الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  دور الجيش في حماية الاستقلال والحفاظ على النظام ال  معلومات تفصيلية

دور الجيش في حماية الاستقلال والحفاظ على النظام الجمهوري

لم تكن الانقلابات العسكرية الخمسة التي عرفتها سورية بين 1949 و1954 مجرد مغامرات شخصية دفعت إليها رغبة بعض العسكريين بالوصول إلى الحكم، ولم تكن الانقلابات في حقيقة الأمر إلا انقلاباً واحداً هو انقلاب الزعيم حسني الزعيم الذي حصل صباح يوم الأربعاء 30 آذار 1949، وأما الحركات الأربع الأخرى فقد حدثت لإصلاح الخلل الذي حصل في توجه هذا الانقلاب، نتيجة لانحرافه عن أهدافه السياسية، أو لتصحيح النتائج التي أدى إليها.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الانقلاب قد حدث في أعقاب نكسة 1948 في فلسطين، ونتيجة لمشاعر المرارة والإحباط التي ترسخت في قلوب القادة العسكريين، لأن رجال السياسة السوريين قد دفعوهم إلى خوض حرب دون أن يعدوا أو يستعدوا لها، وهذا ما يؤكده خالد العظم، رئيس وزراء سورية ووزير خارجيتها في ذلك الوقت: «وجاءت كارثة فلسطين فنشطت الدعاية في أوساط الجيش بأن المدنيين خانوا البلاد بعدم تسليحهم الجيش وتمكينه من الغلبة». وفي الحقيقة فإن النتائج التي أسفرت عنها تحقيقات لجنة برلمانية مؤلفة من صبري العسلي رئيساً، وأكرم الحوراني مقرراً، وعضوية عدد من النواب، أظهرت وجود إهمال فاضح من قبل أحمد الشراباتي، وزير الدفاع المسؤول في ذلك الوقت، والأجهزة التي تعمل بأمره مباشرة، علماً بأن الشراباتي كان من القريبين جداً إلى الرئيس شكري القوتلي وإلى الوزير جميل مردم بك.
ومن مظاهر التقصير الذي ارتكبه الوزير الشراباتي ومن حوله كما يذكر مقرر لجنة التحقيق البرلمانية السيد أكرم الحوراني في مذكراته:
1 ـ استلام وزير الدفاع الوطني الصلاحيات والاختصاصات كافة مما لا يتماشى مع الأنظمة المعمول بها في الجيش، ودون وجود قانون يؤيد ذلك.
2 ـ تفسيخ الجيش مما جعله كتلاً متنافرة، وإلقاء بذور الشقاق والبغضاء بين ضباطه وقادته وتحطيم معنوياته، وصرفه عن غاياته الأساسية إلى أمور شخصية مما أفقده الانضباط والطاعة والنظام.
3 ـ خروج المكتب الثاني عن الغاية التي وجد من أجلها بتشجيع الوزير.
4 ـ إنقاص عدد الجيش، استخدام المدنيين بكثرة، تسريح الجنود القدامى، وقف التطوع.
5 ـ عرقلة أعمال تدريب الجيش السوري.
6 ـ التقصير في تجهيز الجيش.
7 ـ التقصير في تسليح الجيش.
8 ـ تأخير إرسال الأجوبة على برقيات الموفدين إلى أوروبا لأجل شراء السلاح، وعدم فتح اعتمادات لهم وقت اللزوم.
9 ـ اشتراك الجيش في السياسة، وتدخله في الانتخابات.
10 ـ استثمار نفوذ الوزارة في أمور شخصية ومنافع ذاتية.
هذه هي خلاصة التهم التي وجهت إلى وزارة الدفاع، أو على الأصح إلى شخص وزير الدفاع الوطني السابق السيد أحمد الشراباتي، وما من واحدة منها إلا وعليها أكثر من دليل.
ومن هذا تبين أن عملية الانقلاب الأول لم تكن «حركة رعناء أقدم عليها ضابط مدفوع بحب العظمة»، بل كانت عملاً عسكرياً مسؤولاً تمت مناقشته والتخطيط له، على مستوى قيادي، قبل الإقدام عليه فعلاً في صباح يوم الأربعاء 30 آذار 1949، وذلك لإزالة المساوئ التي تم تراكمها في عهد القوتلي، في المجالين العسكري والمدني معاً، ولهذا لم يكن غريباً أن يقف الشعب موقف المؤيد للانقلاب منذ اليوم الأول لحدوثه، وتصف مذكرات الحوراني حالة مدينة دمشق يوم الخميس 31 آذار، ثاني يوم الانقلاب، بعد رفع منع التجول:
«كانت دمشق تموج بمظاهرات الفرح والتأييد وهي تردد: (عيّد يا طالب وفلاح: عهد الظلم ولّى وراح) وكان المتظاهرون من جميع أبناء الشعب وفئاته يمرون أمام وزارة الدفاع، والنساء تزغرد، وأفراد الشعب يعانقون الضباط والجنود في الشوارع ويشتركون معاً بالرقص والأهازيج والدبكات، والطلاب والضباط يلقون الخطابات الحماسية بجماهير المتظاهرين، التحام تام بين الجيش والشعب، والإذاعة والصحف تنشر ألوف البرقيات الواردة من جميع أنحاء سورية، ولا سيما من أسر الشهداء الذين ذهبوا ضحية القمع الوحشي للمظاهرات (....) والواقع أن معظم البرقيات كانت تعتبر هذه الحركة حركة تحريرية لتحقيق أماني الشعب وصيانة الدستور والنظام الديمقراطي الصحيح، كما كانت تعتبر أن هذه الحركة أزالت كابوس الظلم والطغيان، لذلك يضع مرسلوها أنفسهم في أمرة الحركة ورهن تصرفها».
