الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الغزو الإسرائيلي للبنان  معلومات تفصيلية

الحرب في الجنوب والعمليات خلف الخطوط

التحضير للعدوان :
قبل الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان عمدت إسرائيل وبكل الوسائل إلى إلصاق تبعة الأحداث الجارية في المنطقة بمنظمة التحرير الفلسطينية وبأنها بؤرة للإرهاب الدولي في العالم، وتحميلها مسؤولية خرق وقف إطلاق النار وعدم التزامها به ومسؤولية اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن «شلومو آرغوف»، لذلك قام وزير الحرب الصهيوني أريل شارون بزيارة الولايات المتحدة الأمريكية قبيل العدوان وتسلم من البنتاغون إشارة الضوء الأخضر لتوقيت العدوان.
وابتداءً من الساعة 6.00 يوم 6 / 6 / 1982 قام طيران العدو بقصف مواقع المقاومة لليوم الثالث على التوالي، وتركز القصف على : أرنون، الجرمق، النبطية، الدامور، صيدا، الزهراني، صور، الرشيدية، ورافق القصف الجوي، قصف مدفعي مركز على مواقع المقاومة في الحد الأمامي، خاصة في أرنون، الجرمق، المحمودية، وفي الوقت نفسه قصف مدفعي من القطع البحرية باتجاه مناطق: صيدا، الزهراني، الصرفند، صور، الرشيدية.
وحوالي الساعة 11.00 من يوم 6 / 6 / 1982 قام العدو بتحريك قواته عبر المنطقة التي يسيطر عليها العميل سعد حداد دون أن يلاقي أيّة مقاومة من قوات الأمم المتحدة على أربعة محاور رئيسية:
المحور الأول: الطريق الساحلي - الناقورة - رأس البياضة - صور.
المحور الثاني: بنت جبيل - أرنون - النبطية.
المحور الثالث: المطلة - دير ميمس- جسر الخردلي.
المحور الرابع: جبل الروس - شبعا - مرجعيون - كوكبا، كأعمال مشاغلة وتثبيت.
اتصفت الأعمال القتالية في مرحلتها الأولى بطابع حملة انتقامية واسعة النطاق، وكان أسلوب الأعمال القتالية يهدف إلى تقسيم مواقع المقاومة، والمناطق الآهلة بالسكان وعزلها وتدميرها على أجزاء. وحتى الساعة 20.00 من يوم 6 / 6 / 1982 كانت القوات الإسرائيلية تطوق مواقع المقاومة في النبطية على الاتجاه الأوسط وتطويق مدينة صور ومخيماتها من الشرق.
في يوم 7 /6 / 1982 تابعت قوات العدو تقدمها على الاتجاهات السابقة نفسها مركزة على اتجاه الضربة الرئيسية : صور - صيدا ، النبطية - صيدا.
واعتباراً من الساعة 6.00 يوم 7 / 6 / 1982 زج العدو بطلائع فرقة جديدة باتجاه: عربصاليم- صربا -مغدوشة، وعربصاليم - جباع، كما قام بإنزال بحري بقوة لواء في منطقة الرميلة شمالي صيدا بهدف عزل المدينة من جهة الشمال، وحتى نهاية اليوم، وبعد قصف جوي، ومدفعي، وبحري، تمكن العدو من تطويق صيدا من الجنوب والشرق والشمال لتطهير بعض مواقع المقاومة في النبطية وأرنون، ومنطقة صور.
في يوم 8 / 6 / 1982 تابع العدو أعماله القتالية لاستكمال السيطرة على صيدا - الدامور - جزين، ومرتفعات الشوف، كما تابع طيران العدو قصف مواقع المقاومة ومخيمات الفلسطينيين في منطقة بيروت، والدامور، وصيدا، وتعرض لمواقع القوات السورية في جزين وخلدة.
وخلال ثمانية أيام من القتال تقدم العدو مسافة 60كم على الاتجاه الساحلي ومسافة 30كم في الاتجاه الأوسط «قلعة شقيف - جزين» ومسافة 10كم في الاتجاه الشرقي. وبلغ مجموع القوات المعادية التي عملت خلال هذه المرحلة ما لايقل عن أربع فرق معززة، كما قام طيران العدو بما لايقل عن /1200/ طلعة جوية بغرض قصف مواقع قوات المقاومة وتأمين الإنزالات.
