الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  حرب تشرين التحريرية  معلومات تفصيلية

حرب الاستنزاف

في صباح يوم 7/3/1974 اتصل الرئيس الأسد بالعماد مصطفى طلاس وقال له: «عليك أن تبدأ منذ صباح غد بشن حرب استنزاف ضد العدو الإسرائيلي الذي يدنس ترابنا الوطني باحتلاله البغيض، فلو قتلت في كل يوم جندياً إسرائيلياً واحداً أو دمرت دبابة إسرائيلية واحدة أو أي هدف عسكري آخر، أو حررت متراً واحداً من الأرض فنحن المنتصرون على المدى الطويل».
فقال العماد مصطفى لسيادة الرئيس: «سوف أُنفذ هذا الأمر بكل تأكيد، ولكن واجب الأمانة يقتضي أن أُعلمك بأن القيادة العليا للقوات المسلحة هي ضد هذا الموضوع..» فأجاب الرئيس: «أنا أعرف ذلك»، وعندما أخبره العماد طلاس بأن الإخوان في مصر والذين خاضوا معنا حرب تشرين المجيدة قد وقعوا على اتفاق فصل القوات الثاني بتاريخ 18 كانون الثاني 1974 وسوف يصبح ساري المفعول بعد واحد وخمسين يوماً فقال: «أعرف هذا بالطبع ومع ذلك عليك أن تشن حرب الاستنزاف».
استدعى العماد طلاس اللواء «عبد الرزاق الدردري» رئيس شعبة العمليات وأعطاه توجيهاً عملياتياً بأن يدمر للعدو الإسرائيلي موقعاً في القطاع الجنوبي من الجبهة ولا بأس أيضاً من ضرب الدوريات المعادية التي تسير على الحد الأمامي في ذلك القطاع.
وبينما كانت الأعمال القتالية المحدودة تدور في القطاع الجنوبي من الجبهة، استدعى العماد طلاس اللواء «دردري» إلى مكتبه وطلب إليه أن يتحرش بقوات العدو في القطاع الشمالي من الجبهة. وعندما استدعاه في اليوم الثالث وطلب إليه أن يتابع التوجيه نفسه في القطاع الأوسط. كان رده: «معنى ذلك أننا نقوم بحرب استنزاف؟» فأجابه العماد: «نعم»..
كانت الاشتباكات تبدأ في المكان المحدد من قبل شعبة العمليات، ولكن كانت العدوى تنتقل إلى بقية القطاعات فتشتعل الجبهة من جبل الشيخ إلى وادي اليرموك. وعلى الرغم من التضحيات التي كان يقدمها رجالنا الشجعان فقد كانت المحصلة النهائية لجانبنا. ذلك أن التفوق العددي لصالحنا ومقابل كل إسرائيلي واحد في فلسطين المحتلة يوجد أكثر من ثلاثة سوريين، ومن هذا المنطلق إذا استشهد من عندنا ثلاثة وقُتل إسرائيلي واحد فنحن الغالبون، واستمرت المعارك والاشتباكات بيننا وبين العدو الإسرائيلي اثنين وثمانين يوماً تمكنا بعدها من تقليص مساحة الجيب المحتل إلى حوالي مائة كم مربع وكان قبل ذلك أكبر بعدة مرات(7).
دور سلاح المدفعية في حرب الاستنزاف:
لعب سلاح المدفعية دوراً أساسياً في حرب الاستنزاف ذلك أن التأثير الناري على الأهداف المعادية يبقى له الفضل الأول في تدمير قوى العدو الحيّة ووسائط قتاله الثابتة والمتحركة، ولعل أهم عملية قام بها سلاح المدفعية والصواريخ هي عملية 27 نيسان 1974.
في الساعة السادسة من مساء يوم 27 / 4 / 1974 هتف العماد مصطفى إلى اللواء «رفيق قواص» قائد سلاح المدفعية والصواريخ وطلب إليه أن يُنفذ رشقة نارية على مرصد جبل الشيخ الذي يحتله العدو الإسرائيلي بوساطة الصواريخ أرض - أرض وأن تكون الضربة موجعة.