وكان هذا الوصف يعبر عن موقف الشعب بالفعل، وقد عبر عن هذا الموقف بيان صادر عن حزب البعث العربي، بتاريخ 4 نيسان 1949، يبارك الانقلاب ويخاطب صاحبه بالقول: «من دواعي الغبطة أن نراكم تسجلون في بيانكم الذي أذعتموه أمس على الشعب العربي السوري ما كان لهذا الشعب من التأثير الأكبر في تحقيق الانقلاب، والحق أن الجيش الذي يتألف من أبناء الشعب لم يكن سوى الأداة الأمينة المباركة التي نفذت رغبة قومية وإرادة عامة طالما أعلنها الشعب».
أما عن مبررات الانقلاب الثاني الذي قاده سامي الحناوي في 14/8 من العام نفسه، فقد أصدرت رئاسة الأركان العامة بتاريخ 26/12/1949 بياناً موجهاً إلى الشعب تشرح فيه أسباب الانقلاب الثاني: «لقد استهدف انقلاب الثلاثين من آذار تحقيق هذه المبادئ غير أن القائمين على الأمور قد استغلوها لأغراض شخصية فخرج الانقلاب عن هدفه الأساسي، وكان الانقلاب الثاني نتيجة طبيعية لتقويم هذا الاعوجاج، وظن ضباط الجيش الذين ساهموا مع اللواء سامي الحناوي وتبنوه رمزاً لحركتهم أنه سيصلح ما أفسده الحكم السابق، وأن مجرى الأمور سيؤدي إلى إعادة الحياة الدستورية والنظام الجمهوري الذي يتوافق ورغبات الشعب والفكرة التقدمية في العالم « نص البيان الذي أصدرته الأركان العامة ».

أما الانقلاب الثالث، الذي قام به العقيد أديب الشيشكلي يوم 19/12/1949، فلم يكن انقلاباً بالمعنى الدقيق للكلمة، وقد صرح مصدر مسؤول إثر القيام به: «أن حركة الجيش لا تمس الحالة الشرعية القائمة في البلاد، وهي تعتبر حركة داخلية بحتة في الجيش، أما الوضع الشرعي فهو قائم ولم يطرأ عليه ما يمسه».
وقد أكد العقيد الشيشكلي في تصريحه بعد مقابلته رئيس الدولة يومئذ (الرئيس هاشم الأتاسي): «إن حركته بالجيش لم تكن انقلاباً بالمعنى المفهوم، بل كانت خطوة اتخذت لإقصاء الخطر الذي كان يهدد استقرار البلاد ونظام الجمهورية فيها، والجيش السوري ليس راغباً في التدخل بالقضايا السياسية وهو يتركها لممثلي البلاد الشرعيين».
وفي 15 نيسان 1950 عقد الشيشكلي في مقر نادي الضباط في دمشق مؤتمراً صحفياً، حول محادثاته في القاهرة جاء فيه: «لقد اغتنمت فرصة وجودي في مصر لأصلح بعض وجهات النظر الخاطئة عن الوضع العسكري: لقد صورت الدسائس الوضع بشكل يوحي أنه لا يوجد استقرار في سورية، وأن من يملك عشر بنادق يمكنه القيام بانقلاب، وأن الجيش قام بثلاثة انقلابات، وقد يكون هناك رابع وخامس وسادس (...) أوضحت بصورة لا تقبل الجدل أنه لم يقع في سورية سوى انقلاب واحد قام به الجيش بكامله ضد سوء الإدارة التي أدت إلى كارثة فلسطين. إن عدم تعاون الكثيرين من السياسيين السوريين هو الذي جعل حسني الزعيم يقيم ديكتاتورية عسكرية فأصلح الجيش ما هدمه الزعيم، كما أبعد الحناوي حرصاً على استقلال سورية ونظامها الجمهوري، وإن ما يشاع عن تدخل الجيش في السلطة لا يقصد منه إلا إيجاد هوة بين الجيش والشعب».
ولما سئل الشيشكلي في أواخر أيار 1950 فيما إذا ينتظر حدوث انقلابات أخرى أجاب: «إن الجيش سيمنع بكل ثمن تكرار هذه المهزلة التي كانت سورية مسرحاً لها والتي حطمتها تقريباً، ويشهد الله على أن الجيش يريد فقط أن يحمي استقلال سورية ونظامها الجمهوري».
