الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الغزو الإسرائيلي للبنان  معلومات تفصيلية

مقدمات الغزو الإسرائيلي للبنان وأهدافه

إن الاجتياح الإسرائيلي للبنان فرصة نادرة لتحقيق أهداف استراتيجية مشتركة لأمريكا وإسرائيل.

الجنرال ألكسندر هيغ

قبل إلقاء الأضواء على الغزو الإسرائيلي للبنان، لابد من القول أن هدف الغزو الإسرائيلي هو إخضاع لبنان لمشيئة الأطماع الأمريكية والمخططات الإسرائيلية تمهيداً لدفعه إلى الارتماء في الخندق المعادي للأمة العربية، والانفراد بسورية وبقوى الثورة الفلسطينية، وإبقاء العرب في زمن الوهن والضعف والتمزق.
بدأ التآمر المكشوف على لبنان عندما وقّع أنور السادات اتفاق الكيلو «101» مع العدو الصهيوني، وتلاحقت الأحداث على الساحة اللبنانية بشكل سريع من خلال تطورات الأحداث السياسية واستغلال الأوضاع الحساسة في لبنان. وبدأ مسلسل الاغتيالات على الهوية والمجازر الدموية التي نفذها الكتائبيون في عين الرمانة ومنطقة الدكوانة، ضد الفلسطينيين. وانفجرت حرب الكرنتينا وتلتها حرب الدامور، وظهرت بوادر الانقسام الطائفي في الجيش اللبناني، وفي 8 آذار 1976 كانت مجزرة بيروت.


في 20 تموز 1976 ألقى الرئيس حافظ الأسد خطاباً قومياً شرح فيه الموقف على الساحة اللبنانية، ووضع القوات السورية بتصرف السلطة الشرعية اللبنانية.

 

وتألفت قوات الردع العربية بإمرة الرئيس الياس سركيس استناداً إلى قرار مؤتمر القمة السادس في الرياض.

ودخلت القوات السورية لبنان دفاعاً عنه وحفاظاً على استقلاله، وحقناً للدماء ومنعاً للتقسيم، واعتبر القطر العربي السوري الوثيقة الدستورية التي وقعها الرئيس سليمان فرنجية نصراً وطنياً كبيراً.

وعندما استتب الأمن وعاد الهدوء إلى لبنان، خرجت إسرائيل من صمتها وأعلنت أنها لن تسمح للقوات السورية العاملة ضمن قوات الردع العربية، بتجاوز الخط الأحمر وكشفت عن نياتها وفضحت أهدافها.
وبعد الرحلة التي قام بها السادات إلى القدس العربية المحتلة (تشرين الثاني 1977)، انفجر الموقف في العاصمة اللبنانية، وانطلقت الشرارة من ثكنة الفياضية، ونصب الكتائبيون الكمائن لقتل عناصر قوات الردع العربية.
وكانت دمشق موطن الأمل والرجاء في تحقيق الأمن وحقن الدماء، ولكن هذا الموقف لم يكن مناسباً لإسرائيل، وأتباعها في المنطقة، فقامت باجتياح عسكري للجنوب اللبناني في 15 آذار 1978.
وأعلن السادات عن مجازر ستشمل لبنان بكامله، وابتدأت هذه المجازر بالفعل في إهدن والبقاع وعين الرمانة، وقضى لبنان صيفاً حاراً تخللته اشتباكات دموية وهجمات متكررة على القوات السورية العاملة في لبنان، وتصدى الطيران العربي السوري بكل بسالة للطيران الإسرائيلي في سماء لبنان ومنعه من تحقيق أهدافه العدوانية.
وتلاحقت الأحداث بسرعة على الساحة اللبنانية، ونشطت القوات الكتائبية في أعمال الاغتيال والتصفية الجسدية، وكان ضحيتها العديد من رجال لبنان الوطنيين منهم: كمال جنبلاط وطوني فرنجية نجل الرئيس سليمان فرنجية، والمناضل الفلسطيني زهير محسن. وتأزم الموقف في مدينة زحلة ووقعت خسائر كبيرة في صفوف المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين. ومرة أخرى تدخلت القوات السورية لوقف المعارك وإيقاف التهجير.
ولكن الفئات اللبنانية المتآمرة على لبنان، تابعت نشاطها الهدام وراحت تستمد القوة من أمريكا تارة، ومن إسرائيل تارة أخرى. ورافق هذا التآمر تحركات أمريكية مشبوهة حتى توافرت الظروف الملائمة لشن عدوان إسرائيلي غادر واسع النطاق، هدفه تقويض ما حاولت سورية بناءه خلال فترة وجودها في لبنان وضرب البنية العسكرية الفلسطينية وإخراج القوات السورية من لبنان.
واستفاق العالم صباح يوم 4/6 / 1982 ليستمع إلى أخبار مؤكدة مفادها أن الطائرات الحربية الإسرائيلية بدأت تقصف مواقع ومناطق مختلفة من لبنان قصفاً كثيفاً، زاعمة أن هذه الأعمال العدوانية هي ردود فعل انتقامية لحادثة اغتيال سفير إسرائيل شلومو آرغون في لندن.
ولكن سرعان ما اتضحت الحقائق، فقد اجتاحت القوات الإسرائيلية الجنوب اللبناني تحت ستار كثيف من نيران البر والجو والبحر وتجاوزت حدود الـ 40 كم التي أعلنت عنها، وهي أنها قد تلقت أمراً بدفع الفلسطينيين إلى الوراء كي تتيح لسكان منطقة الجليل العيش بسلام. وتجاوزت القوات الإسرائيلية صيدا، ثم زجت بقوات جديدة فاقت كل التقديرات الأولية مع دعم جوي واسع النطاق اشتركت فيه أحدث الطائرات الحربية المقاتلة الأمريكية الصنع من طراز (إف 15 وإف 16) وقامت بعدد من الإنزالات الجوية والبحرية. وفي نهاية الأسبوع الأول من عملية «سلامة الجليل» كانت القوات الإسرائيلية قد توغلت أكثر من 60 كم في عمق الأراضي اللبنانية.
ومنذ اليوم الأول للغزو تصدّت القوات السورية في البر والجو للقوات الإسرائيلية الغازية، وجسّدت سورية هذا الموقف عملياً حين هبّت إلى نجدة لبنان ودفعت بقواتها إلى ساحة المعركة، وتحمّلت في سبيل ذلك الأعباء والتضحيات الكبيرة انطلاقاً من واجبها القومي وإدراكها العميق لمعاني الأواصر الأخوية التي تربط بين سورية ولبنان. وعلى الرغم من التصدي البطولي الذي أبدته القوات السورية والفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية، تابعت القوات الإسرائيلية تقدمها وفرضت الحصار على بيروت العاصمة.
وبعد حصار طويل، خرجت القوات السورية والفلسطينية من بيروت لتأخذ مواقعها القتالية الجديدة في البقاع. ولم يكن خروج هذه القوات في آخر الأمر إلا بسبب تلك الخسائر البشرية والمادية التي نزلت بالسكان المدنيين، ولأن دمار بيروت فوق رؤوس أهلها لم يكن احتمالاً بل كان حقيقة واقعة.

