الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  حرب فلسطين 1948   معلومات تفصيلية

نتائج حرب فلسطين والدروس المستفادة منها

انتهت حرب فلسطين الأولى التي نشبت عام 1948، بتوقيع اتفاقيات الهدنة الدائمة بين البلدان العربية التي اشتركت جيوشها في الحرب (ما عدا العراق) وبين العدو الإسرائيلي.
ورغم أن الجيوش العربية لم تخسر الحرب بالمعنى العسكري، حيث كانت جميعاً متوقفة في الأراضي الفلسطينية لا في أراضي حكوماتها الوطنية، يمكن القول في المقابل بأن الحكومات العربية قد خسرت هذه الحرب لأنها لم تتهيأ لدخولها أصلاً.
ولا بد من التمييز بين (النتائج العسكرية) و (النتائج القومية والسياسية) التي انتهت إليها حرب فلسطين 1948، فإذا كانت الأخيرة سلبية وكارثية فإن النتائج العسكرية كانت مقبولة وخاصة قبل توقيع اتفاقية الهدنة الأولى في 11 حزيران 1948، ويمكن الإشارة هنا إلى أخطر النتائج السياسية والقومية التي قادت إليها هذه الحرب:
1) أدت إلى نشوء دولة إسرائيل، وزرعها كخنجر يفصل بين آسيا العربية وأفريقيا العربية.
2) أدت إلى احتلال الإسرائيليين لمعظم الأراضي الفلسطينية عدا (الضفة الغربية) التي ألحقت بمملكة شرقي الأردن، استناداً لمقررات مؤتمر أريحا، في أول كانون الأول 1948، حيث أصبحت الضفتان تشكّلان «المملكة الأردنية الهاشمية» وكذلك (قطاع غزة) الذي أخضع للإدارة العسكرية المصرية منذ عام 1948 وحتى عام 1967 .
3) تم تهجير الشعب العربي الفلسطيني من أراضيه، حيث خرج من الأرض الفلسطينية عام 1948/1949 ما يزيد على 800000 فلسطيني ولم يبق إلا 160000 منهم في مناطق الجليل والناصرة ويافا والنقب.
4) بث عدم الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة، ودليل ذلك تعرّض سورية، على سبيل المثال لانقلابين عسكريين عام 1949 (انقلاب حسني الزعيم وانقلاب سامي الحناوي) واللذين يعتبران إفرازاً مباشراً للحرب، إضافة إلى ذلك تعرضت الدول الأربع المحيطة بإسرائيل لهجمات عدوانية متكررة وهو ما ألزمها بالحفاظ على حشود عسكرية قوية للدفاع عن نفسها، وصرف نفقات طائلة في هذا المجال كان بوسعها أن تخصّصها في مجالات التنمية.
5) كانت الحرب أحد الأسباب التي أدّت إلى اختلاف العرب فيما بينهم، بخصوص ما بقي من أرض فلسطين: فجامعة الدول العربية وخمسة من أعضائها (مصر، سورية، لبنان، اليمن، السعودية) أنشأت «حكومة عموم فلسطين» برئاسة أحمد حلمي، بينما لم تعترف الحكومتان الأردنية والعراقية بهذه الحكومة، وضمت الأولى الضفة الغربية إلى أراضيها، وقد سبّبت هذه الخطوة توتر العلاقات بين الأردنيين والفلسطينيين لمدة قاربت 20 عاماً.
6) أما بالنسبة للنتائج العسكرية فيمكن القول إن أداء الجيوش العربية في فلسطين، وخاصة قبل توقيع الهدنة يوم11 حزيران 1948 كان إلى حد ما مقبولاً، ولا يمكن قبول الفكرة القائلة بأن زمرة من العصابات قد تمكنت من قهر خمسة جيوش عربية نظامية عام 1948 فالجيوش العربية لم تدخل بكاملها في المعركة أو بالأحرى لم يُسمح لها بالدخول بكاملها في المعركة، ولم تدخل سوى قطعات محدودة منها، وذلك لأن السياسيين العرب الذين كانوا يمسكون بزمام الأمور في ذلك الوقت، اعتقدوا بان معركة فلسطين لن تكون أكثر من «مناوشة» وسينتهي الأمر بالقضاء على العصابات الصهيونية خلال أيام، وأثبت السياسيون العرب في ذلك أنهم كانوا يجهلون، أو يتجاهلون أن عدد أفراد العصابات الصهيونية هذه كان يزيد على 50000 مقاتل، وأن بعضهم قد اكتسب خبرة عسكرية متقدمة بانخراطه في الجيوش الأوروبية خلال الحرب العالمية الثانية، هذا في الوقت الذي لم يزد عدد أفراد الجيوش العربية النظامية الخمسة التي زُجّت في الحرب على 20000 مقاتل أغلبهم لم يسبق له أن خاض معركة أو تلقى التدريب المناسب لذلك.
