الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  حرب تشرين التحريرية  معلومات تفصيلية

النتائج العامـة لحرب تشـرين التحريريـة

لقد أحدثت حرب تشرين التحريرية آثاراً ونتائج كبيرة للغاية هزت العالم أجمع، من مغربه إلى مشرقه. وأصبحت نظرة المجتمع الدولي إلى العرب بعد الحرب العربية الإسرائيلية الرابعة، تشرين الأول 1973، تختلف عن نظرته السابقة إليهم، لاسيما تلك التي خلفتها حرب حزيران 1967. وقد عبر عن هذا الواقع الجديد السيد ميشيل جوبير وزير الخارجية الفرنسية، بقوله:«انتهى عصر ألف ليلة وليلة، وعلينا أن نتعامل مع العرب بعد اليوم على أساس جديد».
ربما نكون في حرب تشرين التحريرية قد خسرنا أرضاً هنا، وربحنا أرضاً هناك، إنما، مهما تكن حصيلة هذه الحرب العربية ـ الإسرائيلية من حيث الربح والخسارة الجغرافيتين، فالقضية ليست كما تريد إسرائيل تصويرها للناس، في محاولة يائسة منها لطمس آثار حرب تشرين التحريرية ونتائجها الإيجابية بالنسبة للأمة العربية.
القضية الأساسية في حرب تشرين التحريرية هي أن زمام المبادرة قد انتزع من يد العدو الإسرائيلي ولأول مرة، في تاريخ العرب الحديث. فالقرار التاريخي الذي جسده الرئيسان حافظ الأسد وأنور السادات في يوم العاشر من رمضان يعتبر القرار الأكبر والأخطر شأناً لا في تاريخ العرب المعاصر فحسب وإنما في تاريخ العالم المعاصر أيضاً. فالأمة العربية التي مافتئت تتلقى الضربات منذ مطلع القرن العشرين، وعلى وجه التحديد منذ وعد بلفور 2 تشرين الثاني 1917، وحتى أوائل السبعينيات، تنهض اليوم على قدميها، قدم في مرتفعات الجولان وقدم في شبه جزيرة سيناء، لتوجه لأعدائها الصهاينة ضربتين متزامنتين، واحدة على الخد الأيمن والثانية على الخد الأيسر وتنبه الرأي العام العالمي إلى أن العرب هم أصحاب «البيت» الحقيقيون كما قال السيد جوبير وزير الخارجية الفرنسية:«هل تكون محاولة الإنسان أن يعود إلى بيته اعتداءً غير متوقع» وفي ضوء هذه الحقائق، يمكن تقدير النتائج التي أسفرت عنها حرب تشرين التحريرية على النحو التالي:
تأثيرات الحرب الرابعة على الصعيد العسكري:
1ـ لعل أول ما يتبدى للعيان في حرب تشرين التحريرية هو قيمة الإنسان العربي الحقيقية، ذلك أن اقتحام حصون العدو، هذا الاقتحام البطولي في الجولان، وعبور جنود مصر البواسل قناة السويس، هذا العبور الرائع، برهنا للعالم أجمع على أن الإنسان وحده هو الذي يصنع التاريخ. وأن أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لايقهر هي «كذبة صهيونية كبرى» . ولعل أفضل ما قيل عن ذلك ما ورد على لسان السيد الفريق حافظ الأسد رئيس الجمهورية في مقابلة صحفية لجريدة الأنوار اللبنانية :« إن الأمثلة على شجاعة جنودنا وتضحياتهم لاعد لها ولا حصر. لقد كان الهدف دائماً ومنذ بداية المعركة هو تدمير أسطورة الجيش الذي لايقهر والقوة التي اعتقدوا أنها فوق مستوى الإنسان العربي مناعة وتجهيزاً وكفاءة قتالية. وقد جاءت حرب تشرين التحريرية لتعيد إسرائيل إلى حجمها الطبيعي على الجبهتين المصرية والسورية».
