاء الجامعة أن تنتقي حلفاءها كما تشاء.
وكان لاجتماع القاهرة أثر غير محمود على السياسة الداخلية في سورية، ويقول وليد المعلم في وصف ذلك: «أدى موقف السيد فارس الخوري في اجتماع القاهرة، وسيطرة حزب الشعب على سياسة حكومته العربية، إلى تذمر كبار ضباط الجيش، وتحرك السياسيين بهدف تشكيل وزارة جديدة. وساهم في ذلك النشاط الملحوظ الذي قام به السيد محمود رياض السفير المصري الجديد في سورية، حيث نقل إلى بعض الأوساط استياء الرئيس عبد الناصر من موقف رئيس الحكومة خلال اجتماع القاهرة».
وبعد نضوج المشاورات السياسية لرئاسة الحكومة الجديدة اجتمعت قيادة الحزب الوطني وقررت سحب أعضائها من الحكومة فاستقالت وزارة السيد فارس الخوري في مطلع شباط (1955) وأتت مكانها وزارة جديدة برئاسة صبري العسلي استلم حقيبة الخارجية فيها السيد خالد العظم.
وصممت الحكومة الأمريكية عندئذٍ أن تلقي بثقلها إلى جانب الحلف العراقي التركي، فقام سفيرها في دمشق، المستر جيمس موس بمقابلة رئيس الحكومة الجديدة السيد العسلي، بوجود وزير خارجيته السيد خالد العظم، وذلك في يوم 26 شباط 1955. وأثناء المقابلة قدم لهما مذكرة رسمية تحث الحكومة السورية على الانضمام إلى الحلف، جاء فيها: «إن وزارة الخارجية الأمريكية رحبت علناً بالاتفاق التركي العراقي، كخطوة إنشائية نحو منظمة دفاع حقيقية يمكن مع الوقت أن تضم باكستان وإيران وبعض الدول العربية».المذكرة الأمريكية للحكومة السورية.

ورأت الحكومة المصرية ضرورة التحرك وعدم ترك سورية فريسة للضغط الأمريكي- البريطاني، إلى ضغط البلدان المجاورة، فعرضت على سورية، في أول آذار 1955 التوقيع على ميثاق مصري - سوري للدفاع المشترك، ودعوة الدول للانضمام إليه بشرط عدم انضمامهم إلى أحلاف أخرى، ووافقت الحكومة السورية فوراً على ذلك.
«وصدر في 2 آذار 1955 بيان مشترك أكد على عدم انضمام الدولتين إلى الحلف العراقي التركي، ورغبتهما في إقامة منظمة دفاع وتعاون اقتصادي عربي مشترك ترتكز على الالتزام بالتعاون في صد أي عدوان يقع على المنظمة، وإنشاء قيادة مشتركة دائمة، وعدم قيام أية دولة مشتركة بالحلف (المنظمة) بعقد اتفاقيات دولية عسكرية أو سياسية دون موافقة بقية الأعضاء».
ورغبة في حث بقية الدول العربية على الانضمام إلى البيان السوري - المصري المشترك، المؤرخ في 2 آذار 1955، سافر الصاغ (الرائد) صلاح سالم برفقة السيد خالد العظم إلى الأردن، ومنها إلى السعودية فلبنان، وكانت الدولة الوحيدة التي استجابت لطلب الانضمام هي المملكة العربية السعودية، حيث اتفق الأطراف الثلاثة على أن يأخذ البيان المشترك اسم «الميثاق الثلاثي» بعد انضمام السعودية إليه اعتباراً من 5 آذار 1955، وقد أعلن الملك سعود، في هذه المناسبة «موافقته التامة على ما جاء في البيان السوري المصري، واتفق على أن تبدأ الدول الثلاث، ومن ينضم إليها من الدول العربية الأخرى، مشاورات عاجلة لوضع الميثاق الثلاثي موضع التنفيذ».