ويعود نجاح العدو في المرحلة الأولى، إلى تفوقه من حيث الكم والنوع، الذي لايقارن بتشكيلات المقاومة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية.
وضع القوات المشتركة في الجنوب اللبناني:
أطلق اسم (القوات المشتركة) على جميع التنظيمات والقوى الوطنية التي واجهت الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، والتي كانت تضم:
• منظمة التحرير الفلسطينية بفصائلها المتعددة: حركة فتح - منظمة الصاعقة (طلائع حرب التحرير الشعبية)- الجبهة الديمقراطية - جبهة النضال الشعبي - الجبهة الشعبية (القيادة العامة) - الجبهة الشعبية - جبهة التحرير العربية.
• القوى الوطنية اللبنانية وأهمها في الجنوب اللبناني: الحزب التقدمي الاشتراكي- حزب البعث العربي الاشتراكي - التنظيم الناصري - الحزب السوري القومي الاجتماعي - الحزب الشيوعي اللبناني - حركة أمل.
لقد كانت منظمة التحرير الفلسطينية بفصائلها المسلحة العسكرية، وشبه العسكرية هي المنظمة المؤثرة والفعالة في الجنوب اللبناني على اختلاف آراء فصائلها ومواقفها، ولقد تجمع تحت لوائها عشية العدوان الإسرائيلي فصائل المقاومة التالية:
1ـ حركة فتح:التي تُعد من أكبر فصائل المقاومة المتواجدة على الساحة اللبنانية في العدد والتسليح، والتي كانت تتألف من:
أ‌- قوات القسطل: وتضم خمس كتائب مشاة، في كل كتيبة (200-250) عنصراً بأسلحتهم الفردية (بنادق - أسلحة م/د خفيفة).
ب‌- قوات الكرمل: تمركزت قيادتها في (أُم دوخة)، وكانت ثلاث كتائب.
ت‌- قوات جيش التحرير الفلسطيني التابع للمنظمة: وهي عبارة عن كتيبة دبابات موزعة بالسرايا من الزهراني ـ القاسمية، وحتى شمالي صور. والفوج المدرع الأول الذي يضم أربع مجموعات في كل مجموعة 3 دبابات و 3 مدافع م/د ويتحشد في منطقة علمان ـ شرحبيل (شمال صيدا).
ث‌- قوات اليرموك: قوامها ثلاث كتائب تَوضَّعَ منها في الجنوب:
- الكتيبة الأولى في منطقة المحمودية ـ الدمشقية.
- الكتيبة الثانية في منطقة القطراني ـ ميدون.
وهكذا فإنّ إجمالي عدد مقاتلي حركة فتح كان يتراوح بين 3000 - 3500 مقاتل.وعدد الدبابات بين 50 - 60 دبابة، وعدد المدافع بين 50 - 60 فوهة من مختلف العيارات. بالإضافة إلى عدد من الوسائط المضادة للدبابات والطائرات.
2- سائر التنظيمات الأخرى:بقية التنظيمات الأخرى«الصاعقة - الجبهة الديمقراطية - الجبهة الشعبية - الجبهة الشعبية (القيادة العامة) - جبهة التحرير العربية - جبهة النضال الشعبي»، فقد كان كل تنظيم منها يضم من 200 - 500 عنصر مزودين بالأسلحة الخفيفة (بنادق - أسلحة م/د خفيفة) وموزعين بالفصائل على مواقع المقاومة المختلفة في الجنوب اللبناني في مناطق صور، البص، صيدا، عين الحلوة، الرشيدية، والبرج الشمالي.
3- تنظيمات القوى الوطنية اللبنانية:لم يكن لهذه التنظيمات دور مؤثر من الناحية العسكرية، وإن كانت قد أسهمت بدرجات متفاوتة في القتال من خلال تواجدها إلى جانب فصائل المقاومة ولا سيّما في المناطق الآهلة بالسكان، وساعدت إلى حد كبير في تفويت الفرص على العدو في محاولاته المتكررة للنيل من صمود السكان المدنيين عن طريق الحرب النفسية التي مارسها في أثناء عملية الغزو وبعدها.
