الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الغزو الإسرائيلي للبنان  معلومات تفصيلية

القتــــال في البقــــاع

لقد خططت إسرائيل لقتالها مع القوات السورية، في البقاع بحيث تكون هذه الحرب «غير معلنة وتقليدية وقصيرة ومحدودة، لخفض احتمالات الحرب الواسعة»، وبصورة عامة يمكن القول أن غزو إسرائيل للبقاع كان إصراراً إسرائيلياً داخلياً على المزج بين السيطرة العسكرية واللاأخلاقية السياسية، هدفه تذكير سورية بأن إسرائيل قوة لا تهزم عسكرياً، وإنه لا جدوى من الصراع المسلح أو المجابهة العسكرية في سبيل تحقيق ماتسعى إليه سورية من أجل القضية الفلسطينية. كما يمكن القول إن القيادة السورية لم تفاجأ بالاجتياح الإسرائيلي للبنان، وكانت تدرك أن إسرائيل إذا ما خرقت الجنوب اللبناني فإن القوات الإسرائيلية ستهاجم القوات السورية في البقاع.
وقد تحدث عدد من القادة والمراسلين عن معارك البقاع، ووصفوها بالضراوة والعنف الشديدين، وأكدوا أن القوات السورية استطاعت الصمود في وجه الغزو والتصدي للقوات الإسرائيلية المعتدية بكل جرأة وبسالة.
فقد جاء على لسان اللواء «أمير دروري» قائد المنطقة الشمالية«يجب عدم الاستهانة بالسوريين.. فالجنود السوريون قاتلوا بشكل جيد، وهم مسلحون بأفضل أنواع الأسلحة».
وتجدر الإشارة إلى أن اللواء أمير دروري هو من الذين حاولوا تبرير عملية غزو لبنان «بأنها ضربة استباقية ضد هجوم سوري مستقبلي على إسرائيل وإن القوات السورية في لبنان قد تحولت من قوة أمن إلى تهديد استراتيجي» وهذا يكشف أهمية العامل العسكري السوري بالنسبة إلى إسرائيل، ويعكس واقع التخطيط الإسرائيلي العسكري قبل الحرب اللبنانية وخلالها على واقع الصراع العربي - الصهيوني برمته.


إن تضحية القوات السورية وبسالتها برهنت على أن هذه القوات آمنت بشرعية أعمالها، وحولت هذا الإيمان إلى واقع ملموس في ميدان المعركة، وهذا يعود إلى تركيبة تلك القوات التي تعتمد أساساً على وجود نسبة كبيرة من المتعلمين والمثقفين في صفوفها، وعلى الوعي السياسي والنضوج الفكري.
جغرافية منطقة البقاع:
يتألف سهل البقاع من قسمين: القسم الأول من حوض العاصي في الشمال، والقسم الثاني من حوض الليطاني في الجنوب. وتشرف على سهل البقاع من الغرب سلسلة جبال لبنان الغربية، وهي سلسلة توازي البحر من الغرب وتنحدر إلى وادي البقاع الالتوائي، والممر الأسهل للوصول إلى البقاع هو ضهر البيدر الذي يناهز ارتفاعه 1543 متراً وجبل الباروك 1948 متراً وجبل صنين 2548 متراً وتطل على سهل البقاع من الشرق السفوح الغربية من جبال لبنان الشرقية، والتي يبلغ ارتفاعها في جبل موسى 2629 متراً كما يتخلل هذا السهل الكثير من القرى والوديان والممرات الإجبارية موزعة على كامل مساحته، وعدد لا بأس به من الطرقات والمحاور الطولانية والعرضانية، وبعض المرتفعات الأخرى التي يتراوح ارتفاعها بين 1000-1200 متر.


