الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  حرب تشرين التحريرية  معلومات تفصيلية

 معركة دير العدس:12-14 تشرين الأول /أكتوبر 1973:

من المشاهد الرائعة، التي تكررت في اللواء 21 ميكانيكي، منظر المقاتلين الصامدين وهم يدمرون أقوى الدبابات الإسرائيلية. وما معركة دير العدس إلا إحدى المعارك، التي تتحدث عن الصمود الحديدي الذي أبدته إحدى كتائب هذا اللواء.
أخذ العدو في القطاع الأوسط يشدد هجماته على منطقة دير العدس، فأُصدرت الأوامر إلى الكتيبة 161 من اللواء 21 ميكانيكي لصد الهجوم هناك، فاندفعت الكتيبة من مكان تمركزها في القطاع الشمالي بسرعة فائقة وروح معنوية عالية، ووصلت المكان قبل الموعد المحدد، وتمركزت فوق التلال المشرفة على أرض المعركة، حيث بدأ قائد الكتيبة يُعطي تعليماته:
«ملازم وجدي تحرك بفصيلتك إلى الأمام وارصد تحركات العدو وأبلغني كل التفاصيل».
انفصلت هذه الفصيلة عن سريتها الثالثة وتقدمت، فاتخذ كل مقاتل مكاناً يستطيع منه رؤية العدو وحركاته وسكناته. اتخذت الناقلات الصاروخية أماكنها وتأهبت لصد أي هجوم معاد.
وكان الليل يضفي على المنطقة هدوءاً مشوباً بالحيطة والحذر، وأعين المقاتلين ترصد كل مكان، ويد كل منهم تتحسس سلاحه. وهدر صوت قائد الفصيلة تأهب، وانهالت رمايات مدفعية العدو الكثيفة ليتبعها زحف بالدبابات. كان رماة الصواريخ على استعداد كامل، ينتظرون بفارغ الصبر أن تصبح الدبابات المعادية على مرمى صواريخهم.
تابعت قوات العدو تقدمها من قرب تل قرين وتل مرعي. أعين المقاتلين مثبتة على الأهداف المتقدمة، وما هي إلا ثوانٍ قليلة حتى انفجرت دبابة معادية وعلاها الدخان واللهب، وتتابعت الانفجارات في آليات العدو.
أجال بعض قادة الدبابات المعادية نظرهم في الأشلاء يميناً وشمالاً، فأعطوا أوامر بالتراجع بعد أن فوجئوا بتلك الإصابات المحكمة والأسلحة الفعالة، ليدعموا قوتهم ويتابعوا محاولة تقدمهم في اليوم الثاني بمزيد من الشراسة والحقد.
كرر العدو هجومه في اليوم الثاني والثالث فلم يكن حظه بأفضل من اليوم الأول. حطام دبابات، ومعنويات منهارة، وخوف قاتل أخذ يشل حركة جنوده، فلا يكادون يتقدمون إلا بأوامر قسرية.
ظهرت دبابة معادية من اتجاه تل مرعي وتبعتها أخرى، وما كادتا تصلا إلى مدى الرمي، حتى انطلقت قذيفة صاروخية واتبعتها أخرى، فإذا الدبابتان كتلتا نار، وإذا بأسطورة (السنتوريون والباتون) حطب تأكله نار قذائف المقاتلين السوريين.
أيقن العدو أن هجومه في هذه المنطقة أمر صعب فحاول أن يخلي دباباته المحطمة المحترقة وآلياته البعثرة. ظهرت في الأفق رافعة كبيرة ودبابة نجدة جاءتا للغرض نفسه، فأطلق باتجاههما قذيفتان أصابتا الدبابة والرافعة.
لم تكن الفصيلة تقاتل منعزلة، بل كانت إلى جانبها وعلى الخط نفسه السرية الثالثة، تدعمها من الخلف سرية الهاون، بينما احتلت السرية الأولى موقعاً خلفياً على اليمين تل عريد، وتوضعت فصيلتان كاحتياط على السفوح الأمامية لتل جعفر بك،وتوسطت قيادة الكتيبة هذا التشكيل.
انسحبت الفصيلة بعد أن أدت مهمتها، غير أن العدو شدد هجماته بعد أن حسب أن المنطقة لا تملك غير هذه القوة الصغيرة، فاصطدم بالسرية الثانية التي كانت قد أخذت مكانها في قرية دير العدس. اندفعت القوات المعادية بعدد كبير يقدر بكتيبتي دبابات، واقتربت من السفوح الأمامية لتلال قرين وعنتر والعلاقية.
إلا أن كثافة النيران أجبرته على الانسحاب، لكنه تقدم بمجموعة جديدة من الدبابات، فعالجتها صواريخ الفصيلة الأولى من السرية الثانية ودمرت عدداً منها. غير أن الهجمة كانت شرسة. تابع العدو تقدمه حتى مسافة خمسين متراً من الفصيلة، فانبرى له رماة قواذف(ر. ب.ج) بصواريخهم. وما هي إلا لحظات حتى دُمرت دبابة معادية منها.
الهجمة تزداد شراسة وجنودنا يزدادون صموداً. قائد الكتيبة وقائد السرية يأمران بإجراء مناورة، فتحدث خسائر كبيرة في الدبابات المعادية تضطرها فيما بعد إلى الانسحاب.
كان مقاتلو السرية يزدادون حماسة وبسالة يوماً بعد يوم، وصمودهم يفقد العدو صوابه، فيصمم على النيل منهم. فما كاد فجر السادس عشر من تشرين ينبلج، حتى أخذ يصب نيران صواريخه ومدفعيته على السرية، ثم أتبع ذلك بهجوم دبابات كبير من مرتفعات تل عنتر وتل العلاقية وتل مرعي، وعمد في هذه المرة إلى المخادعة، إذ أدار مدافع دباباته إلى الخلف ليوهم أبطال السرية بأنها دبابات صديقة، وعندما أصبح على مسافة 2 كم أدار مدافعه باتجاههم، وأرسل سيلاً من قنابله، فبدأت المعركة الضارية وأخذ رماة الصواريخ يدمرون أهدافهم.