معـــــارك الجنــــوب:
• معركة قلعة الشقيف:تقع قلعة الشقيف في قمة هضبة أرنون التي يبلغ ارتفاعها 717م، على حافة نهر الليطاني من الغرب، وتبعد حوالي 7كم عن كل من المدن الرئيسية الثلاث:مرجعيون من الشمال الشرقي، والنبطية من الشمال الغربي، والمطلّة من الجنوب الشرقي، وباعتبارها تشرف على المناطق المجاورة لها، فقد استخدمت باستمرار كموقع جيد للرصد والنيران.


قوام القوات المدافعة عن القلعة يوم 6/6:
كُلفت فصيلة مشاة فدائية من قوات القسطل بالدفاع عن القلعة وقد عُززت الفصيلة بجماعتين من قوات الحركة الوطنية، وجماعة م/ط «ستريلا» من قوات الصاعقة بالإضافة إلى عدد من المراصد المتقدمة.
قوام القوات المعادية التي هاجمت القلعة:
أ ـ كتيبة مشاة خاصة من لواء جولاني.
ب ـ كتيبة دبابات معززة بالمشاة الميكانيكية.
واستشهد جميع المقاتلين الأبطال المدافعين عن هذا الموقع بعد أن كبدوا العدو الذي يتفوق عليهم بعدة أضعاف عدداً وعُدّة خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.
• معركة مدينة صور والمخيمات المجاورة لها:( الرشيدية، البرج الشمالي، البص).
تقع مدينة صور على مسافة 25كم من حدود فلسطين الشمالية وقد أعطاها موقعها على الساحل أهمية كبيرة كرئة يتنفس من خلالها رجال المقاومة مع العالم الخارجي. ومن الناحية العسكرية تشكل مع المخيمات الثلاثة المحيطة بها عقبة في وجه حملات الغزو القادمة من الجنوب للتقدم شمالاً إلى بيروت العاصمة اللبنانية عبر مدينة صيدا.
أـ القوة العسكرية للمقاومة وخطة الدفاع: يبلغ مجموع رجال المقاومة المنظمين عسكرياً حوالي /1200/ رجل يرتبطون بثلاث قيادات بمستوى كتيبة وحسب نوع وعدد الأسلحة المتوافرة يمكن تقدير القوة القتالية للمقاومة بثلاث كتائب مشاة.
ب ـ قوة العدو العسكرية:تقدر القوة العسكرية التي استخدمت في مرحلة السيطرة على منطقة صور بسبع كتائب (3 د+ 4مظ) معززة بمجموعة مدفعية ميدان (4- 5 كتائب) بالإضافة إلى الدعم الجوي والبحري، كما كان يرفد هذه القوات مجموعات من ميليشيات سعد حداد.
كانت مهمة قوات العدو في الأيام 8، 9، 10/6 القضاء على مجموعات المقاومة في المخيمات الثلاثة (الرشيدية، البرج الشمالي، البص) واعتقال المواطنين الذين كتب لهم أن يبقوا أحياءً بعد التدمير الرهيب الذي لحق بالمخيمات.
والجدير بالذكر إن مقاومة أشبال المقاومة لقوات العدو عند حملتها لتفتيش المخيمات كانت ملحوظة وتدل على التربية العقائدية الصحيحة التي نشأ عليها هؤلاء الفتيان.
بعد سيطرة العدو على المدينة والمخيمات بدأ تطبيق نظام الحكم العسكري معتمداً على وحدات الأقليات وحرس الحدود وميليشيات سعد حداد في تنظيم الحياة اليومية، وبدأ اعتباراً من يوم 11 / 6 / 1982 حملة تفتيش شملت المنطقة حتى نهر الزهراني واستمرت حتى خروج المقاومة من بيروت 31/ 8 / 1982.
• معركة صيدا والمخيمات المجاورة لها:
القوات المدافعة عن صيدا والمخيمات المجاورة لها:
إن الوحدات النظامية لقوات المقاومة التي كانت تدافع عن منطقة صيدا والمخيمات المجاورة لها هي:
- وحدة دبابات (ت 34) من جيش التحرير الفلسطيني (20) دبابة معززة بوحدة م/ط 23مم - 14.5 مم، وبوحدة م/د 160 - 75مم.
