الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الغزو الإسرائيلي للبنان  معلومات تفصيلية

حول الانسحاب من لبنان

أسفر الغزو الإسرائيلي عن احتلال جزء كبير من الأراضي اللبنانية، شمل جنوب الشوف وجزين والجبل وبعض البقاع والمنطقة الساحلية حتى بيروت ضمناً مع امتداد باتجاه الكورة. ثمّ انسحبت القوات الإسرائيلية من العاصمة في 4/ 10 / 1982، وانتشرت على تخومها الجنوبية والشرقية مقابل القوات متعددة الجنسيات، التي كلّفت بمساعدة قوات الشرعية اللبنانية (الجيش وقوى الأمن الداخلي) في الحفاظ على الأمن داخل بيروت والضاحية الجنوبية ومخيمات الفلسطينيين.
إلا أن الانسحاب من العاصمة لم يكن يعني نهاية العدوان، لأن القوات الإسرائيلية بقيت مسيطرة على أراضي دولة ذات سيادة وأخذت صفة الدولة المحتلة الرافضة لقرارات مجلس الأمن الخاصة بالانسحاب إلى ما وراء الحدود الدولية.


أ ـ الموقف الإسرائيلي من الانسحاب:
يدل تطور الأحداث والمواقف على أن الإسرائيليين ينوون تحقيق ما هو أبعد بكثير من أهدافهم المعلنة، بدليل أن العملية المسماة «السلام للجليل» لم تنته بإبعاد الفدائيين الفلسطينيين إلى بعد أربعين كيلو متراً إلى الشمال من خط الهدنة اللبناني - الإسرائيلي، بل تطورت إلى أهداف أخرى مثل إخراج القوات السورية والقوات الفلسطينية من الأراضي اللبنانية كافة، وإقامة «حكم قوي» في لبنان والتوقيع على «معاهدة سلام» معه، وبعد ذلك أخذت إسرائيل تتحدث عن إقامة «ترتيبات أمنية» في الجنوب اللبناني، توطئة لتحقيق هدف تالٍ يتلخص في نهب ما يمكن نهبه من أراضي لبنان لضمه إلى الكيان الإسرائيلي.
إن الموقف الإسرائيلي من الانسحاب يتمثل في التمسك بالمناطق اللبنانية المحتلة والمساومة عليها لتحقيق أطماع صهيونية قديمة، مع العمل في الوقت ذاته على تكريس واقع الاحتلال وتثبيت مرتكزاته. الأمر الذي يهدد مستقبل لبنان وسيادته ووحدته وسلامة أراضيه ويكشف عمق الهوة التي وقعت فيها الجبهة اللبنانية عندما تحالفت مع الصهيونيين ضد العرب ثم اكتشفت - بعد فوات الأوان - أن على لبنان كله أن يدفع ثمن هذا السقوط.
ب ـ الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل:
قبل الغزو ببضعة أيام، قال وزير الخارجية الأمريكي وقتذاك، الكسندر هيغ «أنه خلال الأسابيع القادمة، ستقوم الإدارة الأمريكية بشغل دور أكثر فاعلية في منطقة الشرق الأوسط»ثم شدد قائلاً «هذا هو الوقت المناسب للولايات المتحدة للعب دورها في المنطقة ».
ومع اليوم الأول لعملية الغزو، وجه الرئيس الأمريكي ريغان إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بيغن رسالة تكشف إلى حد كبير، الصلة بين هذه العملية ومحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في بريطانيا «شلومو آرغوف» وقال فيها: «عزيزي مناحيم في أعقاب إطلاق النار على السفير آرغوف، وتصعيد العنف الذي جاء نتيجة لذلك فإنني واثق من أنك منتبه إلى جهودنا في التعاون مع الأطراف المهتمة في أوروبا والشرق الأوسط من أجل استخدام النفوذ كي لا تحدث أعمال إضافية أخرى ضد إسرائيل»، وأضاف ريغان «سنجري اليوم أنا وهيغ مشاورات مع السفير حبيب وسنطلب منه إذا سمح الوضع متابعة مهمته في المنطقة، كما هو مخطط. إنني آمل أن توافق على وجوب العمل معاً لأجل خلق الأمن على الحدود الشمالية لإسرائيل» وختم ريغان رسالته بقوله «كما تعلم، فإن أمن إسرائيل هو من أول اهتماماتي».