2ـ أثبتت حرب تشرين أن الإنسان العربي يحسن استخدام الأسلحة المتطورة وانتهينا إلى الأبد من عقدة «التكنولوجيا» التي حاولت «إسرائيل» بكل أجهزة الإعلام التي تملكها وتوجهها الصهيونية العالمية، غرسها في النفوس. وانساق مع الأسف وراء هذا التيار نفر من أشباه المثقفين العرب يحاولون فلسفة هزيمة حزيران 1967كقضية «تكنولوجيا» بيننا وبين العدو الإسرائيلي. لقد مزق العرب هذا الوهم باستخدامهم صواريخ (سام 6) أرض ـ جو، وصواريخ (ساجر) م/د، وصواريخ (فروغ) أرض ـ أرض، وصواريخ (كومار) بحر ـ بحر، وطائرات الميغ 21(م) وسوخوي 20، والدبابة ت 62 وعربة القتال المدرعة ب م ب الخ... وكل ما في جعبتنا من أسلحة معقدة ومتطورة بالنسبة لغيرها، وذلك في سنين قليلة وبالنسبة لبعض الأسلحة في عدد من الشهور.
3ـ إن المفاجأة على الصعيد الاستراتيجي، باتخاذ قرار «خوض الحرب» ضد الغزاة الصهاينة الذين يدنسون ترابنا الوطني باحتلالهم البغيض، هي التي زعزعت المؤسسة العسكرية الصهيونية.
4ـ أما بالنسبة لاقتحام الجولان فإن أبلغ صورة تلك التي قدمها السيد الفريق حافظ الأسد رئيس الجمهورية عندما قال:«تصور جبهة جبلية عرضها سبعون كيلو متراً وعمقها أقل من ذلك بكثير، يحتشد فيها ألفان وخمسمائة دبابة وألوف المدافع وعشرات الألوف من الجنود المجهزين بأحدث الأسلحة وأشدها فتكاً، ابتداءً بالبندقية والرشاش، ومروراً بالقنابل المحرقة والمدمرة، وباصقات اللهب، وانتهاءً بالإضافة إلى مئات الطائرات القاذفة والمقاتلة وطائرات الهيلوكبتر التي كان لها الدور البارز في المعركة. تصور قتالاً شرساً يدور في هذه الجبهة الضيقة ويستمر نهاراً وليلاً طوال أيام، وقد التحم فيه البشر كما التحمت الدروع وسط بركان يتفجر بكل أنواع الحمم، وتتساقط عليه حمم الطائرات، وهي أيضاً من كل نوع، فلا يبقى شبر من الأرض بلا نار وحطام وضحايا، ولافسحة من الفضاء، لاتغطيها طائرة مغيرة أو مجموعة قنابل في طريقها إلى الانفجار. ثم ينكشف ذلك كله عن أرض غُطيت كلها بالحديد والدم. هذه هي معركة الجولان التي خاضها جيش سورية وسجل فيها أروع ما في تاريخ الحروب، قديمها وحديثها من بطولات وتضحيات. لانتعدى الواقع إذا قلنا أنها أشبه بالأساطير».
5ـ أما القوى الجوية والدفاع الجوي فقد أظهرا بطولة خارقة ومهارة عالية في حرب تشرين التحريرية، في قيادة الطائرات واستخدامها استخداماً فعالاً في أثناء الاشتباكات الجوية، وبرهن رجال الدفاع الجوي على قدرتهم العالية في استخدام أكثر المعدات القتالية تعقيداً.
6ـ كان للبحرية السورية دور مشرف في حرب تشرين بين العرب واسرائيل، ولايمكن أن يتصور أي إنسان بطولة هؤلاء الرجال إلا عندما يقوم بمقارنة بسيطة بين قواتنا البحرية وقوات العدو البحرية. عند ذلك فقط يقدر المعجزات التي اجترحها رجالنا البحارة والبطولات الفذّة التي فجروها، محبطين كل محاولات العدو للإنزال البحري، ومغرقين أكبر قطعه البحرية، وهم يقاتلون كفريق واحد، سواء بالنسبة لزوارق الصواريخ أو لزوارق الطوربيد أو للمدفعية الساحلية. حتى أن الدبابات المكلفة بحراسة الساحل، ساهمت هي أيضاً بالرمي على الأهداف البحرية المعادية.