- كتيبة مشاة معززة «قوات القسطل» من فصائل المقاومة والميليشيات اللبنانية والفلسطينية.
- سرية مشاة محمولة من قوات القسطل.
- وحدات أمنية وإدارية مع فصيلتي م/ط وفصيلة سام 9.
قرار العدو لاحتلال مدينة صيدا:
وضع العدو القرار على أساس الضغط على المدينة من اتجاهين، الشمالي والجنوبي، ومن ثم الدخول إليها بعد استكمال تطويقها وبعد تدمير عناصر المقاومة وفرض السيطرة الإسرائيلية عليها، وعلى المخيمات المجاورة.
المعركة داخل مدينة صيدا:
في صباح الاثنين 7/6 تابعت القوات الإسرائيلية تقدمها باتجاه مدينة صيدا ومداخلها الشرقية، بدعم متواصل من الطيران والمدفعية، مع الإنزالات الجوية بالحوامات. وتمكنت القوات المنزلة حتى ظهر اليوم نفسه من الوصول إلى مداخل صيدا، وإلى معسكر الجيش في الصالحية شرقاً وإلى مخيم الميه وميه.
معركة مخيم عين الحلوة:
منذ صباح يوم الأربعاء 9/6 بدأ العدو يضيق الحصار على مخيم عين الحلوة مركزاً القصف الجوي والمدفعي على كافة أحياء المخيم ومتقدماً بأرتال الدبابات والمشاة الميكانيكية.وقد سجّل عن أحد جنود العدو في مذكراته ما يلي:
(عندما خرجت للمشاركة في هذه العملية عرفت أنني سأخوض حرباً مع فدائيين لهم نفس عمري، ولم يكن أحد منا بأنه سيحارب أولاداً تتراوح أعمارهم بين 12 - 16 سنة. لقد أبدى هؤلاء مقاومة شديدة جداً وكانوا مدربين لخوض حرب العصابات، فاستخدموا الأسلحة الصغيرة، والهاونات وبصورة خاصة سلاح (ر.ب.ج) حتى أننا دعيناهم أولاد (ر.ب.ج). لقد قاتلوا تحت شعار «حتى آخر قطرة من الدم من أجل استعادة الوطن السليب».
• العمليات العسكرية خلف خطوط العدو:
خلال عملية الغزو الصهيوني وبعدها، بدأت عمليات المقاومة خلف الخطوط بمجموعات فدائية منذ الساعات الأولى لعملية الغزو على الرغم من التعتيم الإعلامي الصهيوني، وحين طغى التقدم السريع لقوات العدو وأصوات قنابل الطائرات العنقودية وأزيز مدافع البر والبحر على كل صوت في أرض الجنوب اللبناني كانت تلك المجموعات الفدائية تعمل في الليل والنهار ضدّ الأهداف المعادية.
ويمكننا تقسيم عمل هذه المجموعات خلف الخطوط إلى مرحلتين رئيسيتين:
أ ـ المرحلة الأولى: أثناء التصدي لعملية الغزو.
ب ـ المرحلة الثانية: استنزاف العدو بعد الاحتلال.
أـ المرحلة الأولى:
برز في المرحلة الأولى تصدي عناصر الثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية والقوات العربية السورية لأرتال العدو وقوافل إمداده وتموينه في صور والرشيدية والبص، وفي صيدا وضواحيها مسببة له إرباكاً وبلبلة لم يكن يتوقعها ومنزلة أكبر الخسائر في قواته.
ونوجز فيما يلي أهم العمليات العسكرية خلف الخطوط:
- بتاريخ 6/6 الساعة 14.30، حاولت قوة إسرائيلية التقدم باتجاه البرج الشمالي، فتصدت لها إحدى مجموعات المقاومة الفلسطينية، ودمرت دبابة وعربة مدرعة، بمن فيهما، وتمّ أسر المقدم«أوري غيف» وهو مصاب بجراح بليغة فارق الحياة بسببها.
- بتاريخ 7/6 تمّ أول اشتباك من قبل المجموعات الخاصة من الجيش العربي السوري في منطقة عربصاليم ضدّ أرتال العدو المتقدم، حيث دُمِّر للعدو دبابتين، واستشهد قائد المجموعة وهو برتبة ملازم أول.
