الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الغزو الإسرائيلي للبنان  معلومات تفصيلية

المبادرات السياسية وخروج القوات من بيروت 

إثر الاشتباكات التي حدثت في تموز يوليو 1981، تمّ وقف إطلاق النار بين قيادة قوات الثورة الفلسطينية وقيادة القوات الإسرائيلية، يوم 24 تموز/يوليو 1981، بواسطة فيليب حبيب، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي إلى الشرق الأوسط، وبدا الاتفاق منذ ذلك الحين هشاً، ضعيفاً. ذلك أنّ الاقتناع كان متوفراً بأنّ إسرائيل هدفت من وراء قبولها بوقف إطلاق النار إلى التراجع عن حرب استنزاف فلسطينية - إسرائيلية بدأت تجرها خطوة وراء خطوة، وتضعها في مواجهة قوات الثورة الفلسطينية. وبذلك فضلت إسرائيل الانكفاء المؤقت، منتظرة توفر الظروف والعوامل الكافية لشن حرب إبادة واسعة تقضي فيها على الثورة الفلسطينية وتحقق، في الوقت ذاته، أهدافها في لبنان.


الغزو الإسرائيلي في مجلس الأمن:
وبينما كان المبعوث الأمريكي الخاص فيليب حبيب في طريقه إلى منطقة الشرق الأوسط من أجل معالجة الأزمة اللبنانية، بدأت إسرائيل حربها يوم 6 حزيران/يوليو 1982. فاشتكى لبنان إسرائيل إلى مجلس الأمن «لخرقها اتفاقية الهدنة المشتركة وقرار مجلس الأمن 425 والقرارات اللاحقة».
وقف إطلاق النار على أساس الانسحاب الإسرائيلي الشامل:
وصل المبعوث الأمريكي «فيليب حبيب» فرساي في فرنسا يوم6حزيران /يوليو، حيث اجتمع بالرئيس الأمريكي رونالد ريغن الموجود في فرساي لحضور مؤتمر رؤساء الدول الصناعية السبع، وكلفه ريغن مهمة السفر إلى المنطقة.
وفي اليوم نفسه، دعا لبنان إلى عقد مؤتمر قمة عربي لمعالجة الوضع الناجم عن العدوان غير أنّ الاستجابة لم توفر النصاب اللازم لعقد الاجتماع، وبقيت قوات الثورة الفلسطينية والقوات السورية العاملة ضمن قوات الردع العربية والقوى الوطنية اللبنانية وحدها تواجه ثقل العدوان وكثافته.
وفيما كان فيليب حبيب في طريقه إلى المنطقة وسع العدو رقعة غزوه ودفع مزيداً من قواته إلى ساحة المعركة. وأكدت الحركة الوطنية اللبنانية أنها«لن تمكن إسرائيل من جني الثمار السياسية لاجتياحها العسكري وستمنعها من فرض الاستسلام على شعبنا مهما كانت الظروف».
وتحدث شفيق الوزان رئيس الوزراء اللبناني بالمعنى ذاته قال:«إن لبنان يرفض المنطق الإسرائيلي الذي يريد أن يفرض علينا سلوكاً أو موقفاً أو ترتيباً أو سلاماً ذليلاً. وسنتابع الدفاع عن حقنا ووطننا بكل ما نملك، من وسائل مهما طال الزمن ومهما غلت التضحيات».


بلغ صمود القوات السورية العاملة ضمن قوات الردع العربية ومجابهتها للعدو وإلحاقها خسائر كبيرة به ذروة عالية، مما اضطر إسرائيل إلى طلب وقف إطلاق النار بواسطة المبعوث الأمريكي. وهكذا وصل فيليب حبيب إلى دمشق يوم 9حزيران/ يوليو 1982. واستقبله الرئيس حافظ الأسد وتسلم منه رسالة من الرئيس الأمريكي رونالد ريغن. وقد أكد الرئيس الأسد في هذه المقابلة «الموقف السوري في الدفاع عن قضية الأمة العربية والمحافظة على سلامة أراضي لبنان».