7ـ لقد قام الإمداد السوفييتي للقوات المقاتلة على الجبهتين السورية والمصرية بدور هام في تعويض الخسائر وبالتالي في إعادة الجاهزية القتالية لقواتنا المسلحة، بصنوفها المختلفة، إلى ماكانت عليه عشية حرب تشرين التحريرية.
8ـ كان لدخول القوات العربية معركة تشرين التحريرية (المغرب، العراق، الأردن، السعودية، الكويت)، ولو كان ذلك بقوات رمزية، أثر بارز في رفع الروح المعنوية لدى قواتنا المسلحة وشعورهم أنهم يقاتلون وزخم الأمة العربية كلها من ورائهم.
9ـ أخيراً إن أهم نتائج حرب تشرين التحريرية على الصعيد العسكري هي أننا أرسينا قاعدة راسخة تصلح لأن تكون قاعدة للانطلاق إلى ما هو أفضل. وذلك أن الصراع مع العدو الصهيوني لايمكن أن ينتهي وثمة أرض عربية مازال يحتلها، ولهذا فإن ميزان الصراع العربي الإسرائيلي قد سجل ميلاً أكيداً إلى الحق العربي اعتباراً من 6 / 10 / 1973. وإن الزمن أصبح لصالح الأمة العربية وهي السابعة في عدد السكان في العالم، والثانية من حيث مساحة الجغرافيا، والأولى في طاقاتها المادية. ولن تعود أمتنا القهقري ما دام هناك رجال يحاربون دفاعاً عن الشرف ودفاعاً عن الكرامة ودفاعاً عن الأرض ودفاعاً عن كل القيم الإنسانية النبيلة.
تأثيرات حرب تشرين على الصعيد «الإسرائيلي»:
1ـ عاشت «إسرائيل» خلال السنوات الست الماضية 1967 ـ 1973، كقوة مسيطرة على المنطقة، يتدفق عليها سيل من المهاجرين يستوطنون مناطق جديدة واسعة، واعتقدت من الاختبارات التي أجرتها، بقصف المدن والقرى العربية في سورية ومصر ولبنان والأردن، أن ليس هناك قوة تردعها «وأن حدود إسرائيل ستبقى مجمدة خلال الأعوام العشرة المقبلة ولن تنشب حرب» كما قال دايان. «وإن العرب لن يستطيعوا أن يحرروا بوصة واحدة» كما قال آلون. وأطمأنت، بالتجربة، إلى عدم فعالية الضغط الدولي، وفي آن واحد، إلى قدرتها على تجاوزه بعد عملياتها العداونية، مثل الإغارة على مطار بيروت، وإسقاط الطائرة الليبية المدنية، واغتيال بعض قادة المقاومة في بيروت، وعملية أيلول 1972في جنوب لبنان، وقصف المخيمات والقرى في سورية ولبنان والأردن. كما وثقت بإمكاناتها في الضغط على الدول الكبيرة بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية وذلك بدفع الاتحاد السوفييتي إلى السماح بالهجرة اليهودية إلى «إسرائيل».
واعتقدت إسرائيل ـ مدفوعة بغرورها ـ أن الوقت قد حان لتدخل في عداد «الدول الكبرى» فبدأت تخطط للاكتفاء الذاتي من ناحية الإنتاج الحربي. وجمح بها الخيال أشواطاً أبعد، حينما بدأت تقدم «المعونة الفنية» للعديد من الدول النامية، ولاسيما الإفريقية، متجاهلة أنها هي ذاتها تعيش على المساعدات والتبرعات والتعويضات الأجنبية. وبدأت هذه المعطيات والدعاية الإسرائيلية التي ضخمتها، تتحكم في تصرفات الحكام والأفراد «الإسرائيليين». فتصوروا أنهم تجاوزوا المنطق القائل بأن هناك إرادتين تتصارعان في المنطقة العربية، إلى منطق الإرادة الواحدة، إرادة إسرائيل التي تفرض ما تشاء، وليس أمام خصمها إلا أن يذعن لإرادتها، أو أن يرضى بالهزيمة نصيباً ومصيراً.