وليس المقصود من هذا الكلام تبرير الأخطاء التي ارتكبت أو الإهمال الذي حصل، حيث من المعروف أنه هناك أخطاء عسكرية وسوقية تم ارتكابها، ويمكن أن نعدد فيما يلي بعضها كنوع من (الدروس المستفادة) من معركة فلسطين في عام 1948.
1) عدم الاستعداد:
كانت الحكومات العربية، وقياداتها العسكرية غير مستعدة لخوض الحرب لأسباب تكمن فيها أو خارجة عنها: فبعض الحكومات كان يرتبط مع بريطانيا بمعاهدات عسكرية، وبعضها كانت جيوشه تحت قيادة ضابط بريطاني، أو مجموعة ضباط بريطانيين، وبعضها الآخر (مثل سورية ولبنان) كان قد خرج لتوه من ربقة الاستعمار ولم يتهيأ له الوقت والتدريب الكافيين للدخول في معارك حربية كبرى.
2) عدم كفاية الحشد:
إن الحكومات العربية لم تلق بثقلها كاملاً في المعركة: فأحد الجيوش العربية دخل المعركة برتل من المتطوعين فقط، وجيش ثانٍ لم يقدم إلا 500 مقاتل لا أكثر، والجيش السوري ذاته لم يتدخل مبدئياً إلا بلواء واحد فقط من أصل الألوية الثلاثة التي كان يمتلكها، ثم زج اللواء الثاني بعد الهدنة الأولى (11 حزيران 1948)، وأما اللواء الثالث فقد بقي في الداخل، ولم يُزج في الجبهة إلا بعد توقيع الهدنة السورية - الإسرائيلية الدائمة في 20 تموز 1948.
3) سوء التسليح:
كانت الأسلحة الموجودة في الجيوش العربية أسلحة قديمة، يعود أغلبها إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى أو لمرحلة ما بين الحربين، وكانت الذخيرة غير كافية، وخاصة بالنسبة لذخيرة الأسلحة الثقيلة، وقد تلقى قائد الرتل السوري مثلاً تأنيباً ضمنياً من رئيس الجمهورية، لما زار رتله في يوم 18/5/1948 حين سمع أنه قد استهلك 400 قنبلة مدفع في عملية القصف التمهيدي لبلدة سمخ قبل التقدم لاحتلالها، ولما حاول الجيش السوري زيادة تسليحه أثناء فترة الهدنة سُدّت في وجهه السبل من قبل دهاقنة السياسة الدولية وعملاء العصابات الصهيونية، وقد تمكنت القيادة السورية بعد جهد جهيد، وبعد سفر عدة «لجان شراء» إلى أوروبا من تأمين شحنة من الأسلحة بمبلغ 11 مليون دولار، وتم تحميلها على سفينة إيطالية أبحرت باتجاه بيروت، ولكن جملة مؤامرات دبرتها الصهيونية وأجهزة الاستخبارات الغربية تسببت في تفجير السفينة وتعطيلها ثم قطرها إلى إسرائيل بدلاً من بيروت.
وتمكن الجيش المصري من شراء صفقة من الأسلحة والذخيرة ولكن تبين عند تجربتها أنها لا تصلح للاستخدام، أو أن استخدامها يمكن أن يضر بالسدنة أو الرماة الذين يستخدمونها، وهذا ما دُعي باسم «صفقة الأسلحة الفاسدة» (لقد كانت هذه الصفقة سبباً مباشراً لاغتيال رئيس الوزراء المصري، وسبباً مباشراً لتشكيل جماعة «الضباط الأحرار» في مصر 1956).
4) الأخطاء السوقية:
ومنها التعديل المفاجئ في الخطط التعبوية، كما حصل مثلاً مع الرتل السوري، الذي كلّف بداية بالتحشد على الحدود اللبنانية الجنوبية، ودخول الأراضي الفلسطينية من جهات بنت جبيل - عيترون، ثم جرى سحبه إلى قطاع فيق - سمخ لزجه في المعركة هناك، علماً بأن هذا القطاع هو أكثر قطاعات الجبهة الإسرائيلية منعة بسبب وجود «خط إيدن» وعشرات المستعمرات الصهيونية فيه.
