الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الغزو الإسرائيلي للبنان  معلومات تفصيلية

خلفيات الصراع

يدخل الغزو الإسرائيلي للبنان في صيف 1982 في إطار الأعمال العسكرية التي تخدم الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة في المنطقة العربية، والتي تعهدت الدولة الصهيونية القيام بها، مقابل حصولها على دعم الولايات المتحدة في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية. إلا أنه يدخل في الوقت ذاته في إطار الأعمال العسكرية الرامية إلى خدمة الاستراتيجية الصهيونية وتحقيق أغراضها الآنية والمستقبلية.
ومن هذا التطابق في أغراض الاستراتيجيتين الأمريكية والصهيونية، تولدت فكرة العدوان على لبنان ونفذت القوات الإسرائيلية الاجتياح الذي اعتبره وزير الدفاع الأمريكي ألكسندر هيغ «فرصة نادرة لتحقيق أهداف استراتيجية مشتركة لأمريكا وإسرائيل».
الأطماع الصهيونية في لبنان:
ادعت الأوساط الصهيونية أنها راغبة في الدفاع عن أمن مستعمرات الجليل، وحماية السكان المدنيين من القذائف المنطلقة عبر حدود لبنان الجنوبية، في حين كانت تعد لعملية عسكرية هجومية، تستهدف السيطرة على جنوبي لبنان، الذي تعتبره الاستراتيجية الصهيونية جزءاً من المجال الحيوي للدولة الصهيونية ومنطقة هامة يشكل التوسع فيها أحدث مرتكزات بناء تلك الدولة.
وعكفت الحركة الصهيونية منذ نشوئها على تحقيق أحلام هرتزل التي تحدث عنها كتابه (الأرض الجديدة - الأرض القديمة) والتي تطالب بضم المناطق الغنية بالمياه إلى رقعة الأرض التي تطمع بالاستيلاء عليها لإنشاء الوطن اليهودي «وتأمين المجال الحيوي للنشاطات الاستعمارية».
وهذه الأطماع يمكن تحديدها جغرافياً في شقين:
1ـ الأرض : احتلال الأراضي اللبنانية الواقعة جنوبي خط صيدا -القرعون- البيرة - بيت جن واغتصابها.
2ـ المياه: الاستيلاء على أكبر نسبة ممكنة من مياه نهر الليطاني.


يتضح مما تقدم، أن الصهيونية وجدت منذ أن قررت إنشاء دولتها في فلسطين، أن هذه الدولة ذات موارد مائية ضئيلة لاتكفي لمشروعات التوسع السكاني والاستيطاني. ولهذا توجهت حتى قبل قيام «الدولة» إلى البحث عن مصادر رديفة للمياه لدى البلدان العربية المتاخمة، حيث توجهت أطماعها، خاصة نحو مياه نهر الليطاني والحاصباني، وكانت الحجة التقليدية للدوائر الصهيونية أن مياه الليطاني والحاصباني تذهب هدراً، وأنها تستطيع أن تستغل هذه المياه بفعالية أكبر.
المساعي الإسرائيلية لتحقيق الأطماع في لبنان:
مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، وجد الصهيونيون الفرصة الذهبية التي ساهموا في إعدادها وإنضاج ظروفها، من خلال التحريض الإعلامي والعدوان المستمر على أراضي لبنان وانتهاك أجوائه ومياهه الإقليمية واستعداء بعض فئات شعبه ضد البعض الآخر، وكان من الطبيعي أن تمد (إسرائيل) يد المساعدة إلى القوى الانعزالية، التي يطلق عليها الإعلام الصهيوني وبعض أجهزة الإعلام الغربية تجاوزاً اسم القوات المسيحية أو الميليشيات المسيحية، إمعاناً منها في التفرقة وإذكاء لروح الطائفية، وهناك عشرات الأدلة والمؤشرات التي تؤكد تورط الجبهة اللبنانية في التعاون مع العدو قبل الحرب الأهلية وخلالها وطوال الفترة التي تلتها ونجاح الإسرائيليين في استغلال تلك الجبهة وتسخيرها لتحقيق أغراض صهيونية بحتة، ولقد جاء تقرير «لجنة كاهان» المكلفة بالتحقيق في مجازر صبرا وشاتيلا، ليقدم دليلاً جديداً ومن قلب معسكر العدو، على مدى تعاون الجبهة اللبنانية مع الصهيونيين ضد كل ما هو عربي وتقدمي في لبنان.


دور سورية القومي لتهدئة الصراع:
كان المنطق القومي نقطة الانطلاق في تعامل سورية مع الحرب الأهلية في لبنان، فعلى أساس هذا المنطق وبسبب الإدراك الصحيح لحقيقة العلاقة المتبادلة بين الأمنين القومي والقطري اعتبرت سورية أن تحقيق الأمن في لبنان يوفر الجهد والدم العربيين ويخدم بالتالي مصالح الأمن القومي.
وعندما كانت سورية جاهدة في معالجة الحرب الأهلية اللبنانية وفق الحل العربي الهادف إلى التهدئة والمضاد للحل الإسرائيلي الهادف إلى التفجير، وبينما كان الجهد السوري منصباً على استقطاب قوى الاتجاه العربي المقاوم والعمل على حشدها، حققت الولايات المتحدة اختراق النظام المصري الذي أدى إلى اختلال ميزان القوى في المنطقة لصالح العدو، واتساع حرية العمل أمام العسكرية الإسرائيلية التي وجدت نفسها في وضع يسمح لها بتهديد القطر العربي السوري ومتابعة دورها التفجيري في لبنان.
ومنذ ذلك الحين بدا على الأرض اللبنانية صراع حاد بين الحل العربي الذي حملت سورية لواءه، والحل الأمريكي - الإسرائيلي التفجيري المتعارض مع عروبة لبنان وسيادته وسلامة أراضيه، ولقد أخذ هذا الصراع أشكالاً متعددة وساهمت القوى المحلية فيه حسب إمكاناتها وأساليبها. وإذا كانت سورية والثورة الفلسطينية والقوى اللبنانية الوطنية قد مارست خلاله الكثير من ضبط النفس وأظهرت في مراحله المختلفة قسطاً كبيراً من المرونة، بغية تجنيب لبنان مغبة العودة إلى دوامة الحرب الأهلية، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل والقوى الانعزالية اللبنانية، كانت تضغط باتجاه التفجير، وتستعد للسير على طريق الخيار العسكري.