وفي يوم الجمعة 11 حزيران/ يوليو، صدر في دمشق تصريح رسمي هذا نصه:«لدى استقبال الرئيس حافظ الأسد المبعوث الأمريكي ليل أمس (الخميس) لمناقشة الأفكار التي طرحها، والمتعلقة بوقف إطلاق النار وأوضح الرئيس أن سورية توافق على وقف النار على أساس الانسحاب الإسرائيلي الشامل من الأراضي اللبنانية. وأعطيت التوجيهات لجميع التشكيلات السورية الموجودة في لبنان لتطبيقه اعتباراً من الساعة الثانية عشرة ظهر هذا اليوم الموافق 11 حزيران 1982».
تابعت قوات العدو تقدمها ودخلت بعبدا يوم 13 حزيران/ يوليو وحاصرت بيروت الغربية وضاحيتها الجنوبية، ووجه الجنرال «أمير دروري» قائد القوات الإسرائيلية المحاصرة لبيروت إنذاراً إلى العميد «سامي الخطيب» قائد قوات الردع العربية بوجوب إخلاء بيروت من القوات السورية. وقد ردت سورية يوم 15 حزيران/ يوليو على هذا الإنذار بأن القوات السورية «دخلت إلى لبنان بقرار عربي وبطلب من الشرعية اللبنانية وستبقى في لبنان تذود عن الشعبين اللبناني والفلسطيني والأمن القومي العربي».


تحركات المبعوث الأمريكي الخاص والشروط الإسرائيلية:
وفي هذه الأثناء كان المبعوث الأمريكي فيليب حبيب الذي وصل إلى بيروت يوم 14 حزيران/ يوليو، يقوم باتصالات وتحركات نشيطة في بيروت، مركزاً في أنشطته هذه على إحياء وتنشيط هيئة الإنقاذ الوطني ـ التي شكلتها الحكومة اللبنانية يوم14 حزيران/ يوليو، من شخصيات ممثلة للقوى السياسية اللبنانية لمواجهة الاجتياح باتفاق وطنيوضرورة إجراء انتخابات رئاسة الجمهورية ضمن المهلة الدستورية. وإلى جانب ذلك تناولت أنشطة فيليب حبيب الموضوعات التالية:
1ـ الوضع السياسي والشعبي الفلسطيني. وتم بحث هذا الموضوع مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية عبر بعض الشخصيات السياسية اللبنانية، وكذلك الحكم ممثلاً برئيس الوزراء. وكان الهدف في هذا المجال تجنيب بيروت الغربية مزيداً من الدمار والقتل وآلام الحصار والمعاناة.
2ـ الوضع السوري في لبنان، المتمثل بقوة الردع العربية. وهو وجود له شرعيته اللبنانية وقانونيته العربية، والبحث فيه ذو قنوات عربية تمتد بين دمشق وبيروت وجامعة الدول العربية.
3ـ الاعتراف بالمصالح الأمنية الإسرائيلية في لبنان. ويتم بحث هذا الأمر في مرحلة لاحقة بعد وقف إطلاق النار وقفاً جدياً شاملاً.
وفيما كانت التحركات السياسية تنشط في بيروت وخارج لبنان، كانت إسرائيل تكرر شروطها لوقف إطلاق النار التي كانت تزيدها بمرور الزمن. وقد حددت جوهر هذه الشروط بخروج جميع القوات السورية وقوات الفلسطينيين من لبنان كله، وإقامة حكومة لبنانية قوية تعقد معاهدة سلام بين لبنان وإسرائيل.
ولم يكن بوسع الحكومة اللبنانية أن تستجيب لتلك المطالب، فقد بدت تلك الشروط تعجيزية تبريرية من أجل استمرار إسرائيل في غزوها واحتلالها وتوسعها وبقاء قواتها في لبنان لتقتنص من وراء ذلك كله أكبر كمية من المكاسب الممكنة في محاولة إبقاء ما تحتله رهينة من أجل أن تُخرج لبنان من إطار النزاع العربي - الإسرائيلي، وأن تسقط البندقية من يد الفلسطيني الثائر، وأن تهدد أمن سورية. فالمسألة ليس إبعاد المدافع الفلسطينية عن المدى المؤثر على حدود إسرائيل الشمالية ولا إحلال قوة متعددة الجنسيات في منطقة منزوعة السلاح في جنوبي لبنان، إذ لو كان الأمر كذلك لكانت إسرائيل اكتفت باجتياح الجنوب وحده. لكنّ إسرائيل دفعت العملية الهجومية إلى أمام، وأوصلت دباباتها إلى مشارف مراكز القرار الفلسطيني والقرار اللبناني محاولة بمحاصرة بيروت، إحكام الطوق على القرارين، وإخضاعهما للإدارة الإسرائيلي.