سهل البقاع من وجهة النظر العسكرية الإسرائيلية:
تعتبر إسرائيل سهل البقاع امتداداً شمالياً لعمق (إسرائيل) الاستراتيجي، الذي يحقق أمن المستعمرات الإسرائيلية، والدفاع عن الأراضي العربية التي احتلتها في عدوان حزيران 1967 فهو يؤمن عزل جبهة الجولان، على أكثر من اتجاه، ويسهل نقل الجهد العسكري إلى جبهات أخرى، كما ويمنع القوات السورية من تحقيق مناورة ضرب القوات الإسرائيلية المتمركزة في الجولان من الاتجاه اللبناني.
موقعة البقاع:
دارت فوق أرض البقاع وفي سمائه أشد المعارك البرية والجوية وأقساها، بالقياس إلى حجوم الأسلحة التي استخدمت فيها وأنواعها، وعلى الرغم من نشوب حروب عديدة واحتدام عشرات الأزمات والأحداث الدولية، فقد شدت موقعة البقاع الانتباه المحلي والعربي والدولي بشكل كبير.
لقد خاضت القوات السورية القتال وحدها تقريباً ضد قوات ضخمة حشدتها إسرائيل براً وجواً، واستطاعت منع العدو من تحقيق أهدافه النهائية، ولم يتم ذلك نتيجة لضغوط عربية أو دولية، بل بسبب المقاومة الصلبة التي أبدتها القوات السورية والهجمات المعاكسة التي نفذتها بنجاح. فقد ذكر بعض المصادر الأجنبية أن القوات السورية منعت القوات الإسرائيلية من تحقيق كامل أهدافها في الوصول إلى بعض مناطق البقاع الشمالي.
وعلى الرغم من التفوق الإسرائيلي، فقد جوبهت قوات الغزو على اتجاه البقاع بمقاومة ضارية وواسعة عرقلت تقدمها ومنعتها من تحقيق أهدافها، وأوقعت بها خسائر كبيرة، فاقت باعتراف الإسرائيليين تلك التي كانت من نصيبهم خلال حروبهم السابقة. ففي مقابل مخطط (النزهة العسكرية) الإسرائيلي، اتبعت القوات السورية تكتيكاً خاصاً ومتميزاً، وانسحبت القوات السورية من الأماكن التي لم يكن بالإمكان الاحتفاظ بها لتظهر من جديد على اتجاهات أخرى أكثر قوة ومنعة وصموداً.

حجم القوات الإسرائيلية والسورية التي عملت على اتجاه البقاع وسير الأعمال القتالية:
كانت موقعة البقاع صداماً مسلحاً ضد قوات إسرائيلية عسكرية كاملة التجهيز التقني بكل أنواع الأعتدة القتالية الحديثة المعروفة في الغرب وبدعم تقني وإمدادي كبير، ويمكن القول أن أهداف إسرائيل من وراء تحريك قوات ضخمة برية تدعمها تشكيلات جوية كبيرة، هو الإعلان عن طاقاتها العسكرية ، وحرص القادة العسكريين الإسرائيليين على أن يظهر غزوهم للبقاع في شكل نموذج لما يمكن أن تقوم به قوة تدخل سريع فيها مختلف الأسلحة البرية والجوية والمتطورة.
1) القوات الإسرائيلية على اتجاه البقاع:
أ ـ القوات البرية:
استخدمت إسرائيل على الاتجاهات الرئيسية للهجوم في البقاع تشكيلات مدرعة وميكانيكية من القوات النظامية التي تمتلك في قوامها عدداً كبيراً من الدبابات والمدفعية فبلغت فرقتي دبابات ولواء مظلات. وبذلك استطاع العدو أن يحقق تفوقاً في نسبة القوى والوسائط بلغ اثنين إلى واحد لصالحه، بالإضافة إلى ما حققه من مبادأة في اختيار زمن الضربة واتجاهها.
ب ـ القوات الجوية:

  • الطيران المقاتل: حقق سيطرة جوية شبه كاملة، خاصة بعد أن قصف مواقع الصواريخ السورية في البقاع في 9/6/1982.
  • الحوامات القتالية المضادة للدروع: اشتركت على اتجاه البقاع أكثر من 100 حوامة من طرازات مختلفة، وبذلك استطاع سلاح الجو الإسرائيلي تحقيق التفوق الجوي المطلوب.

2) القوات السورية في البقاع: 

مقابل هذه القوات كان يتمركز في البقاع يوم بدء الغزو قوات سورية تقدر بلواء معزز مكلف بمهام أمنية يعمل ضمن إطار قوات الردع العربية، وينتشر على الحواجز على مساحة تزيد عن 400 كم2 لتنفيذ قرارات رئيس الجمهورية اللبنانية باعتبار هذه القوات خاضعة لتعليماته حسب التفويض الممنوح له من قبل مؤتمر القمة العربي. 

