الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الغزو الإسرائيلي للبنان  معلومات تفصيلية

الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982م 

الوضع العام عشية الغزو:
جاء غزو إسرائيل للبنان، في حزيران /يونيو/ 1982، وليد أوضاع لبنانية وعربية ودولية، استثمرتها إسرائيل وانتهزتها من أجل القيام بعدوانها، ووظفتها لصالح أهدافها التوسعية. ولهذا غدا من الضروري تلمس سمات هذه الأوضاع، للتعرف على الركائز التي انطلق منها العدو في شن عدوانه.
الوضع في لبنان:
لقد أدى الانقسام السياسي والاجتماعي الذي عاشه لبنان سنوات حربه الأهلية والاضطرابات الدموية منذ 13 نيسان /أبريل/ 1975 حتى الاجتياح الإسرائيلي في 6 حزيران /يونيو/ 1982 إلى ظهور ثلاثة تيارات رئيسية توزعت القوى السياسية اللبنانية عليها، وهي:
• التيار الانعزالي .
• التيار الوطني.
• التيار المحايد.
ترأست «الجبهة اللبنانية» التيار الأول، واحتلت برموزها وممثليها وكتائبها المسلحة، صدارة المسرح السياسي الداعم للاتصال بالعدو والتعاون معه وتشجيعه الخفي على الغزو، على أساس زعمها بأن وجود الثورة الفلسطينية في لبنان سيتسبب في اجتياح إسرائيل لأرضه، ويطيح بجنوبه، ويؤدي إلى الدمار والخراب. وإذا ما حدث الغزو فإن هدفه في نظر أصحاب هذا التيار هو اقتلاع الثورة الفلسطينية وحلفائها من القوى الوطنية اللبنانية والقوات السورية العاملة ضمن قوات الردع العربية، وأنه حالما تنجز إسرائيل مهمتها هذه فستنسحب من لبنان، إذ لا مطامع لها فيه.
وفي مقابل هذا التيار الانعزالي الطائفي التحريضي، نما التيار الثاني الذي جمع طوائف وفئات لبنانية عديدة تشكل الأكثرية الساحقة من اللبنانيين. وقد تمسك أصحاب هذا التيار بوحدة لبنان واستقلاله وسلامة أراضيه وبالوحدة الوطنية في مواجهة المخاطر والأزمات التي كانت تعصف بلبنان، وكادت تطيح به كدولة ومجتمع. وقد جسدت القوى الوطنية هذا التيار، وأنشأت لنفسها مجلساً قيادياً يضم التنظيمات الحزبية والشعبية والشخصيات الوطنية الذين يستوعبهم التيار ومبادئه وأهدافه. وكان من أبرز ممارسات هذا التيار، التعاون مع الثورة الفلسطينية واشترك معها في تنظيمات مسلحة كانت تقف في مواقع الدفاع في الجنوب وتسهم في رد الهجمات والغارات الإسرائيلية.
أما التيار الثالث، الذي يمكن وصفه بأنه «محايد» أو «مهادن» فقد تشكل في سياق تاريخي ولّدته الحرب الأهلية والصراعات التي تلتها واستند إلى نزوع استسلامي مهادن عمّ بعض أرجاء الوطن العربي، على الصعيد الرسمي، وبرزت مظاهره في صورة العجز العربي عن مقاتلة إسرائيل والانتصار عليها، والاقتناع بأنها أمر واقع قائم. وقد كانت أخطر نتائج هذا التيار اتفاقيات كامب ديفيد والمعاهدة المصرية الإسرائيلية.
ولقد استطاع الموقف الرسمي اللبناني، أو ما اصطلح على تسميته «بموقف الشرعية»أن يستفيد من هذا التيار وتناميه في بعض الأوساط الشعبية، فغلبت السلبية على معظم سياساته ومواقفه، مما أدى إلى تعطيل جميع محاولات الوفاق الوطني، وانحسار سلطة الدولة عن قسم من المناطق والمواقع والمؤسسات والمرافق. وأخطر ما انتهت إليه هذه السلبية هو تعطيل دور الجيش اللبناني كمؤسسة وطنية، تحفظ للدولة سلطانها وسيطرتها وتحمي وجودها بقدر ما توفر للمجتمع اللبناني بكامل فئاته وطوائفه وشرائحه الحماية والأمان.
يتألف الجيش اللبناني من نحو 24 ألف رجل، بالإضافة إلى أكثر من 10 آلاف شرطي، يشكلون قوى الأمن الداخلي. لكن هذه القوات منذ بدء الحرب الأهلية، مرّت بحالات من التمزق وخيبة الأمل والإحباط. وكانت القوى المتنازعة على الساحة اللبنانية تتجاذب هذه القوات المسلحة باتجاهات متعاكسة متضاربة، مما أدى إلى شلها وتعطيلها عن الحركة، بهدف دفع قوات مسلحة خاصة، مثل القوات اللبنانية المؤلفة من الكتائب وحراس الأرز والوطنيين الأحرار وغيرها من التشكيلات الانعزالية الطائفية، إلى تجاوز الجيش والحلول محله في السيطرة على بعض أجزاء من الأراضي اللبنانية.