- عملية الدامور: بتاريخ 8/6 كان العدو قد اطمأنّ إلى خلوّ المنطقة من أفراد المقاومة عندما صعد نفر من رجاله إلى سطح أحد المباني المهجورة في الدامور يراقبون ساحة المعركة. أدركت إحدى المجموعات العاملة في تلك المنطقة، والتي كانت مؤلفة من «ثلاثة أشبال» أنّ هؤلاء النفر هم من قادة العدو، فقررت مهاجمتهم، وسقط نتيجة هذا الهجوم عدد من هؤلاء القادة.
- صباح يوم 6/11 نُفذت أكبر عملية خلف الخطوط بمجموعات كبيرة من الجيش العربي السوري بلغ عددها خمس مجموعات رئيسية، كل مجموعة 70 عنصراً، وقُسِمت كل مجموعة بدورها إلى 9 مجموعات فرعية، وتوغلت خلف العدو في منطقة راشيّا الوادي والظهر الأحمر ومنطقة المحيدثة، وفي الساعة 2.30 يوم 11/6 انقضت تلك المجموعات على أهدافها في مؤخرة العدو ودام الاشتباك 30 دقيقة، حيث سبب للعدو الخسائر الفادحة، فقد بلغ مجموع ما خسره العدو تدمير 40 دبابة وإعطاب 10 دبابات أخرى، وفرّ العدو تاركاً وراءه عتاده المدمر و150 إصابة بين قتيل وجريح.
ب ـ المرحلة الثانية:
لقد بذل العدو جهوداً كبيرة في سبيل القضاء على كل أثر للمقاومة، فاتخذ عدداً من إجراءات الحيطة والوقاية لحماية أفراد قواته وآلياته من هجمات الفدائيين.
ومع توالي أيام الاحتلال التي تجاوزت الأشهر، اطمأنّ إلى نجاح مخططه وتدابيره، وظنّ أنّ كل شيء قد انتهى، فانصرف كعادته إلى تسيير الأمور بغطرسة الحكم العسكري، فأقام حاكمية عسكرية في مدينة صور، وأُخرى في مدينة صيدا، ولقد كان كل ذلك تحت مراقبة الأعين التي لا تنام، والتي ما انفكت تتطلع إلى عملية موجعة قاتلة تنزلها بالعدو المتغطرس، ولم تجد المجموعات العاملة خلف خطوط العدو هدفاً أثمن من هذين الهدفين وهما «تفجير مقر الحاكم العسكري في كلٍ من صور وصيدا» وفوجئ العالم بما أذاعته وكالات الأنباء:
- بتاريخ 23/7/1982 نفذت مجموعات خلف الخطوط عملية فدائية ضدّ مقر القيادة العسكرية الإسرائيلية في صيدا، بدأ الفدائيون هجومهم مساءً في طريق رياض الصلح، خلال حركة ازدحام عادية، على باص عسكري إسرائيلي فدمروه بالقنابل وقتلوا وجرحوا من فيه، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى هجوم على مقر القيادة العسكرية بالصواريخ ونفذوا مهمتهم بشكل كامل دون أن يتمكن الجنود الإسرائيليون الذين اختبأوا خلف جدران المبنى من الرد على مصادر نيران المهاجمين، وتمكن الفدائيون من الانسحاب عبر بساتين البرتقال تاركين وراءهم الكثير من قتلى العدو تحت أنقاض المبنى المدمر.
- كانت تلك عملية صيدا، وكانت تلك نتائجها التي وقعت على العدو وقوع الصاعقة، ولم يكن بعد قد استيقظ من هول المفاجأة التي حدثت لأفراد قواته في الشمال، حينما تعرض موقع إسرائيلي متقدم شمالي بحمدون في منطقة رويسة البلوط لهجوم فدائي نفذته إحدى المجموعات العاملة خلف الخطوط بتاريخ 4/9/1982 حيث تمكن الفدائيون من خطف ثمانية جنود إسرائيليين مع أسلحتهم.