إن هذا الكلام يظهر إلى حد كبير دور الولايات المتحدة في عملية الغزو. وهو الدور الذي كشفه «يعقوب حزان» أحد مؤسسي الدولة الصهيونية بقوله: «كانت خطة الغزو شاملة وتهدف إلى تحقيق تغيير جوهري في الخريطة السياسية حولنا، تغيير في وضع لبنان وسورية والاتحاد السوفييتي وفي وضع شريكتنا في العملية، الولايات المتحدة. لا أقول أن هناك مؤامرة بيننا وبين الولايات المتحدة بل أقول أن ما حصل هو جزء لا يتجزأ من الاتفاق الاستراتيجي بيننا وبينها ».
وعلى الرغم من صدور قرارين متعاقبين (508و509) عن مجلس الأمن يقضيان بسحب قوات الغزو فوراً من الأراضي اللبنانية، فإن الولايات المتحدة استخدمت ليلة 8-9 حزيران (يونيو) حق النقض ضد مشروع قرار قدمته إسبانيا إلى مجلس الأمن يطالب مجدداً بأن تسحب إسرائيل قواتها من لبنان فوراً ودون قيد أو شرط، وبإنهاء الأعمال الحربية في هذا البلد خلال 6 ساعات. فيما صوتت الدول الأربع عشرة إلى جانب المشروع، وكانت مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة،«جينكيركباتريك»قد بررت الغزو بقولها «إن تحرك الدبابات الإسرائيلية عبر الحدود لا يختلف من الناحية النوعية عن قصف بلد بقذائف المدفعية الثقيلة وكلاهما أعمال عنف كبيرة ».
ومع اكتمال حصار بيروت بدت الإدارة الأمريكية مصممة على الاستفادة من الضغط العسكري الإسرائيلي بشأن إخراج المقاومة من بيروت. وبدا ذلك التصميم واضحاً من خلال مباحثات الموفد الأمريكي فيليب حبيب مع الحكومة اللبنانية ومع قيادة المقاومة عبر الممثلين اللبنانيين وكذلك مع بعض القيادات العربية.
وعلى الرغم من أن الإدارة المذكورة كانت تلح على تطبيق هدفها في ما يسمى «إخراج القوات الأجنبية من لبنان» إلا أنها كانت تركز عبر تصريحات مسؤوليها وعبر مهمة فيليب حبيب، على إخراج المقاومة من لبنان دون أن يتطرق الحديث إلى موضوع «سحب القوات الإسرائيلية» لقد كشفت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية القريبة جداً من أوساط الحكومة الأمريكية أن الولايات المتحدة «لم تعد ترغب في أن تنسحب القوات الإسرائيلية من لبنان» وشرحت الجريدة، أسباب هذا الموقف بالقول «إن الواقع الحالي في لبنان تجاوز المعطيات التي ارتكز عليها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 509 الذي طالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان ، بل إن الولايات المتحدة إمعاناً في تحقيق الهدف المتضمن سحب المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، استخدمت حق النقض ضد مشروع قرار فرنسي يطالب إسرائيل بسحب قواتها من منطقة بيروت ويقترح وضع قوات أمن لبنانية في المنطقة الغربية من بيروت، وذلك على الرغم من موافقة جميع الدول الأعضاء في المجلس على مشروع القرار المذكور.
والتناقض الغريب في الموقف الأمريكي هو استخدام الضغط العسكري الإسرائيلي لإجلاء المقاومة مع الإعلان بأن الهدف المركزي هو إجلاء «جميع القوات الأجنبية عن لبنان»، وهكذا فإن أمريكا شاءت إنهاء ما أسمته «الغزو» الفلسطيني عن طريق إحلال الغزو الإسرائيلي محله.
ج ـ الموقف السوري والتوتر في البقاع:
دخلت القوات السورية لبنان في العام «1976» لمنع الاقتتال بين الإخوة، وواجهت الغزو الصهيوني في العام 1982 تحت شعار حماية الشعبين اللبناني والفلسطيني. وكان موقفها في الحالتين نابعاً من منطلق قومي، لذا فقد كان من الطبيعي أن يكون موقفها من الانسحاب الإسرائيلي قومي المنطق أيضاً. ولقد ظهرت أول بوادر هذا الموقف في مساء «10/6» فبعد المباحثات التي أجراها المبعوث الأمريكي فيليب مع الرئيس حافظ الأسد، وافقت سورية على وقف إطلاق النار الأول، شريطة أن يرافق ذلك انسحاب إسرائيلي فوري من لبنان.