وتتابعت الأحداث السياسية وتلاحقت مع الأعمال القتالية التي نشبت في مناطق الجبل بين القوات السورية والإسرائيلية، وجرى اغتيال بشير الجميّل بتفجير عبوات ناسفة في مقر قيادة حزب الكتائب في 14 أيلول 1982، وعلى الفور قالت وكالات الأنباء، عدا إذاعة الكتائب، أن الانفجار عمل قامت به إسرائيل.
وتحرك الجيش الإسرائيلي الذي استقدم قوات جديدة إلى بيروت الغربية، واندفعت تلك القوات إلى قلب المدينة من الشرق والغرب والجنوب، وخلال 24 ساعة، سقطت عاصمة لبنان في أيدي الغزاة الإسرائيليين، وتمكن الجيش الإسرائيلي من تحقيق ما لم يجرؤ على محاولته أثناء وجود القوات السورية في المدينة، وحدثت مذبحة مخيمي صبرا وشاتيلا الفلسطينيين، وذهب ضحيتها مئات القتلى من النساء والشيوخ والأطفال، والمذبحة كانت من تخطيط إسرائيل وتنفيذ الكتائب المدربين تدريباً جيداً في إسرائيل.
وفي إطار متابعة تصعيد موقف إسرائيل في عدوانها على لبنان من جهة، ثم تغطية لإخفاق العدو الصهيوني في وضع حد للعمليات الفدائية اللبنانية خلف الخطوط من جهة أخرى، برزت حقائق عديدة أهمها أن العجز الصهيوني وصل إلى مرحلة الخوف من دفع فاتورة الحساب ثمناً للغزو، ومن معاناة القوات الإسرائيلي في لبنان.
لذلك كان لابد من الإسراع في الأمور للوصول إلى اتفاق مع لبنان يحقق المكاسب السياسية المطلوبة. وتحقق ذلك عندما وافق المجلس النيابي اللبناني في 15/ 6 / 1983 على اتفاقية الإذعان. وعلى ضوء التقويم الموضوعي والشامل الذي فنّد به السيد الرئيس حافظ الأسد بنود هذا الاتفاق ومخاطره الجسيمة على لبنان وسورية والأمة العربية، فإنه يمكن القول إن هذا الاتفاق جعل لبنان امتداداً جغرافياً لإسرائيل وحوّله إلى بلد حليف للكيان الصهيوني، وجاء مكافأة من الامبريالية الأمريكية للمعتدي.
وعلى هذا الأساس رفضت سورية الاتفاق جملة وتفصيلاً وأعلنت موقفها منه بصراحة وأكدت أنه خيانة كبيرة للبنان وللأمة العربية.
لقد واجه الجيش العربي السوري بشجاعة الثقل الأساسي للغزو الصهيوني للبنان وعلى الرغم من أن انتشار القوات السورية قبل الغزو كان لأغراض أمنية، لا دفاعية، فقد أنزلت قواتنا المسلحة بالعدو خسائر كبيرة ومنعته من احتلال البقاع، ثم من السيطرة على طريق دمشق - بيروت.