وبإيحاء من إسرائيل، انشق الرائد سعد حداد عن الجيش اللبناني ليقيم مع عدد من رجاله في الشريط الحدودي المحاذي للحدود اللبنانية - الإسرائيلية ما يشبه «الدويلة الصغيرة» عاملاً في خدمة العدو بشكل مباشر.
هكذا كان في لبنان، عشية العدوان الإسرائيلي، إلى جانب الجيش اللبناني الذي أشرنا إلى تشكيله وتوزيعه وانقسامه وسلبيته، مجموعة كبيرة من التنظيمات والفصائل والجماعات المسلحة أبرزها قوات الثورة الفلسطينية.
كانت قوات الثورة الفلسطينية مؤلفة من قوات المنظمات المشكلة لمنظمة التحرير الفلسطينية والمنتشرة في شرقي لبنان وجنوبه ومنطقة بيروت، أبرزها:
1- حركة فتح: وتضم نحو 16 ألف مقاتل مسلحين بنحو 140 مدفعاً من مختلف العيارات، و 160 دبابة من طراز «ت 54 وت55»،ونحو 50 راجمة صواريخ، ونحو 110 مدافع هاون من عيارات مختلفة.
2- الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين: وتعدادها حوالي 1500 مقاتل.
3- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين:ويبلغ تعداد مقاتليها نحو 1200 مقاتل.
4- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة: وتعدادها حوالي 1000 مقاتل.
5- جبهة التحرير العربية: وتضم حوالي 1000 مقاتل.
6- طلائع حرب التحرير الشعبية - منظمة الصاعقة: وتعدادها حوالي 2000 مقاتل.
7- جبهة النضال الشعبي: وتعدادها نحو 800 مقاتل.
8- جبهة التحرير الفلسطينية: ويبلغ تعداد مقاتلوها نحو 1000 مقاتل.
وبذلك كانت القوات الفلسطينية في الساحة اللبنانية تبلغ، عشية العدوان، نحو /24500/ مقاتل مسلحين بمختلف أنواع الأسلحة الخفيفة كالبنادق والرشاشات، والأسلحة المضادة للدبابات، والأسلحة المضادة للطائرات ومدافع الهاون وبعض الأسلحة الثقيلة كالدبابات ومدافع الميدان والراجمات.
ويلي قوات الثورة الفلسطينية، من حيث القوة العسكرية والتنظيم والتسليح قوات الجبهة اللبنانية التي كان حزب الكتائب وميليشياته المسلحة تشكل عمودها الفقري. وتضم هذه القوات في مجموعها، نحو 25 ألف مقاتل كانوا ينتشرون في بيروت الشرقية، وكسروان وجونية وزحلة ويتسلحون بنحو 100 دبابة و116 ناقلة جنود مدرعة، و 114 مدفع هاون، و 88 مدفع ميدان، و 10 طائرات حربية. وإلى جانب هؤلاء وأولئك، كان هناك حوالي خمسين تنظيماً مسلحاً آخر قامت على أسس قومية أو حزبية أو إقليمية أو طائفية.
بمثل هذا الوضع واجه لبنان الغزو الإسرائيلي في حزيران 1982. ولم يكن وضع الدول العربية عشية الاجتياح بأحسن حالاً من الوضع في لبنان. فقد حلّ يوم الغزو، ولم تكن الدول العربية أعدت للعدو ما تستطيع من قوة، ولم ترهبه برباط خيل، ولا اعتصمت بحبل من الوحدة متين.
الوضع العربي:
لا يمكن النظر إلى الاجتياح الإسرائيلي للبنان، في حزيران 1982، إلا على أنه اعتداء واقع على جامعة الدول العربية، ذاتها أيّ على جميع الدول العربية دون استثناء، خاصة على ثلاثة أطراف أعضاء في الجامعة، هي لبنان الذي انتهك جيش العدو حرمة أراضيه واستقلاله، وسورية التي توجد قواتها في الأرض اللبنانية ضمن إطار قوات الردع العربية المشكلة بقرار من مؤتمر القمة العربي، ومنظمة التحرير الفلسطينية.
وحينما تطورت أحداث لبنان لتصبح عاملاً يُعرّض السلم والأمن العربيين للخطر، اجتمع وزراء الخارجية في دورة طارئة لمجلس الجامعة في القاهرة يوم 9 حزيران /يونيو/ 1976، وقرروا «تشكيل قوات أمن عربية رمزية تحت إشراف الأمين العام لجامعة الدول العربية للحفاظ على الأمن والاستقرار في لبنان، على أن يتم تحريك هذه القوات لمباشرة عملها، وتنتهي مهمة قوات الأمن العربية بناءً على طلب رئيس الجمهورية اللبنانية». وكان تشكيل هذه القوات يقوم على أساس قرار آخر اتخذه المجلس وهو «الطلب إلى جميع الأطراف وقف القتال فوراً وتثبيت هذا الموقف».