وقد استاءت تركيا بشكل واضح من توقيع الميثاق الثلاثي، ووجدت فيه عملاً عدائياً موجهاً من سورية ضدها، فوجهت إلى الحكومة السورية، بتاريخ 13 آذار 1955، مذكرة احتجاج جاء فيها: «إن الميثاق السوري - المصري يهدف إلى عزل تركيا عن العالم العربي، بينما يهدف الحلف العراقي - التركي إلى إعداد واستخدام العراق ضد أي هجوم سوفييتي. وترى الحكومة التركية أنه لولا وجود هذا الحلف الذي يضع إمكانيات تركيا والعراق تجاه أي اعتداء إسرائيلي لكان محو سورية من الخارطة السياسية استغرق أياماً. إن الحكومة التركية ستعيد النظر في سياستها وفي موقفها حيال سورية المجاورة في حال تحقيق (تصديق) هذا الميثاق من قبل سورية، وهذا ما يحمل تركيا على اعتبار هذا العمل كعمل معادٍ لها».
وقد جاءت الفقرة السادسة من مقررات باندونغ في شهر نيسان 1955، مؤيدة ضمناً للموقف السوري المصري حيث نصت على «الامتناع عن الاشتراك في نظام دفاعي جماعي في صالح إحدى الدول الكبرى، والامتناع عن الضغط على البلاد الأخرى».
ولكن حكومة نوري السعيد أصرت على متابعة الارتباط بالحلف التركي - العراقي، وحاولت زيادة عدد أعضائه من الدول العربية و الإسلامية. وبعد مداولات ووعود وزيارات ضمنت الدول الغربية اشتراك إيران وباكستان في الحلف، وعقد في بغداد يومي 21 و 22 تشرين الثاني 1955 اجتماع برئاسة نوري السعيد، رئيس الوزارة العراقية، وحضره عن إيران رئيس الوزراء (حسين علاء)، وعن باكستان رئيس الوزراء (جودي محمد علي)، وعن تركيا رئيس الوزراء (عدنان مندريس) وعن بريطانيا وزير خارجيتها (هارولد ماكميلان)، وأرسلت الولايات المتحدة ممثلين عنها، وحضر سفيرها في بغداد المؤتمر بصفة مراقب كما حضر ممثل للقوات الأمريكية اجتماع اللجنة العسكرية، وفي نهاية المؤتمر أعلن عن قيام (حلف بغداد)».
ولكن هذا الحلف لم ينجح في مهمته كما كانت تخطط له السياسة الأمريكية - البريطانية، بل إنه بدأ بالتراجع والانحسار وخاصة بعد فشل العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956.(انسحبت العراق من الحلف بعد ثورة 14 تموز 1958 فأصبح اسمه «المعاهدة المركزية: Centro، ثم انسحبت إيران منه بعد قيام الثورة الإسلامية فيها عام 1979، فجرى حله»).
5 ـ مبدأ آيزنهاور:
يقوم مبدأ آيزنهاور على نظرية مؤداها أن انسحاب القوات البريطانية والفرنسية من منطقة الشرق الأوسط، بعد فشل العدوان الثلاثي على مصر، قد ترك «فراغاً» في المنطقة، وأن هذا الفراغ لابد من ملئه بقوات أمريكية قبل أن تملأه قوات معادية أخرى!
وهكذا فمبدأ آيزنهاور، الذي وضعه وزير خارجيته جون فوستر دالس، يقوم على ما يمكن تسميته «نظرية الفراغ في الشرق الأوسط»، وأن هذا الفراغ لابد من ملئه لمنع «العدوان الشيوعي» من التسلل إلى المنطقة.