ومنذ بدء الغزو الإسرائيلي للبنان في صباح يوم 6/6/1982، بدأت سورية تعزيز قوات الردع لمواجهة الموقف الطارئ، آخذة في الاعتبار متطلبات المعركة المحتملة في البقاع، وضرورات نشوب أعمال قتالية أخرى على باقي الاتجاهات. الأمر الذي رفع نسبة القوى والوسائط بين الطرفين من أربعة إلى واحد في بداية الغزو ليصبح بعد ذلك اثنين إلى واحد لصالح العدو بكافة القوى والوسائط المشتركة.
سير العمليات الحربية:
- يوم 6/6/1982:
بدأت القوات الإسرائيلية اجتياحاً واسعاً لجنوبي لبنان على اتجاه البقاع في أعقاب يومين من القصف المركز براً وجواً وبحراً، حيث تقدمت في القطاع الشرقي من منطقة مرجعيون باتجاه كوكبا. وفي المساء لجأت القوات الإسرائيلية إلى احتلال كوكبا، ودفعت بجزء من قواتها باتجاه قلية.
بدأت الاشتباكات السورية - الإسرائيلية بالمدفعية والطيران بعد ظهر يوم 6/6، كما تم تعزيز القوات السورية الموجودة في بلدة العايشية (6كم شمال غرب مرجعيون)،واحتلت وحدات أخرى منطقة لباية - يحمر البقاع - كفر مشكي، وعززتها بالوحدات المضادة للدروع.
وقد صدر في هذا اليوم العديد من التصريحات السياسية كان أهمها:
- أكد الرئيس حافظ الأسد تضامن سورية الثورة مع لبنان، وأن الدفاع عن الأراضي اللبنانية واجب وطني وقومي وأن سورية تقف بكل إمكاناتها إلى جانب لبنان للدفاع عن أراضيه، وسوف تقوم بكل ما يسلتزمه الموقف.
- أعلنت القيادة السورية أن القوات العربية في لبنان قد وضعت في حالة تأهب قصوى، وأنه قد صدرت إليها الأوامر بالتصدي للقوات الإسرائيلية الغازية.
- كما صرح ناطق عسكري سوري (بأن القوات الإسرائيلية التي اخترقت الحدود اللبنانية تتابع التقدم على محاور الطرق باتجاه القوات السورية الموجودة في البقاع، وأصبحت على تماس معها في مواقع الجرمق وبرغوت ومفرق حاصبيا، وقد صدرت الأوامر للقوات السورية بالتصدي للقوات الإسرائيلية الغازية).
- يوم 7/6/1982:
اتسعت رقعة العمليات العسكرية الإسرائيلية البرية والجوية على اتجاه البقاع وتابعت القوات الإسرائيلية تقدمها فتصدت لها القوات السورية الأمامية المتمركزة في المناطق: ميمس - قلية - برغوت -عايشة، بالتعاون مع المدفعية السورية والكمائن م/د. توقفت القوات الإسرائيلية على الخطوط التي وصلت إليها،وقامت بزج قوات جديدة لمتابعة التقدم.
كما جرت اشتباكات جوية بين الطائرات السورية والإسرائيلية، وتعرضت مراكز القوات السورية في مشغرة- كفر مشكي - قلية - حوش الذنيبة- راشيا - البيرة - جب جنين - عين عطا -القرعون، لقصف مدفعي إسرائيلي كثيف، وقد ردت المدفعية السورية على مصادر نيران المدفعية الإسرائيلية وقصفت تحشداته.
واشتبكت وسائط الدفاع الجوي السورية مع الطائرات الإسرائيلية التي كانت تحاول قصف القوات السورية في مواقعها.