في ظل هذه الأفكار التي سيطرت على عقلية السلطات الإسرائيلية وتصرفاتها واطمئنان المؤسسة العسكرية إلى عدم تجرؤ الجيوش العربية على مهاجمة إسرائيل، نشبت حرب تشرين التحريرية، فكانت المفاجأة الكبرى لإسرائيل» حين حطم الجيش السوري والمصري هذا الاعتقاد الخاطئ في قيامهما بتنفيذ العملية الهجومية «بدر»، في وقت واحد وبتخطيط واحد وبتعاون كامل.
2ـ بعد توقف إطلاق النار في حرب تشرين التحريرية،حاولت «إسرائيل» الصهيونية، بكل ما استطاعت إليه سبيلاً، طمس نتائج تشرين التحريرية بتقويم نتائج الحرب على أساس عدد الكيلو مترات من الأرض التي حاز عليها كل طرف من الأطراف المتصارعة وفي ضوئها، وعلى أساس الخسائر البشرية والمادية التي مُني بها كل جانب. والحقيقة هي أن محاولتها هذه تستهدف إخفاء بُعد الهزيمة وفداحة السقطة «الإسرائيلية» التي هي انهيار كامل لكل ما اعتقدت إسرائيل أنها وصلت إليه، وخطأ شامل في العديد من النظريات العسكرية التي بنت عليها «إسرائيل» استراتيجيتها.
3ـ لقد أدى الانتصار السريع الذي حققه «الجيش» الإسرائيلي في حرب حزيران 1967 إلى جمود الفكر العسكري «الإسرائيلي» وضاع، في خضم الإعلام والدعاية والمنافسة السياسية التقويم الدقيق لقوة الأمة العربية.وتجاوز الحدود في تقدير قوته. وكانت المؤسسة العسكرية «الإسرائيلية» قد بنت مذهبها العسكري على أساس استراتيجية الحرب الخاطفة، وتأسيساًعلى ذلك، أولت عناية خاصة لسلاح الطيران والمدرعات والقوى المنقولة جواً لكي تتمكن من حشد القوات على الاتجاه المناسب لتوجه ضربة قوية تقصر أمد القتال أو تحسم الموقف.
وفي حرب تشرين التحريرية، لم تتمكن «إسرائيل» من تطبيق استراتيجيتها، وذلك لأن الجيوش العربية أمسكت بزمام المبادرة، وانحسرت فعالية سلاح الطيران الإسرائيلي بسبب الدفاع الجوي الصاروخي وبطولة الطيار العربي،ولم تنجح دعوة الاحتياطي طبقاً للخطة المرسومة، ويبدو أن القيادة العسكرية «الإسرائيلية» لم تخطط لمواجهة حرب طويلة الأمد.
4ـ لقد أظهرت حرب تشرين التحريرية «إسرائيل» بحجمها الصحيح، وبأنها دولة غير قادرة على الاستمرار في المنطقة العربية دون دعم الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى سبيل المثال، كان من المفترض أن تقدم الصناعة العسكرية «الإسرائيلية» معظم ما يحتاجه الجيش «الإسرائيلي» في الحرب. ولكن ما أن مضى أسبوع واحد على القتال حتى بدا واضحاً للعيان أن «إسرائيل» تقف على شفا الهاوية، وأن صناعتها الحربية لايمكن أن تلبي متطلبات الحروب المعاصرة، بل لايمكن أن تسد جزءاً من الخسائر التي مُنيت بها في الأيام الأولى من الحرب، ولهذا فقد عرفت «إسرائيل» حجمها الصحيح، وأنها لن تتمكن في المستقبل المنظور من الاعتماد على نفسها.