وقد تقدم آيزنهاور بنظريته هذه (التي دعيت فيما بعد: مبدأ آيزنهاور) إلى الكونغرس الأمريكي، عبر رسالة وجهها إليه في الخامس من شهر كانون الثاني 1957 وأورد فيها الخطوط العامة للسياسة الجديدة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وقد جاء فيها: «إن الشرق الأوسط وصل فجأة إلى مرحلة سياسية جديدة في تاريخه ونظراً للخطر الذي يتهدده من قبل الاتحاد السوفييتي، والدول التي تسيطر فيها الشيوعية العالمية، فقد أعلنت الولايات المتحدة بوضوح وأشارت بصراحة إلى أهمية المنطقة البالغة بالنسبة للدول الغربية».
وقد وافق الكونغرس بمجلسيه على رسالة الرئيس، بتاريخ 9 آذار 1957، وعندها قام بإرسال مساعد وزير الخارجية إلى الشرق الأوسط جيمس ريتشاردز، في جولة على بلدان المنطقة، اعتباراً من 12 آذار 1957، لشرح نظريته (مبدأ آيزنهاور)، وإعلامه عن أفضل الطرق لتحقيقها.
وسارعت الحكومة السورية إلى رفض مبدأ آيزنهاور عبر بيان رسمي أصدرته يوم 10/1/1957 تقول فيه: «ترى الحكومة السورية أن نظرية الفراغ هي نظرية مصطنعة يتذرع بها الاستعمار لتبرير تدخله وسيطرته، وأن الحكومة لترفض هذه النظرية رفضاً قاطعاً إذ لا فراغ في منطقة الشرق الأوسط بعد أن حصلت دوله على حريتها واستقلالها (....) إن الحكومة السورية إذ تشير إلى خطورة بيان الرئيس آيزنهاور لتعلن عن اعتقادها الراسخ بأن مهمة الحفاظ على الأمن والسلام في الشرق الأوسط منوطة بأهل هذه المنطقة، الذين لهم الحق بالدفاع عن أنفسهم تجاه كل خطر يتهددهم أياً كان مصدره» بيان الحكومة السورية بخصوص مبدأ آيزنهاور

 كما أن السيد صبري العسلي، رئيس مجلس الوزراء، صرح للصحافة بهذا الخصوص: «إن هذا المبدأ ما هو إلا عذر سيبرر به التدخل لحماية المصالح الاقتصادية(النفط)، وإن سورية قد رفضت رفضاً قاطعاً نظرية فراغ القوة التي يقوم عليها مبدأ آيزنهاور» .
وكان الرفض أعنف وأشد على المستوى الشعبي فقد «اصطدم مشروع آيزنهاور بالمقاومة العنيفة لشعوب هذه البلدان فجرت في سورية مظاهرات احتجاجات واسعة، ووصلت إلى الحكومة والبرلمان مئات البرقيات والعرائض المطالبة برفض المشروع الذي استنكره ممثلو جميع الأحزاب السياسية تقريباً واصفين إياه بأنه إعلان الحرب الباردة في منطقة الشرق الأوسط».
ولما لم تنجح السياسة الأمريكية في إخضاع سورية وإدخالها في النفوذ الأمريكي ردت على ذلك بأمرين:
• الأول: انضمام الولايات المتحدة الأمريكية إلى اللجنة العسكرية التابعة لحلف بغداد في 19 آذار 1957.
• والثاني: تدبير مؤامرة ضخمة بإشراف السكرتير الثاني في السفارة الأمريكية بدمشق. المستر هوارد ستون، بقصد قلب نظام الحكم في سورية، ولكن أجهزة الأمن السورية كشفت هذه المؤامرة، وقدمت الضباط والسياسيين الذين اشتركوا فيها إلى المحاكمة، في شهر آب 1957. وأما بالنسبة للمستر هوارد ستون ومساعديه فقد طلبت وزارة الخارجية سحبهم من سورية على اعتبار أنهم أشخاص غير مرغوب فيهم. «PERSONA NON GRATA»
ولم ينته الصراع بين سورية والولايات المتحدة الأمريكية بهذا الشكل، فقد تفجر مجدداً على شكل حشود تركية ضخمة قابلتها تحركات مصرية وسوفييتية للوقوف إلى جانب سورية في النصف الثاني من عام 1957.