- بتاريخ 11/11/1982 وقع انفجار كبير في مبنى من ثمانية طوابق في مدينة صور، أدى إلى انهيار المبنى كاملاً، وكان هذا المبنى يضم مقر القيادة الرئيسي للجيش الإسرائيلي ومقر الشرطة العسكرية وحرس الحدود والحاكم العسكري في لبنان، وحاول العدو نسب الانفجار إلى أسباب أُخرى، فحجم خسائره جعله في حيرة من أمره، إذ كيف سيغطي مقتل 75 شخصاً بين ضابط وجندي، وجرح 28 آخرين، ومن بين القتلى عدد كبير من الضباط (مقدم ورائدان وملازم أول)، فضلاً على الحاكم العسكري لمدينة صور وقائد الوحدة المساعدة فيها.
بعض إجراءات العدو الوقائية:
في أعقاب نجاح القوات العاملة خلف خطوط العدو في تصعيد المقاومة اتخذ العدو عدة إجراءات تهدف إلى حماية أفراده وإلى التقليل من خسائره البشرية والمادية، ومن هذه الإجراءات:
1ـ إلزام الجنود العاملين في لبنان الذين يحصلون منهم على إجازات بالسفر بالآليات المدرعة أو بطائرات الهيلكوبتر.
2ـ منع السيارات من التحرك إفرادياً ودون حراسة آليات مسلحة.
3ـ الحظر على الجنود والمدنيين الإسرائيليين التجول في الأحياء السكنية بشكل إفردي، وإلزامهم بالتحرك ضمن مجموعات مسلحة.
4ـ زيادة عدد الحواجز على الطرق، وتكثيف الدوريات الليلية والنهارية.
5ـ فرض نظام منع التجول من حين لآخر على القرى والمدن اللبنانية المحتلة.
6ـ هدم المخيمات الفلسطينية.
7ـ قطع الأشجار على جانبي طريق صيدا - صور.
8ـ تصعيد حملة الاعتقالات دون تمييز.

• اجتياح جزين معارك الجبل:
الصدام في جزين:
تقع جزين على مسافة 20 كيلومتراً من ساحل البحر المتوسط، إلى الشرق من صيدا، وعلى مسافة 27 كيلو متراً عن أقرب نقطة من الحدود اللبنانية - الفلسطينية، وارتفاعها حوالي 1200 متر عن سطح البحر، وهي بلدة جبلية تشكل عقدة طرق هامة، تسيطر على معظم المحاور الجبلية المتجهة من الجنوب إلى الشمال ومن الشرق إلى الغرب.
وقد تمّ رفع جاهزية قوة الردع العربية في لبنان منذ صباح 4 حزيران وتعزيز كافة النقاط الأمامية، التي يحتمل أن يحصل تماس مباشر بينها بين العدو الإسرائيلي. كما تمّ بشكل خاص تعزيز جزين بسبب كونها نقطة متقدمة بعيدة عن القوى الرئيسية لقوات الردع العربية.
وقد عُززت قوة جزين بوحدات من المشاة الميكانيكية والقوات الخاصة والدبابات والأسلحة المضادة للدبابات والمدفعية , وعُينت لها قيادة متقدمة خاصة. ووصلت هذه القوى تباعاً إلى المنطقة, أثناء حصول الاشتباك مع العدو بتاريخ 6 حزيران 1982.
ففي الساعة 7.00 من صباح 6 حزيران 1982 بدأ طيران العدو بقصف الجرمق والدمشقية وأرنون وقلعة شقيف, وكلها قرى تقع إلى جنوب الخط الذي تحيط به المخافر المتقدمة لقوة الردع العربية في جزين .
وعندما اقترب العدو من مدى رمايات المدفعية السورية التابعة لقوة جزين فتحت نيرانها على أرتال العدو المتقدمة, كما قامت الصواريخ المضادة للدبابات بالرمي على مدرًعات العدو ودمرت له ثلاث دبابات وأصابت عدداً من أفراده وآلياته. وقد قام العدو, إثر ذلك, بقصف كافة النقاط السورية الأمامية حيث وقعت بعض الإصابات في صفوف الجنود السوريين.
وبسبب انقطاع هذه الوحدات عن قوتها الرئيسية في جزين فقد صدر الأمر بالقتال التأخيري ضدّ العدو والانسحاب مع تدمير العدو وتكبيده أكبر ما يمكن من الخسائر, والاتصال مع القوى الموجودة في البقاع.