- يوم 8/6/1982:
اعتباراً من صباح هذا اليوم قصف العدو بالمدفعية عدداً من المواقع السورية في المناطق:
راشيا الوادي -كفرمشكي-مشغرة- عين التينة - البيرة - القرعون - جب جنين، وتابعت القوات الإسرائيلية تقدمها شمالاً فاصطدمت بوحدات الحراسة السورية المتقدمة التي قاتلت ببسالة عظيمة وصمدت في مواقعها خاصة في المناطق: جبل كركر - مزرعة سفينة -زلايا، وأوقعت في صفوف الوحدات الإسرائيلية الكثير من الخسائر في الدبابات والقوى البشرية. ونتيجة لرمايات المدفعية السورية الكثيفة ولمساهمة الحوامات م/د في الاشتباك أيضاً، توقف العدو على الخط: عين عطا - كفر الزيات -زلايا.
وخلال ليلة 8- 9 / 6 / 1982 نفذت وحدات من القوات الخاصة السورية إغارات ليلية على عدد من مناطق تحشد الدبابات المعادية في مناطق حاصبيا - كفر الزيات - قلية - برغوت، ودمرت للعدو عدداً من الدبابات والآليات وأوقعت في صفوفه الكثير من الخسائر البشرية.
- يوم 9 / 6 / 1982:
تحت ستارة كثيفة من نيران المدفعية والطيران، تابعت القوات الإسرائيلية تقدمها شمالاً على محور زلايا ـ يحمر البقاع ـ سحمر، للوصول إلى القرعون التي تعتبر بوابة العبور إلى البقاع الأوسط، وللالتقاء مع القوات التي نجحت في الوصول إلى الباروك، فاصطدمت بالقوات السورية المتمركزة في المواقع: عين الكبيرة - يحمر -مشغرة، واشتبكت معها، كما خاضت على هذا الاتجاه وحدات الصراع المضادة للدروع السورية معارك طاحنة مع الدبابات الإسرائيلية المتقدمة، وأوقعت فيها خسائر كبيرة.
وخاضت وسائط الدفاع الجوي السوري المتمركزة في البقاع معارك ضارية ضد الطيران الإسرائيلي في سماء البقاع، مما دفع العدو إلى أن يوجه جهوده الرئيسية للدخول في المعركة المبيتة ضدها، وذلك بهدف تدميرها وحرمان القوات البرية السورية من التغطية الجوية الداعمة، وتسهيل اندفاع الوحدات المدرعة الإسرائيلية بسرعة باتجاه الشمال للوصول إلى أهدافها بأقل خسائر ممكنة. واشترك من الجانبين على إثرها حوالي /200/ طائرة حربية في أكبر معركة جوية جرت خلال غزو إسرائيل للبنان.
- يوم 10/6/1982:
في هذا اليوم خاضت القوات السورية معارك ضارية في ظروف التفوق الجوي الإسرائيلي ضد القوات المدرعة الإسرائيلية المتقدمة (على العديد من الاتجاهات).
وقد اتسمت هذه المعارك بخاصتين أساسيتين:
ـ الخاصة الأولى: كانت معارك الصباح دفاعية متحركة تصدت خلالها القوات السورية للقوات الإسرائيلية على محاور تقدمها واستطاعت بالتعاون مع المدفعية والوسائط م/د التي احتلت العديد من الخطوط النارية القوية من امتصاص الهجمات الإسرائيلية المدرعة وتدمير الإنزال الجوي الإسرائيلي شمالي الرفيد بعد معارك استمرت أكثر من عشر ساعات متواصلة وأجبرتها على التوقف.
ـ الخاصية الثانية:
كانت معارك بعد الظهر هجومية نفذتها القوات السورية على شكل هجمات معاكسة استطاعت بواسطتها إيقاف القوات الإسرائيلية وإيقاع الخسائر الكبيرة بها وإجبارها على التراجع في أكثر من موقع وعلى أكثر من اتجاه.
وكتب زئيف شيف المراسل العسكري الإسرائيلي في جريدة هاآرتس يوم 11/6/1982 مايلي: (لقد اتسعت المعارك يوم 10/6/1982 بين الجيش السوري والقوات الإسرائيلية واندلعت معارك عنيفة بالدبابات والمدفعية حول بحيرة القرعون). وفي هذا اليوم وجه الرئيس حافظ الأسد كلمة إلى القوات المسلحة العاملة في لبنان قال فيها: (لقد رفعت مواقفكم رأس وطننا وأمتنا عالياً، وإن شعبنا العربي الذي رفعتم معنوياته بنضالكم وتصديكم البطولي هو معكم وإلى جانبكم ينظر إليكم باعتزاز إنني إذ أحيي هذا الفداء وهذه الرجولة وأعتز وأفتخر بكم وإني معكم دائماً أطلب إليكم البقاء في هذا المستوى من الصمود لتحقيق النصر ودحر العدو متمسكين بشعارنا الشهادة أو النصر).
- يوم 11/6/1982:
ليلة (10-11/6) خاضت القوات السورية معارك قاسية ضد القوات الإسرائيلية التي كانت تحاول تعزيز مواقعها الدفاعية والخطوط التي وصلت إليها، وقامت وحدات من سرايا الدفاع بتنفيذ إغارات مكثفة وجريئة على عدد من مناطق تحشد الدبابات الإسرائيلية ومقرات القيادة على محور حاصبيا -الرفيد وعلى راشيا الوادي وضربتها من المجنبة وأوقعت بها خسائر كبيرة بلغت أكثر من 40 دبابة و150 إصابة.
وفي يوم 11/6 قصفت المدفعية السورية الأرتال المدرعة الإسرائيلية التي كانت تحاول التقدم ببطء على المحاور:

  • الرفيد- مزرعة عز - السلطان يعقوب.
  • جب جنين - غزة - الخيارة.
  • كفريا - عميق - تلة الكردان.

كما نفذت القوات السورية العديد من الهجمات المدرعة القوية على الوحدات الإسرائيلية في مواقع تمركزها وعلى اتجاهات أعمالها، وعلى الرغم من السيطرة الجوية الإسرائيلية والقصف المدفعي الإسرائيلي الكثيف، قام أحد التشكيلات المدرعة السورية الذي يمتلك دبابات حديثة من نوع ت 72 بهجوم معاكس جريء على قوات العدو المتقدمة على اتجاه: 

  • القرعون - كفريا - قب إلياس - باتجاه شتورا. 
  • جب جنين - المرج باتجاه بر إلياس.

واستطاع دحر القوات الإسرائيلية وإعادتها إلى الخلف مسافة 6-10كم تاركة وراءها الدبابات الحديثة من نوع م 60 المدمرة والجاهزة في منطقة حوش الصيادي. واستطاعت وحدات التشكيل السوري التحرك على عدد من المحاور بسرعة كبيرة لتفادي الإصابات نظراً للقصف المدفعي والجوي الإسرائيلي الكثيف ونفذت معارك تصادمية جريئة مع الدبابات الإسرائيلية المتسربة من منطقة جبل الباروك. 

وبناء على اقتراح تقدم به المبعوث الأمريكي فيليب حبيب بإيقاف النار بين الجانبين السوري والإسرائيلي اعتباراً من الساعة 12,00 من يوم 11/6/1982 وافقت القيادة السورية على أساس انسحاب القوات الإسرائيلية من جميع الأراضي اللبنانية التي احتلتها خلال عدوان السادس من حزيران 1982. 

معـــــارك الدبابــــات:


تميزت معارك الدبابات في البقاع بمايلي:

  • تعدد أنواع العمليات الحربية «هجوم ـ دفاع ـ هجمات معاكسة ـ معارك تصادمية».
  • الاستخدام الكثيف للقوى والوسائط. فالقوات المدرعة الإسرائيلية التي اشتبكت في البقاع مع القوات السورية كانت تضم حوالي 1000 دبابة، وهذا الرقم يمثل نسبة تصل إلى حوالي 20% من مجموع القوة المدرعة الإسرائيلية.
  • اشتراك أسلحة ومعدات وذخائر حديثة ومتطورة، كانت في وقتها مجالاً للاختبار، كما تمت تعبئة أربع فرق مدرعة احتياطية وعدد آخر من الألوية الميكانيكية والمشاة المحمولة لصالح العملية، خصص منها فرقتان مدرعتان حشدتا على اتجاه الجولان لتعزيز القوات الموجودة فيها.