وبعد دقائق سُمعت أصوات القذائف الصاروخية وهي تنهمر على المرصد، وهتف مدير إدارة الاستطلاع بأن فرع التنصت اللاسلكي على مكالمات العدو أعلمه أن خسائر الإسرائيليين كبيرة في المرصد، فقد تصادف توقيت الرشقة مع تبديل عناصر المرصد وتم تدمير طائرة «هيلوكبتر» وعلى متنها 28 ضابطاً وجندياً كما قُتل وجُرح آخرون كانوا قريبين من مكان الانفجار، وبسبب هذا النجاح الكبير أطلقنا على يوم السابع والعشرين من نيسان (عيد المدفعية) الذي نحتفل به في كل عام.
ومما يبرهن على عنف المعارك في المبارزة بالنيران بين القوات السورية وبين العدو الإسرائيلي، هو أن السوريين استهلكوا في شهر نيسان من العام 1974 إحدى وأربعين ألفاً وأربع وستين طلقة مدفعية وصاروخ م/د و هاون، أي أن معدل الاستهلاك اليومي 1368 طلقة وهي نسبة كبيرة جداً.
تقرير رئيس شعبة العمليات عن الأعمال القتالية للقوات المسلحة خلال شهر آذار من عام 1974:
تطورت الاشتباكات مع العدو، خلال شهر آذار من عام 1974 من منع التجهيز الهندسي للعدو إلى منع الاستطلاعات والزيارات التي كان يقوم بها إلى الحد الأمامي إلى منع تحركاته مهما كان نوعها، وأخيراً إلى ضربه أينما وجد ثم إلى ضرب تجمعاته ومواقع قواته ومنشآته في العمق ثم إلى حرب استنزاف متواصلة وغير معلنة.
• يلاقي العدو مصاعب كبيرة وخطيرة من تواجده في الجيب المحتل: فهو من جهة مضطر لحشد كمية كبيرة من القوى والوسائط، ومن جهة أخرى يتعرض فيه للنيران المركزة والمتواصلة تقريباً، ثم إن مواقع قواته وأسلحته مكشوفة ومعرضة لأكثر من سلاح ومن أكثر من اتجاه.
• تفتقر المجابهة للفرقة الخامسة مشاة للمعلومات عن العدو بسبب طبيعة الأرض من جهة، وبالتجاء العدو إلى مواقع مجهزة ومحصنة سابقاً، من جهة أخرى، إضافة إلى المصاعب المتعددة للمراقبة الأرضية وعدم إمكانية الرصد المدفعي نظراً لوجود سلسلة المرتفعات التي تحجب عمق دفاع العدو، والتي تأتي بعد نقاط استناد الحد الأمامي مباشرة.
• ألحقت القوات السورية بالعدو خسائر مادية وبشرية متعددة ولم يتمكن من تنفيذ التجهيز الهندسي الذي يُعتبر ضرورة هامة له، كما أن القصف المدفعي المستمر لأرتال العدو قيد تحركاته ومنعه من المناورة وهذا ما أجبره على حشد كمية أكبر من القوى والوسائط لتعزيز نقاط استناده التي أصبحت تتطلب منه الاكتفاء الذاتي.
• استخدمت القوات السورية خلال هذا الشهر ولأول مرة رمي التركيز بالدبابات، حيث حقق نتائج جيدة، كما أن تعدد الاشتباكات بالمدفعية وكثافتها أكسبت عناصر المدفعية وقيادتها مهارات خاصة في سرعة التدخل وفتح النيران وإحكامها حتى عند تعرضها للقصف المعادي.
• ألحقت القوات السورية بالعدو تأثيرات نفسية ومعنوي كبيرة ومتعددة وأجبرته على الالتجاء بشكل مستمر كما أخضعته لمبادأة القوات السورية وأربكته ووضعته في حالة استعداد وتأهب دائمين.
• أذكت الاشتباكات الروح القتالية والتعرضية لدى القوات السورية وأضعفت روح العدو المعنوية.
• أكسبت الأعمال القتالية للقوى والتشكيلات خبرات ثمينة في فن إنهاك العدو من خلال الاشتباكات مع السيطرة على النيران.