ولقد ظهرت أفكار المبعوث الأمريكي يومذاك وفي هذه المرحلة من حصار بيروت، على أنها بالفعل صياغة ملطفة للشروط والمطالب الإسرائيلية، خاصة بعد أن تابعت القوات الإسرائيلية هجومها وزادت مساحة احتلالها معطية بذلك فيليب حبيب مظهر «المنقذ». وقد باشر حبيب صفته الجديدة هذه في ظرف بدا الهجوم الإسرائيلي جد ثقيل وضاغط على ما احتله من أراضٍ وعلى بيروت المحاصرة وفيها مراكز القيادات اللبنانية والفلسطينية. وحتى يتمكن حبيب من إيجاد الصيغة التي تحقق لإسرائيل مطالبها وتخفف في الوقت ذاته، ضغط الاحتلال وثقله، سعى لدى إسرائيل إلى أن توقف القتال مدة 48 ساعة لعله يجد حلاً خلال هذه الفترة.
وحين كانت هذه المساعي تُبذل، كانت القوات الفلسطينية والقوات السورية العاملة ضمن قوات الردع العربية، والقوى الوطنية اللبنانية تقاتل ببسالة وصمود، وتؤكد تصميمها يوماً بعد يوم وساعة إثر أُخرى على أنها ستظل تقاتل حتى الموت في سبيل أهدافها ومبادئها.
وفيما هدأت حدة الهجوم الإسرائيلي على بيروت يومي 18 و19 حزيران/يوليو كانت القيادات السورية والفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية تعلن تصميمها على متابعة القتال. وفي أثناء ذلك، كان المبعوث الأمريكي يحاول استثمار ظروف محاصرة بيروت وثقل الاحتلال وضغط الهجمة الإسرائيلية واستمرار معاناة اللبنانيين والفلسطينيين سواء المحاصرين في بيروت أو الواقعين تحت الاحتلال وضخامة الخسائر في الأرواح والممتلكات التي أنزلها الغزو الإسرائيلي في لبنان وسكانه ــ كان يحاول استثمار ذلك كله لتوفير العوامل الكافية لإقناع السلطة وبعض القوى السياسية في لبنان بأنه لا بدّ، على الأقل، من إنقاذ بيروت من براثن الحصار الإسرائيلي، ومن مخاطر اجتياحها قبل أن تُتم القوات الإسرائيلية تهديم ما بقي منها على رؤوس سكانها. ولن يتم الإنقاذ إلا بالخضوع للشرط الإسرائيلي، وهو إخراج القوات العربية المقاتلة منها، الفلسطينية والسورية والوطنية اللبنانية، ونزع السلاح منها.
وفي إطار هذا المسعى الأمريكي طلبت بعض القيادات الوطنية اللبنانية مهلة يومين من أجل دراسة الأمر، مع الحصول على «تطمينات أمريكية» بأنّ إسرائيل لن تقدم على اجتياح العاصمة، والتشاور، في المقابل مع منظمة التحرير الفلسطينية من أجل موافقتها على تجميع السلاح في مرحلة أولى وعلى نزول الجيش اللبناني إلى العاصمة والضواحي. وفي إطار هذا المسعى أيضاً قال قيادي فلسطيني التقى رئيس الوزراء اللبناني: إنّ الشروط المفروضة على المقاومة الفلسطينية ككل، لا يمكن القبول بها. وأشار إلى أنّ تسليم السلاح ثمّ رفع الرايات البيض والخروج بقوافل من بيروت، وربما من لبنان، أمر مرفوض. ولا يمكن أن يقبله فلسطيني على الإطلاق مهما كان الثمن، وأضاف: «وإذا كانت أسطورة مسادا مقدسة لدى الإسرائيليين واليهود عموماً فإننا قادرون على صنع مسادا فلسطينية فنجمع النساء والأطفال والشيوخ والرجال في المخيمات ونقاتلهم (أي الإسرائيليين)، ونقتل منهم قدر ما نستطيع إلى أن يبيدونا».