5) الافتقار إلى التعاون بين الجيوش العربية:
فالرتل العراقي الذي كان موجوداً في منطقة جسر المجامع يوم 19 أيار 1948، إلى يسار الرتل السوري قد تم سحبه ليلة 19 /20 أيار دون إعلام قيادة الرتل بذلك، بالرغم من وجود ضابط ارتباط سوري لدى الرتل العراقي، وضابط ارتباط عراقي لدى الرتل السوري، وكمثال ثان يمكن الإشارة إلى عدم وجود تنسيق في العمليات بين قطعات الجيش السوري في كعوش وقوات جيش الإنقاذ في الجليل الأعلى، علماً بان المسافة بين وحدات هذا الجيش وذاك لم تكن أكثر من 15 كيلومتراً، ولعلّ السبب في ذلك هو أن جيش الإنقاذ كان تابعاً للقيادة العراقية العليا في عمّان، بينما الجيش السوري كان يتبع القيادة العسكرية السورية في دمشق.
6) قبول الهدنة الأولى:
في 11 حزيران 1948 وذلك بعد أن تمكنت الجيوش العربية من احتلال ثلاثة أرباع الأراضي الفلسطينية، فقد اغتنم العدو فرصة الهدنة للتعزيز والتدريب والتنظيم وعقد الصفقات المشبوهة مع الدول الكبرى، وهذا ما أحدث اختلالاً في ميزان القوى لصالح الإسرائيليين بعد انتهاء هذه الهدنة، وإن نظرة واحدة على خارطة توزع القوات العربية والإسرائيلية عند بدء هذه الهدنة، ثم كيف أصبحت هذه القوات بعد عام واحد عند تطبيق أحكام الهدنة الدائمة، تكشف مقدار التوسع الإقليمي الذي حققته القوات الإسرائيلية في هذه المرحلة.
7) بطء حركة الجيوش العربية، وعدم انتظام شؤونها الإدارية وهي أمور بالغة التأثير في مجرى المعركة، فسرايا الرشاشات السورية كانت لا تزال تستخدم البغال والرواحل في تنقلها، والاتصالات كانت لا تزال تتم عن طريق المراسلين، وليس بطريقة الأجهزة اللاسلكية، ولما تم الحصول على أجهزة لاسلكية جديدة (الجهاز 19) لم يتوفر من يجيد استخدام هذه الأجهزة في الوحدات.
كلمة ختامية:
وهكذا لا يمكن الجزم بأن حرب فلسطين عام 1948 كانت حرباً خاسرة بالمعنى العسكري، رغم كل الثغرات والأخطاء، ذلك لأن الجيوش العربية التي دخلت إلى الأراضي الفلسطينية ظلت حتى توقيع الهدنة الدائمة تحارب فوق هذه الأراضي، ولم تدخل القوات الإسرائيلية بتاتاً إلى أراضيها الوطنية.
وبالتركيز على أعمال الجيش العربي السوري يتضح أن هذا الجيش قد احتل مدينة سمخ ومستعمرة شعار هاجولان في 18 أيار 1948 ثم انسحب منها لأسباب تكتيكية، إلا أنه ظل محتفظاً بشريط المرتفعات الذي يمتد من (الحاوي العسكري) جنوباً حتى (قلعة الحصن) شمالاً، وفي القطاع الأوسط بذل الجيش السوري ضروباً هائلة من الشجاعة عند احتلاله لمستعمرات كعوش (مشمارهايردن) وتل أبو الريش والدردارة وخان يردة، وقد وسّع هذا الجيب وبقي محتفظاً به حتى توقيع الهدنة السورية - الإسرائيلية الدائمة في 20 تموز 1949، وفي القطاع الشمالي تمكن رتل الهجوم الذي أفرزه الجيش السوري من احتلال موقع (تل العزيزيات) بعد انتهاء الهدنة الأولى وقبل فرض الهدنة الثانية على العرب و«عند إعلان الهدنة الثانية كان المدفع السوري آخر مدفع أصابه الصمت، وكان الجندي السوري آخر جندي أغمد السلاح ذلك لأن اليهود اغتنموا فرصة حلول موعد الهدنة فحاولوا انتزاع بعض المواقع الاستراتيجية الهامة من وحدات الجيش السوري، فخاض الجنود السوريون البواسل معهم معركة عتية شاقة ظلت مستمرة ردحاً من الزمن بعد حلول موعد الهدنة الثانية وذلك في سبيل المحافظة على ما كان في أيديهم أثناء وقف القتال الرسمي وأخيراً تمت لهم الغلبة في تلك المعركة».
وقد عَمّدَ الجيش السوري انتصاراته هذه بضريبة الدم، ففقد حوالي 300 شهيد من أفراده، بينهم حوالي 40 صف ضابط و11 ضابطاً.
وبهذا طبّق هذا الجيش الحكمة الواردة في بيت الشعر المنقوش على مدخل الكلية الحربية في حمص وهو البيت القائل:
تقضي الرجولة أن نمدّ جسومنا جسراً فقل لرفاقنا أن يعبروا