• لم تنجح الإغارات التي نفذتها القوات السورية لأنها لم تقتحم أهدافها بالإضافة إلى أن العدو على الحد الأمامي كان دائماً في أعلى درجات الاستعداد مما أفقد هذه الأعمال عامل المفاجأة.
• كانت خسائر القوات السورية طفيفة بسبب إتقانها لاستخدام الأرض.

تقرير رئيس شعبة العمليات عن الأعمال القتالية للقوات السورية خلال شهر نيسان 1974:
تطورت الأعمال القتالية بين القوات السورية وقوات العدو خلال شعر نيسان من عام 1974 وفق خط بياني متصاعد، وخاضت هذه القوات أعمالاً قتالية أساسها القصف المدفعي بفصائل وسرايا المدفعية واستثنائياً بكتائب المدفعية، وتمكنت القوات خلال هذا الشهر من إنهاك العدو وتقييد تحركاته ومنعه كلياً من التجهيز الهندسي، بالإضافة إلى إلحاق خسائر متعددة بقواته.

  • مع بداية شهر نيسان نشب الصراع الواسع بين القوات السورية وقوات العدو من أجل السيطرة على شارة حرمون 2814، ففي يوم 1 / 4 /1974 قصفت مدفعيتنا حوامة للعدو حطت في الشارة ودفعت القيادة السورية دورية للشارة فوجدتها غير محتلة.
  • خططت القيادة اتجاهاً عملياتياً للعمل باتجاه الشارة وخصصت كتيبة مغاوير تتحشد في قلعة جندل بالإضافة إلى كتيبة مظليين موجودة بعرنة وعززتها بوسائط الدفاع م/ط والوسائط الأخرى، كما أمنت لها رواحل للنقل والإمداد، واستنفرت القيادة جهود إدارة المهندسين لفتح طريق إلى الشارة ليسهل بعدها التعزيز بالأسلحة الثقيلة، بالإضافة إلى تمديد خط رباعي للاتصال الهاتفي، ولكن سوء الأحوال الجوية أعاق كثيراً تنفيذ هذه الأعمال.
  • وفي يوم 6 / 4 / 1974 احتلت «سرية مغاوير» من الوحدات الخاصة شارة الحرمون في ظروف جوية سيئة للغاية، وفي يوم 7 / 4 / 1974 احتل العدو الشارة في الوقت الذي كانت فيه قوات الوحدات الخاصة خارج الشارة وفي منطقة عرنة بسبب صعوبة الحياة في الشارة، وبتاريخ 11 / 4 / 1974 وصلت دورية من الوحدات الخاصة شارة الحرمون واحتلتها، وبتاريخ 12 / 4/ 1974 احتلت «سرية مغاوير» من الوحدات الخاصة بقوام 39 عنصراً الشارة، وبتاريخ 14 / 4 / 1974 تمكنت قوات العدو من مهاجمة الإشارة منطلقة من الأراضي اللبنانية واحتلتها، وبعد ذلك التاريخ استمرت المدفعية السورية بتنفيذ رمايات الإزعاج والتأثير والقصف المساحي على شارة الحرمون والسفوح المقابلة ومواقع العقبات ملحقة بالعدو خسائر كبيرة زاد من تأثيرها مراصدنا التي فتحت في الأراضي اللبنانية ومنعت العدو من التجهيز الهندسي للشارة.
  • استخدم العدو هذا الشهر قواته الجوية ضد القوات السورية في جبل الشيخ وذلك اعتباراً من تاريخ 13 / 4 / 1974 مستفيداً من الميزات التي تحققها له سلسلة جبل الشيخ والأراضي اللبنانية، ولم تحقق قواذف الصواريخ م/ط (ستريلا) نتائج إيجابية فعالة نظراً للارتفاع العالي الذي يقصف منه طيران العدو ولضعف تدريب الطواقم على هذا السلاح.
  • اعتباراً من أول ضوء من يوم 21 / 4 / 1974 تسلم «اللواء 68 مش» ومعه «كتيبة مغاوير» + وسائط تعزيز مختلفة ، مهمة الدفاع عن مواقعنا في جبل الشيخ وظل صامداً أمام ضربات مدفعية العدو وقصفه الجوي.
