الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  حرب تشرين التحريرية  معلومات تفصيلية

الاستعداد للهجوم المعاكس السوري

لقد أعطت حرب تشرين التحريرية دروسا قيمة للعلم العسكري ولفن الحرب،وستكون معارك هذه الحرب مادة هامة تدرس في الأكاديميات العسكرية ومراكز الدراسات الاستراتيجية، من هذه الدروس الهامة تبرز أهمية التأمين المادي للحرب بكل أبعادها، إذ تصبح معركة الإمدادات بعد الأيام الأولى للحرب هي الجانب الهام من الصراع المسلح الدائر بين الطرفين، لاسيما في الدول التي لا تملك صناعة حربية متقدمة، وهذا ما حصل في حرب تشرين مع العدو الإسرائيلي.
إن التطور التقني لوسائط الصراع المسلح جعل نسبة الإصابة كبيرة، لاسيما في إصابة الأهداف الهامة كالطائرات والطائرات العمودية والدبابات والعربات المدرعة والسفن والزوارق، ولذلك فإن نسبة فقدان العتاد، لاسيما الدبابات، فاقت كل النسب المحتملة والمتوقعة، المستقاة (من خبرات الحرب العالمية الثانية ومن تجارب الحروب الثورية في الصين وكوريا وفيتنام وكذلك من خبرات الحروب الهندية والباكستانية). لذلك بدأ الاتحاد السوفييتي بتزويد سورية ومصر بأنواع من الأعتدة الحربية المفقودة، لاسيما (طائرات -دبابات) وبدأت الولايات المتحدة بتزويد إسرائيل بأنواع من الأعتدة المفقودة، لاسيما(طائرات -دبابات -قواعد صاروخية م/د). وكانت شحنات الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل تأتي عن طريق الجو إلى مطار اللد،وعن طريق البحر إلى ميناء حيفا بالنسبة للأسلحة التي تعزز بها إسرائيل الجبهة الشمالية،وعن طريق ميناء العريش بالنسبة للأسلحة التي تعزز بها إسرائيل الجبهة الجنوبية.
أما الاتحاد السوفييتي فكان الجسر الجوي ينقل العتاد الحربي إلى مطار حلب، ومطار القاهرة في مصر، كما كانت السفن الروسية تفرغ شحناتها في مرفأ اللاذقية في سورية ومرفأ الإسكندرية في مصر، ولهذا السبب كانت الدبابات القادمة من روسيا تتأخر تأخراً نسبياً عن الدبابات القادمة من أمريكا،لأن المسافة بين اللاذقية والجبهة تقدر بأربعمائة كم، وكذلك الأمر بالنسبة للجبهة المصرية،فالمسافة بين قناة السوس والإسكندرية تقدر بأربعمائة كم أيضاً، أما الدبابات الأمريكية فكان وصولها أسرع، لأن المسافة بين حيفا ومرتفعات الجولان 60كم، والمسافة بين العريش وقناة السويس 60كم أيضاً ومع ذلك فقد خاض الشعب السوري وقواته المسلحة معركة الإمداد بكل بسالة وتصميم رافعين شعار ((يجب أن يصل السلاح إلى أيدي المقاتلين مهما بلغت التضحيات)).
وقد حاولت إسرائيل في بادئ الأمر عرقلة الإمداد الجوي إلى سورية عن طريق قصف مطار حلب والتصدي للطائرات السوفييتية، فقد قصف مطار حلب بزوج طائرات فانتوم في الساعة 17,00 من يوم 8/10/1973 وأصيبت طائرة (انطونوف12) روسية كانت تفرغ شحنتها في المطار، كما جرح أحد الملاحيين السوفييت. عند ذاك تم التنسيق بين الجانب السوري والجانب السوفيتي على أن يتولى السوفييت حماية طائراتهم حتى دخولها الأجواء السورية،وكانت الحراسة والتغطية تتم بطائرات مقاتلة من طراز ميغ25، وعندما تصل طائرات النقل السوفييتية الأجواء السورية، كان سلاح الطيران السوري يتولى حمايتها وتغطيتها بطائرات مقاتلة من طراز ميغ21(م)، وبعد تنفيذ هذا الإجراء لم يحدث أي شيء يذكر من شأنه عرقلة الجسر الجوي السوفييتي إلى سورية.
أما في البحر، فلم تحاول إسرائيل مقابلة السفن الروسية لأنها تعلم أنها ستدفع الثمن غالياً،لذلك قامت بضرب ميناء اللاذقية وطرطوس عدة مرات، وكانت الغارات متزامنة مع وصول الإمدادات السوفييتية، وإضافة إلى ذلك فقد قامت إسرائيل بضرب كل الجسور والمعابر الواقعة على طريق اللاذقية -طرطوس-حمص.