استطاع الضغط والتأثير الأميركيان من خلال المبعوث فيليب حبيب كما استطاع الحصار الإسرائيلي لبيروت، وضغط ثقل الاحتلال وضرب بيروت وضواحيها بشكل كثيف ومستمر، على الرغم من ثلاثة اتفاقات لوقف إطلاق النار(11 و12 و22/9) خرقتها إسرائيل جميعها وتابعت أعمالها العدوانية، واستطاع الحصار أن يولد لدى القوى والقيادات الوطنية اللبنانية شعوراً بأن أمامها خيارين لا ثالث لهما وهما تدمير بيروت والمقاومة الفلسطينية، والقوات السورية أو إنقاذ بيروت بإخراج القوات الفلسطينية والسورية منها.
ومن خلال هذا الوضع الذي أسهم الضغط الأمريكي والقنبلة الإسرائيلية في خلقه راحت قيادة الثورة الفلسطينية تطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من حول بيروت من أجل فتح السبيل أمام حل تتفق عليه الحكومة اللبنانية وقيادة الثورة والقيادات الوطنية اللبنانية. ونبهت الثورة الفلسطينية الأنظار إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة تريدان من الجيش اللبناني أن يكون الأداة وحصانطروادة لتنفيذ الشروط الأمريكية - الإسرائيلية فيدخل الجيش اللبناني ليجرد قوات الثورة والقوى الوطنية من سلاحها. وأعلن رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات «أننا اتخذنا قرار الصمود والقتال والانتصار».
وفي الوقت ذاته، قال بيان صدر في دمشق، إثر اجتماع عقده مجلس الوزراء يوم 21 حزيران/ يوليو:«أن مجلس الوزراء يؤكد أن التدخل الأمريكي - الإسرائيلي بالقوة العسكرية المباشرة في لبنان، كان ولايزال تدخلاً خطيراً متعدد الغايات وسيضع المنطقة على فوهة حرب يمكن أن تنشب وتتسع بين لحظة وأخرى». وقال البيان أن سورية «تقف بكل إمكاناتها مع منظمة التحرير الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية موقف مصير واحد ضد مخطط الإخضاع وسياسة فرض الأمر الواقع».
رسالة الرئيس حافظ الأسد:
فيما كانت الهجمة على بيروت تشتد بكثافة واستمرار كبيرين، وفيما كان رجال القوات المسلحة السورية يقاتلون في بيروت، في خندق واحد مع المقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين، وجّه الرئيس حافظ الأسد رسالة إلى هؤلاء المقاتلين، يوم 1 آب /أغسطس. حيّاهم وأشاد بنضالهم وبطولاتهم، وقال لهم:«إن عروبة بيروت أمانة بين أيديكم، فاحفظوا هذه الأمانة، وادفعوا عن نسائها وشيوخها وأطفالها همجية أعداء الإنسانية، واجعلوا معركة بيروت ملحمة مجد، دفاعاً عن كرامة الأمة العربية ودرساً للمتخاذلين الجبناء. وليس هناك أعز وأشرف وأروع خلوداً من نهاية أبيّة للحياة تتم في ميدان القتال دفاعاً عن الوطن. أُحييكم وأشد على أيديكم وأُقبلكم فرداً فرداً، واطلب إليكم الصمود ودحر العدو والتمسك بشعارنا الخالد الشهادة أو النصر، لتكملوا طريقنا، طريق البطولة، طريق الفداء، طريق الشهادة، طريق النصر».
المشروع الأمريكي وخروج القوات من بيروت:
طالت فترة المفاوضات بين الحكومة اللبنانية وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وبين هذين الطرفين من جهة وإسرائيل من جهة أخرى بواسطة المبعوث الأمريكي، وقد تمكن فيليب حبيب، في ختام هذه المفاوضات، من وضع مشروع خطة وافقت عليها الأطراف المعنية، يوم 12 آب /أغسطس، أقره مجلس الوزراء اللبناني يوم 18 آب /أغسطس 1982. وتتضمن الخطة:
1ـ وقف إطلاق النار وقفاً شاملاً.
2ـ مغادرة بيروت بطريقة سلمية وفق برنامج زمني.
3ـ ترافق القوات متعددة الجنسيات سير العمليات.
4ـ يخضع الفلسطينيون غير المقاتلين والذين سيبقون في لبنان للقوانين والأنظمة اللبنانية.