5ـ لقد كانت الخسائر التي حاقت «بإسرائيل» أضخم من قدرتها، كبلد صغير، على تحملها، لاسيما وهي قد تعودت في السابق، على خوض الحروب السهلة السريعة التي طالما كانت توصف «بالنزهات العسكرية». ولعل أفضل ما يدل على ذلك تصريح لمدير شعبة القوى البشرية في رئاسة أركان الجيش «الإسرائيلي» (هيرتزل شافيز)، يستخلص منه أن إسرائيل لم تكن مهيأة عملياً ولا نفسياً لمواجهة مثل هذه الخسائر البشرية فلقد كانت المرة الأولى، منذ حرب 1948، التي يؤسر أو يقتل أو يُفقد لها فيها مثل هذا العدد من الجنود.
ولم يقتصر تأثير حرب تشرين التحريرية المباشر على ذلك، بل امتد إلى الميزان التجاري «الإسرائيلي» حيث بلغ العجز خلال شهر كانون الثاني 1974 (142) مليون دولار، ويأتي هذا العجز ظاهرة، تؤكد استمرار الأزمات التي تعاني منها «إسرائيل» منذ حرب تشرين على مختلف الأصعدة.
6ـ أما المعضلة «الإسرائيلية» الكبرى التي بلورتها حرب تشرين من النواحي الاستراتيجية والنفسية والعسكرية والاقتصادية، فهي على وجه التحديد تقلصها، من مشروع «الإمبراطورية» الخيالي غير المتلائم مع روح القرن العشرين، إلى حجم «الدويلة» المعزولة التي ترفضها المنطقة المحيطة بها كما يكاد يرفضها العالم بأسره.
ولقد كان تنكر حكام تل أبيب لكل المقررات الصادرة عن مجلس الأمن والتي أدانت تهويد القدس وتبديل وضع المناطق المحتلة، وإنكارهم وجود الشعب الفلسطيني إنكاراً تاماً، ورفضهم المستمر جميع المساعي الرامية إلى إيجاد حل عادل ودائم في المنطقة، هذه المواقف جميعاً هي التي أدت إلى إسباغ هذا الطابع على «إسرائيل» كما أدت، بالتالي، إلى كشف طبيعة النظام والعقلية والتركيب النفسي، في الكيان الصهيوني.
7ـ لاشك في أن حرب تشرين التحريرية قد هزت كل المخططات الصهيونية وقلبت حسابات مؤسستها العسكرية. ولكن من السذاجة أن نعتقد أن «إسرائيل» سترضخ للوضع الراهن وإنها لن تعيد تنظيم صفوفها، فالقيادة «الإسرائيلية» تبحث عن وسائل وأساليب جديدة لسد الثغرات التي أحدثتها حرب تشرين التحريرية.
وكما اعتبر العرب حرب حزيران 1967 هزيمة في معركة، لذا ينبغي ألا نستبعد اعتبار «إسرائيل» لمأزقها الحالي مجرد هزيمة في معركة، ما عليها إلا أن تستعد لمحو آثارها، مادام جوهر المذهب العسكري الإسرائيلي قد بُني، أساساً، على القوة والعدوان وفرض الإرادة ومد السيطرة. ومن هنا تقع على عاتق الأمة العربية مسؤولية الاستعداد الدائم واليقظة الدائمة، لأنها مهددة بالفناء، إذا لم تجابه التحديات الصهيونية المصيرية القادمة بأساليب تتناسب وحجم الخطر الإسرائيلي الذي مايزال قائماً.
تأثيرات حرب تشرين على الصعيد الفلسطيني:
كان لمعارك تشرين تأثير إيجابي محسوس على مجمل نضال شعب فلسطين داخل الأراضي المحتلة. فقد شهدت الأرض المحتلة انتفاضات عارمة في النضال الوطني ضد الغزاة المحتلين.
وعلى الرغم من أن هذا النضال قد اتسم بالشجاعة والعناد والتشبث دائماً، إلا أنه بعد حرب تشرين، امتاز، في الواقع، باتساع نطاق النضال الجماهيري بمختلف أشكاله، ومن خلال تنظيماته العلنية والسرية. وعاد العربي في الأرض المحتلة ينظر إلى الاحتلال الإسرائيلي نظرته إلى سلطة زائلة بعد أن كان قد تجاوز مرحلة اليأس التي طالما نظر فيها إلى الاحتلال وكأنه أصبح سلطة شبه دائمة ومستقرة. ولقد أدى الوضع الجديد إلى رفع الروح المعنوية لدى عرب الأرض المحتلة، وفي داخل «إسرائيل» نفسها، بينما ظهر في آن واحد أن اشتداد التيار المعادي للصهيونية بين صفوف عرب الأرض المحتلة، قد بدأ يضع العناصر العربية القليلة المتعاونة مع السلطة الإسرائيلية في وضع حرج أصبح يحد من نشاطها وفعاليتها.