لقد خاضت الدبابات السورية معارك برية مشرفة وأثبتت كفاءة وقدرة قتالية عالية تجلت فيها شجاعة المقاتل العربي السوري وجولاته التي جسدت الحقيقة القائلة إن السلاح بحد ذاته ليس هو الأساس في المعركة، بل الإنسان الذي يستخدم هذا السلاح ويصنع الانتصار.
ويمكن القول أن وسائط الإعلام الغربي قد حققت دعاية لسلاح المدرعات في الجيش الإسرائيلي، ولكن مجريات المعترك في البقاع جسدت حقيقة جديدة وهي أن القوات المدرعة السورية وباقي صنوف القوات وضعت حداً لهذه الدعاية، واستطاعت إعادة القوات المدرعة الإسرائيلية إلى حجمها الطبيعي من حيث النوعية والتنفيذ. وعلى الرغم من الدعم الناري الكبير الذي قدمه لها الطيران، لم تتمكن من تحقيق إنجازات تذكر في مواجهة الدبابات السورية وتكبدت خسائر كبيرة، مما عزز ثقة مقاتلينا بأنفسهم وبالأسلحة والأعتدة التي يستخدمونها.
الحوامات م/د التي استخدمت في معارك البقاع:
استخدمت القوات السورية الحوامة «غازيل» التي تميزت بحسن أدائها، على الرغم من الظروف القتالية المعقدة. وقد نفذت الطلعات الجوية الصعبة التي عملت بها من جراء سيطرة الطيران الإسرائيلي على سماء المعركة في أكثر مراحل الأعمال القتالية وعلى العديد من اتجاهات الأعمال القتالية، وعلى الرغم من ظروف التشويش اللاسلكي والتبدل الحاد والسريع في المواقف القتالية. فقد نفذت هذه الحوامات أكثر من 100 هجوم على دبابات العدو في منطقة البقاع فقط، وقد تحدث عدد من القادة الإسرائيليين عن قتال الحوامات السورية المضادة للدبابات وعن الإصابات الكثيرة التي حققتها في الدبابات، والعربات المدرعة الإسرائيلية في معركة البقاع.
الأسلحة الصاروخية المضادة للدبابات م/د:
ساهمت الوحدات السورية المزودة بالأسلحة الصاروخية م/د في معارك البقاع بشكل فعال وأثبتت جدارة وقدرة في التصدي للدبابات الإسرائيلية ومجنزراته وأوقعت بها الخسائر الكبيرة ومنعتها من التقدم على أكثر من اتجاه. واستطاعت الأسلحة الصاروخية م/د أن تتعامل مع الدبابات الإسرائيلية على مختلف الاتجاهات والمسافات، وساهمت مع بقية الأسلحة الأخرى في التصدي للقوات الإسرائيلية وإجبارها على التوقف أو التراجع على الرغم من القصف الإسرائيلي الكثيف بالطيران والمدفعية على اتجاهات مختلفة ومن خطوط دفاعية محضرة على عجل.
وبلغ مجموع الدبابات والمجنزرات التي دمرتها الوسائط الصاروخية م/د السورية أكثر من120هدفاً إسرائيلياً بين دبابة وناقلة جنود وكاسحة ألغام.
تحدث قائد إحدى وحدات الدبابات الإسرائيلية إلى صحيفة معاريف الإسرائيلية عن أحداث 14 ساعة بين الموت والحياة قال:«وحدتنا هي كتيبة دبابات،حاربنا ضدّ السوريين في القطاع الأوسط من سهل البقاع. واصلنا التقدم في منطقة هادئة تقريباً، لكن بعد تحرك استمر بضعة كيلومترات، وجدنا أنفسنا محاصرين من جميع الجهات من قبل السوريين، وكان الوقت متأخراً في الليل، عندما بدأت أصعب اللحظات في حياتنا.. فجأة، تعرضنا لعشرات الصواريخ، وبدأنا ندرك أننا في ضائقة كبرى. إنها فوضى عارمة ولم يكن بمقدورنا أن نتحرك، كان السوريين يطلقون النار علينا وكأنهم في ميدان رماية.
لقد كانوا من المشاة المزودين بأسلحة صاروخية مضادة للدبابات. وبعد جهود كبيرة تمّ الاتصال بقواتنا ومباشرة فتحت دبابتي فشاهدت كومة من القتلى فوق بعضهم البعض، ولكن الحقيقة واحدة وهي أنّ الكتيبة التي كانت بالأمس وحدة متكاملة لم تعد كتيبة، فقد نقص جنودها، ونقصت دباباتها وانهارت معنوياتها وأصبحت بحاجة إلى إعادة تنظيم لأنّ الحرب قد تنتهي وقد لا تنتهي، مثلما كنا تماماً نفكر الليلة الماضية بأنّ هذه الليلة قد تنتهي وقد لا تنتهي».