طلب قائد هذه السرية من قائد سرية الهاون، أن يبدأ الرمي على العدو المتقدم، فانهالت قنابله على آليات العدو المجنزرة، واستقرت في قلب الدبابات المعادية وأمامها، فأربكت تقدم العدو وأجبرته على التوقف، مما أتاح لرماة الصواريخ أن يصيبوا أهدافهم، كانت النيران تشتعل في الدبابات المعادية واحدة تلو الأخرى.
مجموعة القواذف التي دفعها قائد السرية إلى الأمام كانت تكيل الضربات القاسية للدبابات المعادية. ولقاء هذا الصمود توقف نسق الدبابات المعادية، وبدأ بالالتفاف نحو اليسار باتجاه عين عفا ويسار قرية دير العدس... كان هم العدو تطويق هذه السرية مع سرية الهاون وعزلهما.
أعلم قائد الكتيبة بالموقف، فأعطى أمره بالقتال حتى الاستشهاد، والمناورة بالسرية والدفاع الدائري حتى آخر لحظة. فعمدت سرية الهاون إلى الرمي في كل الاتجاهات.
الرمي كثيف وغزير، والاشتباك ضار، والعدو آخذ في تشديد حصاره على السرية التي كانت مثالاً للتضحية والفداء. لم يترك جندي موقعه، تشبث الجميع بكل شبر من الأرض بقوة وعزيمة.
أخذ قائد الكتيبة يدير المعركة ويطلب رمايات المدفعية، ويناور بالوحدات. أعطى أمراً للسرية الأولى، التي تتمركز في تل عريد، لمساعدة جارتها، وفك طوق الحصار عنها.
تقدمت الدبابات المعادية، وهي تتوهم أن تلك السرية أصبحت بين فكي كماشة، فعالجتها صواريخ السرية الأولى، فدمرت ست دبابات معادية، ووسط هذا الوابل من نيران الصواريخ، تم فك الحصار عن السرية الثانية، وعن سرية الهاون، واندحرت الدبابات المعادية وقد خلفت وراءها حطاماً كثيراً متناثراً على أرض المعركة.