وقد أجمعت وكالات الأنباء العالمية على أن الأرض المحتلة شهدت منذ حرب تشرين اتساع النضال السياسي والمسلح بأشكالهما كافة. والواقع أن حركة التحرر الوطني العربية كلها دخلت مع حرب تشرين في وضع جديد ومرحلة جديدة، فلقد اتضح، من الناحية العسكرية أن المقاتل العربي أثبت قدرته على القتال، وكفاءته في استخدام السلاح، وحطم أسطورة الجيش «الإسرائيلي» الذي لايقهر. وكان طبيعياً أن يتضح من ثم، من الناحية السياسية، أن الحرب بلورت القضيتين الأساسيتين، كشرطين أساسيين للحل، وهما تصفية آثار العدوان لعام 1967 بالانسحاب من الأراضي المحتلة، وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره على أرضه. ولقد أصبح التركيز بعد حرب تشرين على ضرورة الوحدة داخل حركة المقاومة الفلسطينية.
وإن أوضح ما يميز المرحلة الجديدة الناجمة عن الحرب، أو على الأقل ما يجب أن يميزها، ليس هو ما أتاحته الظروف الجديدة من الإمكانات لحل بعض المهمات الأساسية فحسب، وإنما تشديد النضال، بأشكاله المختلفة، وعلى جبهاته المتعددة، وبمنتهى الحرص على الوحدة والتماسك بين جميع فصائل حركة التحرر الوطني العربي، ولاسيما فصائل حركة المقاومة الفلسطينية، من أجل إيجاد الحل الناجع لهذه المهمات وتطبيقه. ولقد أصبحت المسائل الهامة الراهنة تتطلب من جميع فصائل المقاومة الفلسطينية معالجتها بما هو في غاية الجدية والشعور بالمسؤولية وبالطريقة الديمقراطية الواسعة، مع بذل الجهود كافة في سبيل الحفاظ على تماسكها ووحدتها، وتعزيز أواصر هذه الوحدة. وإنها لتتطلب من القوى الوطنية والتقدمية في العالم العربي كله أيضاً تعزيز وتلاقي كل ما يؤدي إلى التفسخ والانقسام، كما تتطلب من هذه القوى المبادرة إلى تقديم الدعم الشامل للحركة الوطنية والفلسطينية والأخذ بيدها في مواجهة القضايا الملحة المطروحة عليها في المرحلة الحالية. ويجدر بنا هنا التأكيد أن ذلك،إنما يمليه على كل هذه القوى تعقد الظروف والملابسات في المجالات العربية والدولية. فالصهيونية العالمية و«إسرائيل» لن تلقيا السلاح بسهولة بل ستتابعان، بكل ما لديهما من قوى وإمكانات، التآمر على حركة التحرر الوطني العربية والفلسطينية، وهذا ليس ابتغاء سلبها المكتسبات التي حققتها حركة التحرر العربية والفلسطينية في حرب تشرين والسنوات القلائل التي سبقتها فحسب، بل لإرجاعها أيضاً سنوات إلى الوراء.

تأثيرات حرب تشرين على الصعيد العربي:
1ـ لقد أحدثت حرب تشرين التحريرية هزة عميقة في الوجدان العربي وعاد الذين كفروا بأمتهم العربية في أعقاب حرب حزيران 1967 إلى جادة الإيمان، وأيقنوا أن هذه الأمة مازالت قادرة على العطاء، وأن أمة أنجبت الرسول العربي (ص) لايمكن إلا أن تظل مرفوعة الرأس شامخة الجبين.