5ـ تنتشر القوات متعددة الجنسيات يوم المغادرة، لتأمين سلامة الفلسطينيين واللبنانيين في المنطقة الغربية من بيروت، ولمساندة الدولة في بسط سلطتها. وستتألف هذه القوات من 800 جندي أمريكي، و800 جندي فرنسي، و400 جندي إيطالي، و3000 جندي من الجيش اللبناني أو أكثر وفقاً لمتطلبات المحافظة على الأمن.
6ـ إذا تعذر أحد البنود تعتبر مهمة القوات المتعددة الجنسيات منتهية.
7ـ مدة عمل القوات متعددة الجنسيات شهر واحد. ويحق للدولة اللبنانية تمديد مهمتها إذا رأت ضرورة لذلك.
8ـ يشارك الصليب الأحمر في المساعدة على المغادرة.
9ـ تكون المغادرة بحراً من مرفأ بيروت، وجواً إلى قبرص، وبراً عن طريق بيروت - دمشق، على أن يبتعد الجيش الإسرائيلي عن الطريق الدولية لتأمين سلامة الانسحاب، فيما يتولى الجيش اللبناني التنسيق مع منظمة التحرير الفلسطينية.
10ـ المدة المحدودة لإتمام الانسحاب هي 15 يوماً، ويتم في وضح النهار. وينقل المقاتلون معهم أسلحتهم الخفيفة (مسدس أو بندقية).
11ـ تسلم الأسلحة الثقيلة إلى الجيش اللبناني.
12ـ تغادر قيادة المقاومة لبنان علناً. ويتم إعلان ذلك على نحو واضح ومكشوف.
13ـ تغادر قوات جيش التحرير الفلسطيني براً. أما القوات السورية الموجودة في بيروت فتخرج إلى البقاع أو الشمال حيث توجد القوات السورية.
وفي هذه الأثناء كانت القوات متعددة الجنسيات، وهي من الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا، تستعد للسفر بحراً إلى بيروت، بعد أن قدمت الحكومة اللبنانية إلى الحكومات الثلاث طلبات بشأن استقدام هذه القوات إلى لبنان.
سارت خطة انتقال قوات المقاومة الفلسطينية من بيروت وفق جدول زمني، بدأ يوم 21 آب/ أغسطس 1982، حيث وصلت طليعة القوات متعددة الجنسيات إلى مرفأ بيروت، ثم تلا ذلك بدء المغادرة، وقد توجهت القوات الفلسطينية وقياداتها إلى سورية والعراق والأردن وتونس واليمن الديمقراطي والجمهورية اليمنية والجزائر والسودان. وانتهت عملية المغادرة يوم 31 آب /أغسطس. وعملت القوات متعددة الجنسيات لمساعدة الجيش اللبناني في اتخاذ ترتيبات لضمان أمن دائم في منطقة العمليات. ثم أخذت هذه القوات تغادر لبنان بدءاً من يوم 11 أيلول/ سبتمبر حتى 13 أيلول 1982.
وفي أثناء تطبيق برنامج المغادرة، اجتمع المجلس النيابي اللبناني في المدرسة الحربية، يوم 23 آب /أغسطس، واكتمل النصاب بأكثرية نائب واحد. وانتخب النواب الحاضرون الشيخ بشير الجميل، رئيساً للجمهورية اللبنانية، في ظل الاحتلال وتحت حراب الجنود الإسرائيليين الذين كانوا يحاصرون بيروت ويحيطون بالمدرسة الحربية، حيث جرى الانتخاب، بضاحية بعبدا، حيث مقر رئاسة الجمهورية، وقد قاطع معظم النواب الوطنيين جلسة المجلس النيابي للظروف التي ذكرناها، بالإضافة إلى أن المرشح هو زعيم الاتجاه الانعزالي والتقسيم الطائفي، وقائد القوات اللبنانية التي أثارت الفتنة، وأشاعت القتل والإرهاب، ودفعت لبنان إلى حرب أهلية، وقد تعاون المرشح مع إسرائيل ضد شعبه ووطنه، وأدت هذه الأسباب كلها إلى بدء ظهور الانشقاق والتمرد في بعض المناطق اللبنانية وفي صفوف الشعب اللبناني، وعلى الرغم من ظروف الاحتلال، وقساوة المعركة مع العدو، وبدء مغادرة القوات الفلسطينية والقوات المسلحة السورية العاملة ضمن قوات الردع العربية مدينة بيروت. انتهت المغادرة وفق البرنامج الزمني المقرر. وقد خرج من بيروت إلى البقاع في لبنان 3600 جندي سوري. وغادر بيروت إلى الأقطار العربية التي ذكرناها 8300 مقاتل من المقاومة الفلسطينية، و2600 جندي من جيش التحرير الفلسطيني (قوات القادسية وقوات حطين) وكتيبة بدر من الجيش ذاته.