كانت أطقم الدبابات التي جمعت من الجبهة تزدلف إلى اللاذقية بكل وسائل النقل البري والجوي وعلى جميع المحاور،وكان عمال المرفأ الشجعان مع أطقم الدبابات يتسلقون السفن الروسية كالفهود ويبدؤون عملية ربط الدبابة بحبال الرافعة، وما هي إلا ثوان معدودة حتى تبدأ الدبابة بالارتفاع عن سطح الباخرة وقد ركب فيها سدنتها، وما تكاد الدبابة تلامس الرصيف حتى يكون السائق قد أدار محرك الدبابة وانطلق بها إفرادياً على الطريق المؤدي إلى الجبهة ليصل بعد قليل إلى مكان التسليح والتذخير والملء بالمحروقات. وبعد أن تتم هذه العملية،كان السائق يتوجه دون توقف لمتابعة المسير باتجاه الجبهة، وأمانة للتاريخ فإنه نادراً ما كانت دباباتنا تشاهد جسراً مقصوفاً أو معبراً مخرباً،ذلك أن أبناء الشعب العربي السوري رجالاً ونساءً كانوا يتوجهون مباشرة بعد القصف الجوي المعادي إلى مكان الحادث ليعاونوا الجيش الشعبي والدفاع المدني ورجال الأمن في إصلاح ما تهدم رغماً عن القنابل الموقوتة لتي كان يلقيها العدو الإسرائيلي، وخلال دقائق،وغالباً لا تتجاوز الساعة، يصبح الجسر أو المعبر جاهزاً لمرور الدبابات.وحين كان رجال الدبابات يعبرون الجسر، بعد إصلاحه، متجهين إلى الجبهة، كانت النساء يزغردن للأبطال ويدعون لهم بالنصر. إنها حقاً مأثرة لا تنسى عن تلاحم الشعب وقواته المسلحة تلاحماً أمد القوات وزاد القوى المعنوية وهذا ما جعلها تستمر في المعركة مدة أطول.
تمكنت القيادة العامة للقوات المسلحة السورية من تجهيز عدة ألوية مدرعة بدبابات(ت 62) بفضل الإمدادات العسكرية السوفييتية في أثناء حرب تشرين التحريرية، كما كانت قوات صلاح الدين العراقية قد استكملت وحداتها، وأصبحت تضم فرقتين مدرعتين ولواء مشاة جبلي، كما أن القوات الأردنية عززت اللواء 40 الذي شارك في العمليات الأخيرة بلواء مدرع آخر هو اللواء 92 بالإضافة إلى قيادة الفرقة الثالثة مشاة أردنية.وقد كانت هذه القوات متأهبة لشن الهجوم العام المعاكس على العدو ابتداء من يوم 21 تشرين أول/أكتوبر 1973.


وبعد دراسة خطة العملية الهجومية من قبل القيادة العامة السورية والتي اشترك فيها الضباط القادة العراقيون والأردنيون تمت الموافقة على شن الضربة المعاكسة في الساعة الخامسة من يوم 23 تشرين الأول / أكتوبر 1973، كانت القيادة السورية تريد الاستعجال في تسديد الضربة المعاكسة لسببين:
الأول: عدم إتاحة الفرصة للعدو لالتقاط أنفاسه وتحسين مواقعه الدفاعية.
الثاني: تخفيف الضغط على الجبهة الغربية بعد الخرق الذي قام به العدو في منطقة الدفرسوار،وجذب جهد العدو مرة أخرى للجبهة السورية، وعلى الرغم من أهمية الأسباب المذكورة آنفاً فقد كان الأخوة العراقيون والأردنيون يرون تأجيل التنفيذ حتى صباح 23/10 أكتوبر 1973، لكي يتم استكمال القوات بكل أنواع التأمينات المادية والبشرية ويتاح الوقت اللازم للقادة، على مختلف المستويات، ليقوموا باستطلاع أرض المعركة بأنفسهم. كانت توجيهات الفريق حافظ الأسد القائد العام إلى العماد طلاس ألا يقوم بإسناد أية مهمة قتالية إلى القوات العربية، إلا بعد التأكد من أن القائمين بتنفيذ المهمة مرتاحون نفسياً للقيام بها، وقد كان المهم أن لا يقسروا قسراً على تنفيذ مهمة قتالية غير مقتنعين بنجاحها، يضاف إلى ذلك أن الجبهة السورية كانت قد استقرت وكسرت شوكة الهجوم الإسرائيلي، وإذا كان من جملة المبادئ الرئيسية التي أخذناها بعين الاعتبار عند التخطيط لحرب تشرين التحريرية، أن نطيل أمد الحرب ما أمكننا ذلك، فقد استجبنا لطلب الأخوة العراقيين والأردنيين بتأجيل تنفيذ الضربة حتى صباح 23 تشرين الأول/أكتوبر1973.
واستراحت القيادة السورية بضع ساعات من ليلة 20 - 21 تشرين الأول/أكتوبر 1973، بعد إسنادها المهام القتالية للفرق الأولى والثالثة والسابعة والتاسعة وقوات صلاح الدين العراقية وقوات الفرقة الثالثة الأردنية، وكان حجم القوى والوسائط كافياً لسحق القوات الإسرائيلية المتمركزة في قطاع الخرق وتدميرها. ومن ثم القيام بتحرير الجولان بكل القوى والاحتياطات الموجودة في الجبهة السورية.