  • أعطت كمائن وسائط الدفاع الجوي في الأراضي اللبنانية نتائج حسنة، كما أن غارات القوات الجوية الناجحة على شارة حرمون وبعض الأهداف الأخرى أذكت الحماسة، ورفعت الروح المعنوية والقتالية لدى المقاتلين، وحققت معارك القوات الجوية على طيران العدو نتائج ممتازة في إكساب القوات الروح المعنوية العالية.
  • استخدم طيران العدو خلال هذا الشهر قنابل «الشرايك» وقنابل «الهوبو» ذات التوجيه التلفزيوني وكان تأثيرها محدوداً بالرغم من الخسائر التي تكبدتها محطة رادار تل معدر بسبب ضعف التجهيز الهندسي.
  • كما حاول العدو خلال هذا الشهر ضرب أهداف لها صفة دعائية مثل طريق دمشق - درعا كأسلوب ضاغط لكي يصرف القوات السورية أو يقيدها عن أسلوب الاستنزاف أو لإيهامها أنه بإمكانه أن يقوم بأعمال مؤثرة، هذا وكانت تصرفات العدو خلال هذا الشهر عبارة عن ردود فعل مدروسة لنشاط القوات السورية.
  • كان تأثير رمايات المدفعية على المواقع الدفاعية المعادية ضعيفاً وكان تأثيرها أكبر على الأهداف المتحركة.
  • بذلت القوات خلال هذا الشهر جهوداً كبيرة، وأظهر أفرادها شجاعة وصموداً كبيرين أمام ضربات مدفعية العدو وقصفه الجوي، حيث تلقت المواقع من مدفعية العدو بمعدل ألف قنبلة يومياً، وفقاً لتصريح مسؤول إسرائيلي.
  •  أظهرت القوات، وعلى الأخص وحدات المدفعية، إصراراً على إنهاك العدو واستنزافه والتعامل معه، كما أكسب القصف المدفعي المتبادل التشكيلات خبرات ثمينة في فن إنهاك العدو من خلال الاشتباكات مع السيطرة على النيران.
  • أظهرت القيادات الميدانية مبادهة واسعة في سرعة فتح النار على تحركات العدو مما ألحق به المزيد من الخسائر.
  • لم يُلحق العدو بالقوات السورية سوى خسائر قليلة بنتيجة الجاهزية القتالية الجيدة للتشكيلات.
  • يدل على التأثير المرعب لنيران المدفعية بعض ردود فعل العدو العنيفة. سواء بالطيران أو بقصف القرى الآهلة بالسكان.
  • أعطت المراصد التي دُفعت إلى الأراضي اللبنانية نتائج ملموسة في إحكام رمايات المدفعية وجعلها مؤثرة.
  • أعطى القصف المدفعي المساحي مردوداً جيداً وخاصة على مواقع العدو في جبل الشيخ, لأن العدو حفر جميع المنطقة الواصلة يمين ويسار الطريق من موقع العقبات حتى الشارة حيث كان ينقل قواته من منطقة لأخرى لتفادي القصف, كما أن رمايات الإزعاج و رمايات التأثير المستمرة على مواقع العدو في جبل الشيخ منعته من التجهيز الهندسي.
  •  لم يتمكن العدو من مفاجأة القوات السورية خلال هذا الشهر.
  •  كما تمكنت نقطة حراسة إنذارية من القوات السورية من إحباط إغارة صامتة للعدو كانت تهدف إلى أسر عناصر النقطة وألحقت بها خسائر في الأفراد.
  • ازدادت دقة رمايات المدفعية نسبياً بسبب معرفة أهداف العدو التي كشفها الاستطلاع الناري ونتائج الرصد والاستطلاعات المختلفة.
  • أعطت وحدات الصوت المدفعي نتائج جيدة في قطع الأهداف.
  • أعطى نقل الرمي المدفعي ( بمدفع- فصيلة) بالاتجاه والعمق في حال عدم كشف مصادر نيران العدو, نتائج في إسكات مدفعية العدو التي تقلع عن الرمي وتنتقل مجرد وقوع أول طلقة على مربضها.
  • كانت بعض القواعد الصاروخية (كوادرات) تنتقل إلى مرابضها التبادلية عند وقوع أي قنبلة عليها بينما يستمر العدو بقصف المكان السابق طوال اليوم.