وفي 15 حزيران 1982 كشف ناطق رسمي سوري عن محاولات «سياسية» إسرائيلية هدفها انتزاع «موافقة سورية على سحب قواتها من لبنان». فقد تلقى العميد سامي الخطيب، قائد قوات الردع العربية إنذار من القائد العسكري الإسرائيلي ومعاونه في منطقة «بعبدا» بوجوب إخلاء مدينة بيروت وما جاورها من القوات السورية. وقال الناطق إن سورية أجابت العميد الخطيب بأن قواتنا الموجودة في بيروت إنما تعمل بموجب قرار عربي وبطلب من السلطة الشرعية اللبنانية، ولبنان دولة مستقلة وذات سيادة، وإن هذه القوات ستقوم بتنفيذ واجبها للدفاع عن السلطة الشرعية اللبنانية والأراضي اللبنانية والشعبين اللبناني والفلسطيني في لبنان، وبكل إمكاناتها .
كان واضحاً من الطلب الإسرائيلي والرفض السوري له، أن الموضوع يتعلق بصراع الإرادات حول مستقبل لبنان وهويته ومصيره، وإن رغبة إسرائيل في استباحة الأراضي اللبنانية وإبادة الشعبين اللبناني والفلسطيني، تصطدم بإرادة سورية لا تقبل المساومة.
ولقد أعتقد العدو الإسرائيلي أن اتفاق وقف إطلاق النار مع سورية يسمح له بمتابعة القتال ضد الثورة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية دون صدام مع القوات السورية. ولكن الربط بين وقف القتال والانسحاب جعل القوات السورية تتابع التصدي للغزاة عندما حاولوا التقدم باتجاه بيروت أو في الجبل أو البقاع. الأمر الذي أدى إلى وقوع عدد من المعارك البرية والجوية. وكانت تلك المعارك تمثل إصرار سورية على استمرار دورها العسكري في لبنان، طالما استمر الوجود العسكري للغزاة. ومنذ وقف إطلاق النار الأخير، اقترن صمود سورية العسكري بجهد سياسي نشيط، هدفه دفع إسرائيل إلى سحب قواتها الغازية من لبنان. وإحباط المحاولات الأمريكية الرامية إلى الربط بين الانسحاب الإسرائيلي والوجود العسكري السوري في الأراضي اللبنانية.
وكان الرئيس الأسد قد ذكر في حديث لمجلة النهار العربي والدولي: «فكما كنا في السابق مع لبنان نحن الآن وسنبقى في المستقبل مع لبنان. وإذا كنا بقوة قبل الاجتياح الإسرائيلي لبعض أجزائه، فنحن الآن بقوة أكثر مع لبنان لتحرير الأرض اللبنانية التي احتلها العدو مهما رتب علينا ذلك من أعباء وتضحيات. ومثل هذا الأمر نعتبره واجباً، ولا يتوقف قيامنا بهذا الواجب على طلب من أحد».
«إن الوجود العسكري السوري في لبنان يفرض على سورية أعباء أمنية واقتصادية كبيرة، ولكن سورية تقبل حمل هذه الأعباء، ما دام الغرض منها مساعدة قطر عربي شقيق على مقاومة مخططات العدو المشترك. وبهذا المعنى، يكون الثبات العسكري السوري، ثباتاً قومياً في مواجهة أخطر حملة تتهدد وجود الأمة العربية».
دـ الموقف اللبناني:
في غياب الوفاق والإجماع الوطني اللبناني على المسائل التي تحقق المصلحة العليا للوطن، ومع انجراف كثير من اللبنانيين وراء مختلف القوى والتيارات السياسية الإقليمية والخارجية، يغيب الموقف الوطني الموحد من قضية الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، على الرغم من أن جميع القوى السياسية اللبنانية تعلن تمسكها المبدئي بتحقيق هذا الانسحاب وبدعم السلطة الشرعية، وبوحدة لبنان أرضاً وشعباً.