لكن، في صبيحة 21 تشرين الأول / أكتوبر 1973 على وجه التحديد، حدثت مفاجأة هامة وهي قبول القيادة السياسية في جمهورية مصر العربية بوقف إطلاق النار على الجبهة الغربية، بعد المساعي الدولية التي بذلت بهذا المجال. ووضعت القيادة السورية من جديد أمام الاختيار الصعب. كانت مصلحة الأمة العربية، والقضية الفلسطينية على وجه التحديد، تقضيان باستمرار الحرب مهما كلف الثمن لتحقيق النصر على العدو.
كان صدور قرار مجلس الأمن رقم 338 مفاجأة، بل لم تعلم القيادة بوجود مشروع قرار أو بدعوة مجلس الأمن للانعقاد إلا بعد أن تناقلته محطات الإذاعة ووكالات الأنباء، وقد وضع القرار القيادة أمام ظروف جديدة، كان لابد من أخذها بعين الاعتبار، فقد كان موجها إلى كل الأطراف المتحاربة في المنطقة، وسورية طرف رئيسي، فكان ينبغي إذاً أن تدرس الظروف المستجدة التي نشأت أو ستنشأ عنه وأن يحدد الموقف منها. وهكذا كان.. فقد درس قرار مجلس الأمن في سورية بشعور عميق بالمسؤولية انطلاقاً من المصلحة القومية والالتزام بالمبادئ والأهداف التي قاتلت سورية في سبيلها، وعقد الرئيس حافظ الأسد لهذه الغاية سلسلة من الاجتماعات منذ صباح الثاني والعشرين من شهر تشرين الأول 1973 وحتى نهاية الثالث والعشرين من الشهر نفسه.
استهل الرئيس الأسد اجتماعاته مع مجلس الدفاع العسكري ثم عقد اجتماعات مطولة للقيادتين القومية والقطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي، والقيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية، كما أجرى اتصالات هاتفية مع ملوك الدول العربية ورؤسائها تبادل معهم الرأي حول الموقف الراهن كما أجرى عدة اتصالات مع الاتحاد السوفييتي، وكانت كل هذه الاتصالات موضع اعتبار في الاجتماعات المذكورة التي عقدها الرئيس حافظ الأسد لدراسة قرار مجلس الأمن، وقد توخى الرئيس الأٍسد من اتصالاته مع الشقيقة جمهورية مصر العربية، ومع الاتحاد السوفييتي، أن يستجلي الموقف بكل نواحيه فيما يتعلق بهذا القرار.
وخلال هذه الاتصالات التي أجراها الرئيس الأسد أكد له الرئيس أنور السادات أنه تلقى من القادة السوفييت ضمانات بأن يتم انسحاب إسرائيل انسحاباً كاملاً من جميع الأراضي العربية المحتلة، كما أكد الاتحاد السوفييتي للرئيس الأٍسد أن موقفه في كل هذا الأمر ينسجم ويتجاوب مع موقف القطر العربي السوري ومصالحه وتطلعات الشعب العربي المشروعة، ولذلك فإنه عند إعداد مشروع قرار مجلس الأمن، استرشد بتأكيد سورية على انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي العربية المحتلة، وعلى استرداد الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني.
وبنتيجة الاتصالات التي أجراها الرئيس حافظ الأسد، لاسيما مع الشقيقة جمهورية مصر العربية، ومع الاتحاد السوفييتي باعتباره إحدى الدولتين صاحبتي مشروع القرار، فقد استنتجت القيادة السياسية في سورية أن قرار مجلس الأمن رقم 338 يعني انسحاب إسرائيل الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة، كما فهمت أيضاً أن هذا القرار يعني عدم المساس بحقوق الشعب العربي الفلسطيني الذي سيكون وحده صاحب الرأي الأول والأخير وصاحب القرار النهائي عند أي بحث لقضيته.
وعلى أساس هذا الفهم لقرار مجلس الأمن، وبعد أن وافقت عليه جمهورية مصر العربية في ضوء القناعات التي تكونت لدى الرئيس أنور السادات، فقد وافقت القيادة السياسية في الجمهورية العربية السورية على قرار مجلس الأمن، وصدرت إلى القوات المسلحة الأوامر بوقف إطلاق النار، بشرط أن يلتزم العدو بذلك، كما أُعطيت التعليمات اللازمة لقواتنا المسلحة بأن تكون على أهبة الاستعداد لاستئناف القتال عندما تدعو الضرورة إليه.
ونتيجة لقبول سورية بوقف إطلاق النار فقد صدر قرار بتأجيل الهجوم العام المعاكس السوري في الدقيقة الخامسة من يوم 23 تشرين الأول / أكتوبر 1973، ومما لا شك فيه أنه قد ضاعت فرصة ذهبية ونادرة للقضاء على القوات الإسرائيلية في هضبة الجولان.