وهكذا قاتلت قوة جزين عدواً متفوقاً(حوالي فرقة ميكانيكية معادية), و أخرت تقدمه مدة أربعة أيام متواصلة ليلاً نهاراً, ونفذت الخطة التأخيرية وهي عرقلة تقدم العدو السريع باتجاه الطريق الدولية دمشق ـ بيروت.
ولما لم ينجح العدو في أعماله القتالية على كافة الاتجاهات طلب وقف إطلاق النار بين قواته والقوات السورية. وحوالي الساعة 11,30 من قبل ظهر يوم الجمعة 11حزيران 1982 أدلى ناطق رسمي سوري بأنه «لدى استقبال السيد الرئيس حافظ الأسد المبعوث الأمريكي فيليب حبيب، ليل أمس الخميس, لمناقشة الأفكار التي طرحها و المتعلقة بوقف النار, على أساس الانسحاب الإسرائيلي الشامل من كافة الأراضي اللبنانية, أُعطيت التوجيهات لجميع التشكيلات السورية الموجودة في لبنان لتطبيقه اعتباراً من الساعة 12,00 من ظهر هذا اليوم الموافق لتاريخ 11حزيران 1982».
كذلك أبلغ رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية السيد ياسر عرفات الأمين العام للأمم المتحدة أنّ منظمة التحرير الفلسطينية تؤكد التزامها السابق بوقف إطلاق النار حسب مضمون قراري مجلس الأمن رقم 508 و509.
وفي الساعة 11,40 صدرت التعليمات للقوات لأخذ الحيطة والحذر من غدر العدو الذي اعتاد استغلال الدقائق الأخيرة قبل وقف إطلاق النار بإنزالات جوية فوق أهداف لم يكن يستطيع الاستيلاء عليها أثناء القتال.
تعليمات خاصة بالمحافظة على وقف النار:
يمكن أن نلاحظ هنا، بأنّ القتال الشرس والعنيد الذي خاضته الوحدات السورية في ظروف التفوق الجوي والبري المعادي طيلة 7 أيام متواصلة، أدت إلى عدم السماح للعدو بالتقدم أكثر من مسافة 3 – 3,5 كيلومتر فقط، أي بحدود 400 - 500 متر يومياً، بقتال يجري بالليل والنهار مع استخدام العدو لكمية ضخمة من طلعاته الجوية وقصف المدفعية المتواصل، إضافة إلى مساندة العملاء من ميليشيات حزب الكتائب.
وقد أعلنت إسرائيل أنّ 29 جندياً إسرائيلياً قُتلوا وأُصيب 141 في المعارك الأخيرة مع السوريين التي اشتركت فيها الدبابات والمدفعية والصواريخ والطائرات، وأضافت بأنه بات مجموع الإسرائيليين الذين قُتلوا في لبنان، حسب الأرقام الرسمية حتى الآن هو 252 وهو رقم حَمَل بعض السياسيين في إسرائيل على التساؤل عن ثمن العملية.
وفي 26 حزيران، استمر العدو يخوض معارك الجبل على الرغم من إعلانه عن وقف إطلاق النار، حتى أنّ أحد المعلقين العسكريين الأجانب قال «إنّ شارون احتل، متسلقاً قرارات وقف إطلاق النار، أكثر مما استطاعه أثناء القتال الضاري». وقد تقدمت قوات العدو تحت تغطية وقف إطلاق النار من بحمدون، واحتلت المنطقة الممتدة من الجمهور حتى بحمدون «على الطريق الدولية بيروت - دمشق»، بعد أن أخلتها القوات السورية، كما احتل العدو بالإضافة إلى ذلك، سوق الغرب، والقماطية، وعاليه، محققاً اتصالاً كاملاً بين قواته.
وفي 27 حزيران، تابع العدو أعماله بالتوسع في اتجاه القريّة في منطقة حمانا، وهناك حصلت اشتباكات في قريتي القبيعو، الشبانية حيث أُوقف من قبل القوات السورية.
وهكذا ثبت خط التماس بين القوات السورية والقوات المعادية في الجبل، ولم يستطع العدو بمزيد من الهجمات وقصف الطائرات أن يزحزح القوات السورية من مواقعها في الجبل أو في البقاع أو في مدينة بيروت.