فالسلطة الشرعية اللبنانية راغبة في انسحاب الإسرائيليين من لبنان كله دون أن يدفع مقابل ذلك ثمناً سياسياً باهظاً، ولكنها تجد صعوبة في تحقيق التفاف جميع اللبنانيين حولها بشأن إجلاء الغزاة الإسرائيليين. فالأوضاع في الشوف وعاليه لا تدعو إلى الارتياح، وحزب الكتائب موزع الولاءات حائر بين معتقداته وضغط إسرائيل على بعض أجنحته، وسعد حداد يهاجم السلطة الشرعية انطلاقاً من الأوامر التي يتلقاها من الغزاة. ناهيك عن تعدد المواقف السياسية للقوى الحزبية والطائفية كافة على الساحة اللبنانية. هذا الوضع هو الذي دفع الرئيس أمين الجميل إلى القول: «لست أدري كيف أطرح قضية الانسحابات من لبنان، والوضع في الشوف وعاليه على ما نرى»، وذلك قبل توجه الرئيس الجميل إلى الولايات المتحدة لإلقاء خطابه في منظمة الأمم المتحدة وللاجتماع بالرئيس ريغان وأركان الإدارة الأمريكية في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 1982.
وليس موقف القوى الوطنية والإسلامية سوى امتداد لموقفها من الغزو. فلقد أدانت الغزاة منذ البداية، ونادت بضرورة مقاومتهم وحملت تنظيماتها المقاتلة السلاح ضدهم، وقاتلت إلى جانب القوات السورية وقوات الثورة الفلسطينية وتعرضت في المناطق التي اجتاحها العدو إلى الإرهاب والأسر والتنكيل. ونظمت في تلك المناطق مقاومة سرية لمواجهة الاحتلال والتصدي لعملائه المحليين.
لذا فقد كان من الطبيعي أن تقف في طليعة الأطراف اللبنانية المطالبة بانسحاب الإسرائيليين الكامل، والداعية إلى مواجهتهم بمختلف وسائل النضال. كما كان من الطبيعي أن تؤيد السلطة الشرعية الساعية إلى تأمين الانسحاب الإسرائيلي، وان ترفض في الوقت ذاته «الانسحاب المتزامن والانسحاب الجزئي» أو أية فكرة تساوي بين انسحاب القوات الإسرائيلية الغازية وانسحاب القوات الصديقة (السورية والفلسطينية) من البقاع والشمال.
وبالمقابل فإن موقف «الجبهة اللبنانية» من الانسحاب حافل بالتناقض. فلقد رفعت لواء العداء للقوات السورية والفلسطينية قبل بدء الغزو واعتبرتها قوات غربية وطالبت بانسحابها بحجة الحفاظ على السيادة اللبنانية، ثم أسقطت هذه الحجة منذ أن اتصلت بالعدو الصهيوني وشجعته على العدوان. وكان موقفها من خلال الغزو متعارضاً مع الحفاظ على السيادة الوطنية. فلقد قاتلت قوات الجبهة اللبنانية مع الغزاة حيثما سمح لها بذلك، واستقبلت المعتدين بترحاب مكشوف، وقدمت لهم غطاءً سياسياً لبنانياً وشاركت في حصار بيروت والتنكيل بالمواطنين واعتبرت الانتصار العسكري الإسرائيلي انتصارها واعتقدت أن القوات الإسرائيلية لم تدخل لبنان إلا لخدمتها.
أمام هذا الوضع الصعب كان على «الجبهة اللبنانية» أن تتخذ موقفاً إزاء الوجود الإسرائيلي العسكري في الأراضي اللبنانية، فهي لاتستطيع السكوت على هذا الوجود الاحتلالي المتعارض مع مقولاتها عن السيادة ولاتتمكن من مطالبة الإسرائيليين بالانسحاب بعد أن اتفقت معهم على الغزو وساعدتهم خلاله، وليس بوسعها رفع لواء مواجهتهم من أجل إجلائهم سيما بعد أن تمكنوا من اختراق الجبهة وتقسيمها إلى أجنحة وربط بعض تلك الأجنحة بهم وتحويلها إلى أدوات إسرائيلية.
لذا اكتفت «الجبهة اللبنانية» بطرح مقولة انسحاب القوات «الأجنبية» كلها وساوت بين عدو لبنان وأصدقائه بل وذهبت إلى حد المطالبة بانسحاب سوري فلسطيني أولاً. الأمر الذي أتاح مجالاً واسعاً للمناورة ومنح إسرائيل الفرصة لترسيخ وجودها الاحتلالي على الأراضي اللبنانية.