2ـ ولعل أهم النتائج التي حققتها حرب تشرين التحريرية، هي تحرير الإرادة العربية وتخليص الشعب العربي من شوائب الضعف واليأس التي علقت به بعد حرب حزيران 1967.
نعم «لقد حررت الحرب» ـ كما قال الرئيس حافظ الأسد ـ «نفس الإنسان العربي من بذور الشك والريبة وسموم القلق والخوف، وأعادت إليه ثقته بنفسه واعتزازه بشخصه وأمته وارتباطه بأمسه ويومه وغده، وحلت عقدة الذنب والشعور بمرارة الهزيمة والتقصير، وأحيت في أعماقه الأمل والرجاء، وبعثت فيه القوة والجرأة، والقدرة على الصمود والتحدي والفعل».
3ـ ومن نتائج حرب تشرين على الصعيد العربي الواسع أنها حررت الأجيال العربية من عقدة التكنولوجيا الحديثة. بعد أن ثبت أن بإمكان الجيوش العربية أن تستخدم الأسلحة الحديثة والمعقدة بمهارة ونجاح، وأن تستوعب أسرارها وتحيط بالتقنية العسكرية التي كان العدو الإسرائيلي يدعي احتكارها.
4ـ لقد كان من مكاسب معركة تشرين استعمال العرب النفط سلاحاً فعالاً في المعركة. وكان للتدابير التي اتخذتها الأقطار العربية المصدرة للنفط دور بارز في دفع المجتمع الدولي للتحرك باتجاه تنفيذ الحل العادل للنزاع العربي - الإسرائيلي. لقد كشفت حرب تشرين النقاب عن أن ثمة إمكانات واسعة، على العرب أن يولوها اهتمامهم، على صعيد الثروات الطبيعية الضخمة، وعلى رأسها الثروة النفطية التي تملكها الأقطار العربية.
أجل لقد برزت في ميدان المعركة حقيقة ناصعة هي أن العرب أمة واحدة، من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، وأن امتزاج دماء الأبطال الذين هرعوا من معظم الأقطار العربية، سواء القريبة من مسرح الأعمال القتالية أو البعيدة، للمشاركة في القتال إلى جانب أبناء سورية ومصر إنما هو الدليل القاطع على أصالة هذه الأمة وإصرارها على التمسك بوحدتها في ساعة الخطر.
تأثيرات حرب تشرين على الصعيد الدولي:
1ـ كان لحرب تشرين التحريرية دور بارز على الصعيد الدولي، ترك آثاراً واضحة، وأحدث تغييرات أساسية في مواقف الكثير من دول العالم. ومن أهم نتائج حرب تشرين أن العالم أصبح ينظر بغير العين التي كان ينظر بها للعرب بعد حرب حزيران 1967. ذلك أن المجتمع الدولي لايمكن أن يتحسس بقضية نام أصحابها لايحركون ساكناً. لذلك عندما هبّ العرب في السادس من تشرين 1973 لتحرير أرضهم استفاق المجتمع الدولي الذي شعر بتقصيره حيال الأمة العربية بعد حرب حزيران 1967. ولذلك أيضاً بدأت الدولتان الكبريان العمل الحثيث من أجل وضع الحل العادل للنزاع العربي الإسرائيلي موضع التنفيذ.
2ـ كان الاتحاد السوفييتي أكثر الدول العظمى ابتهاجاً بنتائج حرب تشرين، فقد قاتل العرب بأسلحته المتنوعة وأحرزوا نتائج عظيمة جداً، وقد أسقطت صواريخ سام 6 الطائرات الإسرائيلية من السماء العربية. كما أثبتت معارك الدبابات على الجبهتين السورية والمصرية تفوق الدبابة ت 62 وت 55 السوفيتية الصنع، على الدبابات الأمريكية «باتون» م 60 و م48 والدبابات الانكليزية من طراز«سنتوريون»، كما استعادت الميغ 21 سمعتها كطائرة قتال اعتراضية معاصرة. كما أثبتت عربة القتال المدرعة ب م ب المجهزة بمدفع وصاروخ (ساغر) أنها أفضل عربة قتالية في العالم لا ريب في أن هذه النتائج سيكون لها صداها وانعكاساتها في أوروبا الغربية، لاسيما في حلف شمالي الأطلنطي.