والحقيقة أن الشيشكلي كان يرغب إبعاد الجيش عن السياسة، إلا أن بعض السياسيين كانوا يصرون على إقحام الجيش في السياسة، وهذا ما أجبر الزعيم أنور بنود، رئيس هيئة الأركان العامة، على توجيه نداء تحذيري إلى العسكريين والمدنيين معاً، بتاريخ العاشر من آب 1950، يقول فيه: «إن رئاسة الأركان العامة للجيش السوري، بعد أن رأت أن إقرار الدستور أصبح وشيكاً، وأن البلاد ستقبل على عهد استقرار وأمن من شأنه إنهاض الوطن وإعزازه، تعلن أن الجيش السوري ستقتصر رسالته على الدفاع عن حياض الوطن في ظل الدستور والقوانين وأنه أداة صالحة لكل حكومة منبثقة عن السلطة التشريعية الممثلة للأمة، فقد حذرت الأركان العامة كافة العسكريين من التدخل في أي شأن من شؤون البلاد تحت طائلة العقوبات المنصوص عليها في القوانين المرعية.
كما أنها ترى وجوب تذكير المواطنين إلى أن قانون العقوبات العسكري الجديد ينص صراحة في مادتيه 149 و150 على ملاحقة كل مدني يشوق أحد العسكريين على الانضمام إلى حزب أو جمعية أو مؤسسة ذات هدف سياسي، أو الأشخاص المسؤولين عن إدارتها، فيما إذا قبل بين الأعضاء شخص عسكري، على أن تسحب نهائياً رخصة الحزب أو الجمعية أو المؤسسة التي تقبل شخصاً عسكرياً، وتغلق مكاتبها وأماكن اجتماعها.. وهي ترجو الله أن يرعى هذه الأمة ويدرأ عنها الأذى ويكف عنها الدسائس، ويسدد خطا العاملين من أبنائها».
وهذا النداء الذي وجهه رئيس الأركان العامة لم يكن مجرد إنذار، ذلك أن هناك كثيرين من زعماء الأحزاب السياسية كانوا يحرصون على إيجاد قواعد لهم في الجيش، وقد أقر بهذه الحقيقة نائب سوري، في كلمة له تحت قبة البرلمان مخاطباً زملاءه النواب: «إذا لم نُردْ للجيش أن يتدخل (في السياسة) فعلينا اتباع سياسة صحيحة، والسير بالبلاد في طريق لا يمنح الجيش أي سبب للتدخل».
ولكن السياسيين، وخاصة أعضاء حزب الشعب، ظلوا يمارسون اللعبة البرلمانية في أسوأ أشكالها دون أن يعلموا أن الجيش كانت لديه خطوط حمراء لا يسمح لأحد بتجاوزها، ويعلق باتريك سيل على ذلك بقوله: «ولم يدرك السياسيون في الحال القيود الجديدة التي فرضت على سلطاتهم، واستمروا يلعبون لعبتهم البرلمانية العشوائية، يكتبون مسودات دساتير، ويصدرون بيانات، ويحيكون الدسائس مع قوى أجنبية وكأنهم يرفضون أن يقروا بأن الكلمة الأخيرة الآن للأركان العامة».
والحقيقة هي أن انقلاب الشيشكلي الثاني (الانقلاب الرابع) الذي وقع في 3/12/1951 تقع مسؤوليته على «حزب الشعب» بشكل خاص، فقد خُيّل لزعماء هذا الحزب «أن بمقدورهم ترويض العسكريين وإخضاع الجيش (باسم الشرعية البرلمانية)، خاصة وهم يتمتعون في البرلمان بالأكثرية، وأن القوى الأخرى ليست متماسكة، ولذا كانوا يناورون دائماً من أجل استلام وزارة الدفاع وربط الدرك والشرطة بوزارة الداخلية وفصلهما عن وزارة الدفاع»، مع علمهم التام بأن هذين الأمرين هما من الأمور التي لا يمكن التنازل عنها من قبل رئاسة الأركان العامة.
ويمكن اعتبار الانقلاب الخامس والأخير حركة للعودة إلى إطار الشرعية، قام بها العسكريون وسلموا الحكم إلى المدنيين من جديد، وهو أمر لا يحتاج إلى تبرير لأنه يحمل مبرراته في حد ذاته.
وهكذا يمكن اعتبار ما قام به الجيش في حركاته جميعاً كان يستهدف إما إصلاح الخلل (انقلاب الزعيم في 30 آذار 1949، وانقلاب سامي الحناوي في 14 آب 1949)، وإما الحفاظ على استقلال البلاد ونظامه الجمهوري (انقلاب الشيشكلي الأول في 19 كانون الأول 1949)، واستقلالية الجيش وكرامته (انقلاب الشيشكلي في 3 كانون الأول 1951)، وإما تسليم الحكم إلى المدنيين والعودة إلى الثكنات (الحركة الأخيرة في 25 شباط 1954).