استمرار الحرب بأشكال أخرى
بوادر الوحدة الوطنية ومشروع بيروت الكبرى:
إثر اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل في 14/9/ 1982، والأحداث المأساوية التي أعقبت ذلك الاغتيال، وفي مقدمتها: اجتياح الإسرائيليين لبيروت الغربية والضاحية الجنوبية، ووقوع مذبحة صبرا وشاتيلا، برزت الحاجة الماسة إلى وحدة اللبنانيين لمواجهة مصيرهم ومصير بلادهم عبر مواجهة النتائج المذكورة.. ولأن انتخاب رئيس الجمهورية يجري وفق ميثاق 1943 غير المكتوب والذي يقضي بأن يكون الرئيس من الطائفة المارونية، فقد تزايد الإلحاح على أن يتمتع الرئيس الجديد بثقة المسلمين. وقد تقدم للترشيح لهذا المنصب، أمين الجميل نائب المتن الأعلى عن حزب الكتائب وكميل شمعون رئيس الجمهورية الأسبق ورئيس حزب الوطنيين الأحرار وريمون إده نائب جبيل المقيم منذ مدة طويلة في العاصمة باريس.
وعلى الرغم من أن أمين الجميل هو شقيق بشير الجميل ويجمعهما حزب واحد، إلا أنهما كانا متباينين في نقاط ومواقف كثيرة. فالمعروف عن أمين انه كان يتحلى بالتعقل والمرونة والاعتدال، ويؤمن دائماً بالحوار مع جميع القوى، حتى ولو كانت ممن يخالفه الرأي.
وقد اندفعت القوى السياسية والبرلمانية الإسلامية والوطنية نحو الإعلان عن تأييد ترشيح أمين جميل، وعقدت مؤتمراً اتفق فيه على قيام ما يشبه الإجماع الوطني على انتخاب هذا المرشح. الأمر الذي جعل أمين الجميل مرشح الوفاق والوحدة الوطنية. مما دعا منافسه كميل شمعون إلى الانسحاب من المعركة الانتخابية وفي 21/ 9 / 1982، تم انتخاب أمين الجميل رئيساً للجمهورية بما يشبه التزكية لأن القوى السياسية والبرلمانية الإسلامية لم تعتبر ريمون إده مرشحاً لها.
وتعهد الرئيس أمين الجميل بأن يكون همه الأول هو «وقف دورة العنف والنزف وضمان أمن الوطن وسلامة المواطن.. ولن يتحقق ذلك إلا من خلال دولة مستقلة، ذات سيادة، تصون الحريات ويكون جيشها من كل لبنان كي يتواجد على أرض كل لبنان».
والحقيقة أن أمين الجميل هو الزعيم الوحيد من المنطقة الشرقية الذي لم يقطع اتصالاته مع زعماء المنطقة الغربية ومع قيادات منظمة التحرير الفلسطينية ومع سورية طيلة السنوات الثمانية من الحرب اللبنانية. ومنذ اليوم الأول للغزو الإسرائيلي للبنان شدد الجميل على ضرورة تحقيق الوفاق كإشارة تحذيرية إلى المخاطر الجمة عن الغزو، خاصة على صعيد الوفاق، فقد قال:«إن الوفاق لايمكن لأحد أن يلغيه أو يخفيه، ولايمكن لأي كان أن يفرضه أو يرفضه لأنه هو حقيقة لبنان، ولأن لا إرادة فوق إرادة المسلمين والمسيحيين» ودعا الجميل إلى انتفاضة لبنانية عارمة «انتفاضة الحق على الباطل، انتفاضة لبنان على مغتصبيه» وقال: «إما الإنقاذ وهو، ما يجب أن يكون وإما سقوط الهيكل وخراب المنطقة كلها».