هـ ـ الموقف الفلسطيني:
كان الهدف المعلن للاجتياح الإسرائيلي للبنان هو إنزال هزيمة قاسية بمنظمة التحرير، وإبعاد المقاومة إلى أربعين كيلو متراً من خط الهدنة اللبناني ـ الإسرائيلي، غير أن هذا الهدف سرعان ما تطور إلى أهداف منها: إخراج القوات السورية والفلسطينية من جميع الأراضي اللبنانية، وتدمير البنية التحتية لمنظمة التحرير والقضاء عليها كقوة عسكرية وكحركة سياسية.
وقد ازداد عناد إسرائيل لتحقيق هذه الأهداف مع وصول القوات الغازية إلى مشارف بيروت، وقتذاك أعلن الأمين العام للأمم المتحدة «دي كويلار»، أنه تلقى تأكيداً من منظمة التحرير بقبول قرارات مجلس الأمن القاضية بوقف إطلاق النار، وأعرب عن قلقه إزاء التصريحات التي تطلقها إسرائيل بأن وقف إطلاق النار «الحالي» لاينطبق على أعمالها ضد الفلسطينيين.
لقد قاتل رجال منظمة التحرير زهاء تسعين يوماً بشجاعة فائقة أذهلت العالم، وكان قتالهم دفاعاً عن استمرار وجود منظمتهم وحقهم الوطني المغتصب، مثلما كان دفاعاً عن الأرض والشعب اللذين سهلا انطلاقهم نحو الأرض المغتصبة والالتحام مع العدو، طوال أربعة عشر عاماً، ولقد حقق المقاتلون الفلسطينيون عبر صمودهم على أرض لبنان أعلى درجات الإرادة الوطنية، ويكفي أن يشاء إلى هذه الإرادة من خلال ما قاله الجنرال الإسرائيلي «بن تسيونشرايدر» لجريدة «عل هامشمار» الإسرائيلية أثناء رقوده جريحاً في المستشفى: «إن من يقول لك أنه لم يكن يظن أن الفلسطينيين سيقاتلون بضراوة وشجاعة فائقة هو كاذب، نحن كنا نعلم جيداً أنهم سيقاتلون حتى النهاية.. وإلا لماذا دخلنا هذه الحرب بمائة وخمسين ألف جندي؟ يعني أنها حرب قاسية، وهناك أمر هام وهو أنّ تسعين بالمائة من الجنود الذين دخلوا لبنان هم من القوات النظامية وليسو امن الاحتياط ».
في غمرة هذه الإرباكات، ووسط المعضلات الناجمة عن النزوح الرابع، وما رافقها من تباين في وجهات نظر المنظمات الفلسطينية حول طبيعة العمل النضالي المستقبلي والعلاقة مع الأردن وغيرها من المسائل الطارئة، كان على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية اتخاذ قرار حول الوجود العسكري الفلسطيني في البقاع والشمال.
ولقد أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية عن استعدادها المبدئي الكامل للانسحاب من البقاع وطرابلس، ويرجع ذلك إلى أنها تريد مساعدة لبنان ولاترغب في أن يقدم رفضها للانسحاب المبررات والحجج إلى إسرائيل للإبقاء على غزوها واحتلالها. ففي رسالة سلمها وفد فلسطيني إلى الرئيس أمين الجميل ورد قول رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات:«لن نسمح باستغلال وجودنا في لبنان ذريعة لبقاء قوات الاحتلال الإسرائيلي وبالإضافة إلى ذلك فإن منظمة التحرير لا تريد أن تلقي على نفسها مسؤولية الإبطاء في التوصل إلى حالة من الوفاق الوطني اللبناني، باعتبار أن «الجبهة اللبنانية» تعتبر الوجود الفلسطيني المسلح معوقاً للاتفاق بين كافة الأطراف اللبنانية، غير أن هذا لا يعني أنّه ليس لدى الثورة الفلسطينية شروط محددة للانسحاب من الأراضي اللبنانية فيما إذا كانت هناك مفاوضات حول ذلك.