3ـ أحدثت الحرب الرابعة بين العرب وإسرائيل تأثيرات جمة في الساحة الأوربية، وذلك لقرب أوروبا من الشرق الأوسط ولاعتمادها اعتماداً رئيسياً على البترول العربي.كما أن بروز أهمية العتاد الحربي السوفييتي في حرب تشرين، لاسيما الصواريخ المضادة للطائرات والدبابات، فتح عيون الأوربيين على حقائق جديدة وهي أن عليهم الاعتماد على أنفسهم في الدفاع عن بلادهم، لأن حلف شمالي الأطلنطي غير قادر على الصمود طويلاً أمام حلف وارسو، لأن الولايات المتحدة غير قادرة عملياً على أن تزج بقواتها في مسرح عمليات أوروبا إلا بوجود هذه القوات مسبقاً هناك.
تأثيرات حرب تشرين على صعيد «فن الحرب»:
1ـ أحدثت حرب تشرين التحريرية انعطافاً هاماً على صعيد «فن الحرب»، ذلك أن الطرفين المتصارعين استخدما ما يكاد يكون أحدث مبتكرات الدولتين الكبيرتين (الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة) من وسائط الصراع المسلح باستثناء الأسلحة النووية، ولذلك كان مسرح الأعمال القتالية في منطقة الشرق الأوسط مختبراً حقيقياً لترسانتي الأسلحة، الأمريكية والسوفيتية.
2ـ إن المعارك العديدة التي دارت على جبهتي الجولان وقناة السويس تكوّن في حد ذاتها انعطافاً حاسماً: لا على مسرح عمليات الشرق الأوسط فحسب، وإنما كدروس تعطى على المستويين التكتيكي والعملياتي، وستدرس معارك تشرين التحريرية في المعاهد والأكاديميات العسكرية لفترة طويلة.
3ـ لم يعد لسلاح الطيران، على أهميته، القول الفصل في الحروب المقبلة، وأصبح الدفاع الجوي الذي يعتمد على شبكة كثيفة من الصواريخ الموجهة قادراً على التصدي لطيران العدو ومنعه من تحقيق مهمته وتدميره إذا أصرّ على التنفيذ. كذلك دلت حرب تشرين على أن لوقاية الطائرات في الملاجئ دوراً بارزاً في حماية سلاح الطيران من أية مفاجأة غير محسوبة.
4ـ تميزت حرب تشرين بالبروز الهائل لدور الصواريخ المضادة للدبابات والموجهة الكترونياً، وقد أحدثت هذه الصواريخ في الطرفين المتصارعين إصابات بليغة في الدبابات والعتاد المدرع.
5ـ لقد شهدت حرب تشرين لاسيما في مرتفعات الجولان أكبر معارك الدبابات في العالم، ولم يحدث في التاريخ أن هوجم الدفاع المعادي بـ 770 دبابة، تزج في آن واحد ومن طرف واحد، وأن يقابل هذا الحشد من الدبابات عدد مساو له أو أقل بقليل من الدبابات «الإسرائيلية»، وأن تستمر تغذية المعركة بالدبابات، حتى بلغ عدد مازجه الطرفان منها أكثر من ألفي دبابة.
6ـ كادت الحرب العالمية الثانية والحروب التي تلتها أن تضع نهاية حزينة لسلاح المشاة. حتى أن الكثيرين من الكتاب العسكريين باتوا يتندرون بهذا السلاح الذي أصبح في نظرهم أثراً من تراث الماضي. ولكن حرب تشرين التحريرية أعطت جندي المشاة دوره الفعال في المعركة الهجومية والدفاعية وهذا دليل آخر على أن الإنسان هو العامل الحاسم في المعركة.
7ـ أثبتت حرب تشرين التحريرية أيضاً أهمية الاحتياطات التي تملكها القيادة العامة وجاهزيتها للحركة المحمية على أكثر الاتجاهات أهمية، وأن لها دوراً هاماً في تقرير نتيجة المعركة وحسمها.