وبغية معالجة الوضع الذي كان يزداد تأزماً في لبنان، خاصة في إثر انهيار اتفاقات وقف إطلاق النار مرات كثيرة، وإثر تعرض قوات الأمن العربية إلى إطلاق النار عليها من القوات الانعزالية، عُقد في الرياض مؤتمر قمة سداسي في 16 تشرين الأول / أكتوبر/ 1976، حضره ملوك ورؤساء الجمهورية العربية السورية والسعودية ومصر والكويت ولبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، وقرروا تحويل «قوات الأمن العربية» إلى «قوات الردع العربية» وجعلوا ملاكها في حدود 30 ألف جندي، ووضعوها تحت تصرف رئيس الجمهورية اللبنانية مباشرة. كما قرروا وقف القتال في جميع الأراضي اللبنانية بدءاً من مساء يوم 21 تشرين الأول /أكتوبر/ 1976، وعودة لبنان إلى ما كان عليه قبل 13 نيسان /إبريل/ 1975. وألحق بالقرارات جدول زمني يرتب الأوضاع الأمنية في لبنان.


عين الرئيس اللبناني قائداً لقوات الردع، وأخذ هذا القائد ينشر الوحدات، وكانت يومذاك تتألف من : 3500 جندي سعودي وليبي وسوداني، و 500 جندي من دولة الإمارات العربية المتحدة، و 500 جندي من اليمن، و 600 جندي سوداني جاؤوا فيما بعد لدعم الوحدة السودانية، و /20000/ جندي سوري (المجموع 25100 جندي).
كانت المنطقة العربية، عشية العدوان الإسرائيلي تمر بتطورات وظروف يمكن اعتبارها مواتية كي تنطلق إسرائيل في حربها. فقد عكست أحداث السنوات الخمس الأخيرة، أي منذ زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس المحتلة العام 1977، ملامح التففت العربي، وغياب التضامن شيئاً فشيئاً.
إنّ أي حديث عن الوضع العربي عشية العدوان الإسرائيلي على لبنان لابد من أن ترتبط خيوطه وخلفيته بحرب تشرين التحريرية، التي كانت صورة متقدمة رفيعة من صور التضامن العربي العسكري والسياسي والاقتصادي. ففي إثر تلك الحرب المجيدة، بدأت الخطط الامبريالية ـ الصهيونية تظهر للوجود، واحدة تلو الأخرى، هادفة إلى تحطيم أسس التضامن العربي بالشكل الذي ظهر في حرب تشرين، وتفريغ النصر العربي من مضمونه وامتصاص المكاسب العربية.
وهكذا شهدنا مباحثات الكيلو 101 في مصر، واتفاقية سيناء الثانية في العام 1975. ومنذ ذلك الحين بدأت أزمة لبنان تبرز شيئاً فشيئاً، حين فجرت القوى الانعزالية صراعاً مسلحاً طائفياً.
في ظل هذه الآثار التي تركتها اتفاقية كامب ديفيد والمعاهدة المصرية - الإسرائيلية، بدأ الغزو الإسرائيلي للبنان العام 1982.
لقد استند تخطيط الغزو الإسرائيلي وتنفيذه في حزيران /يونيو/ 1982 استناداً كاملاً إلى مرتكزات سياسة الإدارة الأمريكية حيال الصراع العربي - الإسرائيلي وقضية فلسطين. وأبرز هذه المرتكزات:
1- الرفض التام للاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية والتحاور والتفاوض معها، إذ تعتبر إدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان المنظمة «منظمة إرهابية».
2- الرفض التام لحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ولإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وحل مشكلة هذا الشعب عن طريق توطين الفلسطينيين في الأردن.
3- اعتبار إسرائيل مرتكزاً جغرافياً وسياسياً وعسكرياً تعول الولايات المتحدة عليه في الشرق الأوسط ويشكل عنصر توازن عسكري ذا شأن في مواجهة ما يسمى «بالنفوذ السوفييتي» في المنطقة.
4- دعم السياسة العدوانية المغامرة المتطرفة التي تنتهجها حكومة الليكود في إسرائيل بقيادة مناحيم بيغن، خاصة في مجال الاستيطان الصهيوني في الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة والعمل على تصفية القضية الفلسطينية من خلال القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية وتطبيق أحكام اتفاقيتي كامب ديفيد بشأن الإدارة الذاتية في الضفة والقطاع، وشن الاعتداءات المتتالية على لبنان والفلسطينيين المقيمين فيه.
لقد كشف «الكسندر هيغ» وزير الخارجية الأمريكي السابق، الجانب الأمريكي من قرار غزو لبنان حين صرّح بأن الولايات المتحدة أعطت إسرائيل الضوء الأخضر لبدء الغزو. وقد دفع «هيغ» ثمن تصريحه هذا حين فقد منصبه الوزاري.