و ـ الموقف العربي:
كان رد الفعل العربي «الخجول» الذي قوبل به الاجتياح الإسرائيلي انعكاساً للعجز العربي عن التصدي للغزاة، كما كان من أهم العوامل التي شجعت القيادة الإسرائيلية على المضي في دفع قواتها إلى العمق اللبناني ومحاصرة بيروت إبان القتال. وفي مقدمة العوامل التي أمنت لإسرائيل القدرة على التعنت ورفض الانسحاب وتوسيع مجالات الابتزاز بعد وقف القتال.
ففي أثناء عمليات الغزو العسكرية، فشلت الدول العربية، والمؤسسة الممثلة لها «الجامعة العربية» في عقد أي اجتماع، ولم تتمكن من عقد اجتماع لوزراء الخارجية العرب إلا بعد مضي ثلاثة أسابيع ومحاصرة بيروت وسقوط آلاف القتلى والجرحى. وفي 27/ 6 / انتهى ذلك الاجتماع الطارئ الذي عُقد في تونس، دون التوصل إلى قرار ملموس ومباشر لمواجهة الغزو. ولم يُدن الوزراء علانية المساعدة الأمريكية لإسرائيل ولم يُصدروا سوى قرار وحيد، أعلنه الأمين العام للجامعة العربية الشاذلي القليبي وهو تشكيل لجنة وزارية مصغرة «من أجل متابعة الجهود العربية الهادفة إلى تطبيق قرارات الأمم المتحدة بالنسبة إلى سحب القوات الإسرائيلية من لبنان». وكما هو ملحوظ من صيغة هذا القرار، لم يفعل الوزراء ما من شأنه اتخاذ موقف علني حازم حيال العدو الإسرائيلي الغازي، أو حيال الولايات المتحدة الواقفة وراء العدوان. الأمر الذي جعل وزير الخارجية السورية ينتقد بعض الدول العربية «لأن ردود فعلها لم تكن جدية ومحسوسة».والحقيقة أن الدول العربية قامت خلال القتال وبعد توقفه بعدة محاولات سياسية بغية تأمين انسحاب القوات الصهيونية الغازية من لبنان، ومساعدة لبنان على تنفيذ قراري مجلس الأمن 506 و 509 ولكنّ محاولاتها لم تأخذ شكلاً ضاغطاً، حتى لا تصطدم بالولايات المتحدة المتحالفة مع إسرائيل، والمشاركة في إعداد العدوان، والقائمة بتغطيته على المستوى الدولي.ويرجع هذا التراخي في الموقف العربي إلى أنّ عدداً كبيراً من الدول العربية قد وضع 99% من أوراق الحرب والسلام في المنطقة العربية في يد الولايات المتحدة ، وأحس بأنه مدين لها بحمايته من الخطر السوفييتي المزعوم، فلم يعد قادراً على التعامل معها من موقع قوي مستقل بكل معنى الكلمة. ولقد وصف الكاتب الفرنسي «إيريك رولو» الوضع العربي القائم بقوله: في التحليل الأخير «العالم العربي مسؤول عن التواطؤ الإسرائيلي الأمريكي إذ ليس لدى الولايات المتحدة في الواقع أي سبب يجبرها على تغيير سياستها مادامت مصالحها الحيوية غير مهددة في الشرق الأوسط، وخصوصاً في الخليج، ولم تقم أيّة دولة في المنطقة بأي تلميح إلى احتمال القيام بضغط سياسي مثل قطع العلاقات الدبلوماسية، أو اقتصادي مثل تقليص المبادلات التجارية وسحب الأرصدة الموجودة في الولايات المتحدة».
إنّ الموقف العربي جاء مؤيداً للانسحاب الإسرائيلي الكامل. ولكن الوضع العربي كان لايُعطي هذا الموقف دعماً كافياً ولايمنحه القدرة على الفعل. ولاشك أن المخرج الوحيد لتجاوز التناقض بين الرغبة والقدرة على الارتقاء بمستوى القدرة بشكل يجعلها عنصراً فاعلاً.

وهذا هو بالضبط ما تفعله سورية من خلال السعي إلى تعديل موازين القوى، وهذا أيضاً ما ينبغي على الدول العربية أن تفعله حتى لايؤدي اعتمادها على الولايات المتحدة إلى دخول عنصر السيطرة الأمريكية - الإسرائيلية الذي تخطط له واشنطن وتسعى إلى فرضه في المنطقة العربية.