وما لاشك فيه أن هذه المواقف الانفتاحية على جميع القوى في خضم الحرب اللبنانية ووحشيتها وقسوتها، قد ساهمت في تخفيف العقبات التي واجهت أمين الجميل بعد انتخابه.
وأكبر مثال على ذلك ما صدر من مواقف من كافة القيادات السياسية على مختلف انتماءاتها وبالأخص من الرئيس الأسبق سليمان فرنجية الذي أكد دعمه للشرعية «طالما أنها تسعى إلى إجلاء المحتلين الإسرائيليين».. هذا على الرغم من أن فرنجية كان على خلاف حاد مع حزب الكتائب، بسبب مواقف الحزب المعادية لطموحات الأمة العربية وتحالفه مع العدو الصهيوني إضافة إلى أن سليمان فرنجية كان يكنّ عداءاً شديداً لآل الجميل، خاصة بشير الجميل، الذي دبر مقتل نجله طوني فرنجية في 13/ 6 / 1978.
غير أن مواقف الرئيس أمين الجميل الوفاقية لم تخفف كثيراً من مخاوف القوى الإسلامية والوطنية من ممارسات حزب الكتائب الذي تسلل عدد كبير من أعضائه إلى الجيش اللبناني، سيما أن هذا الجيش سيكون الأداة التوحيدية للبلاد في يد الرئيس الجديد.
لهذا لم يكن غريباً أن يتوجس المسلمون خوفاً من تطبيق «أول عملية وفاقية ميدانية» في عهد الرئيس أمين الجميل أي «توحيد العاصمة» الذي أطلق عليه بعضهم اسم «مشروع بيروت الكبرى» والحقيقة أن فكرة المشروع لم تكن جديدة، فقد طرحت في صيف 1976 ثم أعيد طرحها في العام 1978. ولم يقدر لها الخروج إلى حيز التنفيذ، لأسباب تتعلق بالصراعات وبوجود أعداد هائلة من المسلحين في شقي العاصمة. ولقد بعثت الفكرة من جديد بعد انتخاب بشير الجميل وظهرت «في الخطة الأمنية» الخاصة بتوحيد العاصمة. وقد كان مقرراً أن يبدأ تطبيق هذه الخطة من بيروت الشرقية وذلك بسبب حاجة بشير الجميل إلى اكتساب جانب من ثقة الزعماء المسلمين والتنظيمات السياسية الوطنية في بيروت الغربية قبل أن يتسلم مقاليد الرئاسة. غير أن مصرعه أدى إلى تأجيل التنفيذ.
أما شقيقه أمين فيبدو أنه رأى الثقة التي منحه إياها الشارع الإسلامي والوطني فرصة لتطبيق الخطة في بيروت الغربية. غير أن ذلك جدد المخاوف من ممارسات الجيش والقوة متعددة الجنسيات. ففي الخامس من تشرين الأول (أكتوبر) بدأ الجيش والقوة المتعددة الجنسيات حملة «تمشيط» في بيروت الغربية بحثاً عن الأجانب المقيمين في البلاد بصورة غير مشروعة وعن الأسلحة والذخائر. وأخذت الحملة شكل مداهمات أسفرت عن اعتقال مئات الفلسطينيين وعدد كبير من أفراد الحركة الوطنية وقيادييها، الأمر الذي أثار الشكوك حول دوافع الحملة وأهدافها وزاد من حدة هذه الشكوك التركيز على نزع السلاح من بيروت الغربية قبل نزعه من بيروت الشرقية إضافة إلى قيام ميليشيات الكتائب المسلحة بالتسلل إلى بيروت الغربية المنزوعة السلاح، واعتقال أعداد كبيرة من المواطنين بحجة انتمائهم إلى الخط الوطني وتعاونهم مع الثورة الفلسطينية وقوات الردع العربية إبان صد العدوان الإسرائيلي على العاصمة اللبنانية.
ولقد بقي توحيد بيروت شكلياً حتى بعد فتح ممرات العبور وبدء انتقال المواطنين بين شطري المدينة لأن السلطة في بيروت الشرقية بقيت بيد حزب الكتائب، بينما كانت بيروت الغربية تحت سلطة الدولة. ولم يتحقق التوحيد عملياً إلا في 15 /2 / 1983، عندما انسحبت ميليشيات الجبهة اللبنانية من بيروت الشرقية وامتدت سلطة الدولة لتشمل العاصمة كلها.