الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الكفاح ضد الانتداب الفرنسي  معلومات تفصيلية

 تحقيق الاستقلال الفعلي (1943 ـ 1945):
قام شكري القوتلي رئيس الجمهورية المنتخب في يوم 19 آب 1943 بتكليف سعد الله الجابري بتشكيل الوزارة الجديدة، وفور تشكيل هذه الحكومة دخلت البلاد في دور جديد من النضال لاستكمال الاستقلال والسيادة، وذلك باستلام الصلاحيات التي تمارسها السلطات الفرنسية باسمها، وتوصلت الحكومة إلى توقيع اتفاقية مع المفوض السامي الفرنسي، في 22 كانون الأول 1943، لنقل المصالح المشتركة وموظفيها إلى سورية ولبنان، مع حق التشريع فيها وإدارتها بدون قيد أو شرط، على أن يبدأ التنفيذ في أول السنة الجديدة وعبر اتفاقات خاصة.
ووقع الاتفاقية عن الجانب الفرنسي الجنرال كاترو، وعن الجانب السوري سعد الله الجابري رئيس الوزراء، وجميل مردم بك وزير الخارجية، وخالد العظم وزير المالية، كما وقعها عن الجانب اللبناني رياض الصلح رئيس الوزراء، وسليم تقلا وزير الخارجية، وجرى نقل المصالح المشتركة بالفعل باتفاقات خاصة كان أولها (اتفاق تسليم إدارة الجمارك) في 3 كانون الثاني 1944، وآخرها (اتفاق تسليم رقابة السكك الحديدية والموانئ) في 5 حزيران 1944، وبلغ مجموع عدد الإدارات والمصالح التي تم تسليمها عشرين إدارة ومصلحة. المصالح المسلمة للحكومة السورية عام 1944.

وقامت وزارة الخارجية، بعد التوصل إلى الاتفاقية، بإبلاغ حكومات الدول الأخرى مباشرتها الفعلية لسلطاتها، داعية إياها للاعتراف بالجمهورية السورية بعد أن استكملت سيادتها، واستجابت للدعوة تسع دول، قبل نهاية 1944، وتبادل بعضها التمثيل الدبلوماسي معها، ومنها الدول الأربعة الكبرى، حيث اعترفت الولايات المتحدة الامريكية بسورية في 25 تموز 1944، وقدم أول وزير مفوض لها أوراق اعتماده إلى رئيس الجمهورية السورية في 16 تشرين الثاني 1944، كما اعترف بها الاتحاد السوفييتي وقدم اول وزير مفوض له أوراق اعتماده في 36 تشرين الأول 1944، واعترفت الصين الوطنية بها في 27 تشرين الثاني 1944، ومع أن بريطانيا كانت قد اعترفت باستقلال سورية منذ 1941، إلا أن أول وزير مفوض لها في سورية لم يقدم أوراق اعتماده إلا في 23 كانون الأول 1944.
وساد الهدوء أجواء العلاقات السورية الفرنسية إلى أن جاء الجنرال «بينيه BEYNET» مفوضاً سامياً جديداً على سورية ولبنان، فعاد إلى التعامل مع سورية بعقلية الانتداب، وهو أمر دعا الحكومة السورية لاتخاذ سياسة الحذر والترقب، وخاصة بعد أن تناقلت وسائل الإعلام العالمية تصريحات بعض رجال الحكومة الفرنسية المؤقتة، ومنها تصريح وزير خارجيتها، جورج بيدو، في 3 شباط 1945، أمام مجلس الوزراء، وتفيد جميعاً بأن فرنسا «تعتبر نفسها هي المسؤولة عن المحافظة على النظام في دول المشرق» ، كما أدلى وزير الدولة البريطاني، المستر ريتشارد، في مجلس العموم، في 14 شباط 1945، ببيان ذكر فيه أن الحكومة البريطانية «أيدت بيان الحكومة الفرنسية الخاص باستقلال سورية ولبنان» واستدرك قائلاً: «ولا أعتقد أن موافقتنا على البيان الفرنسي ينطوي على معنى الضمان بالذات».
وكان أشد ما تخشاه الحكومة السورية الجديدة، برئاسة فارس الخوري، نتيجة لهذه التصريحات المقلقة، أن يقلب الحلفاء لها ظهر المجن في نهاية الحرب العالمية الثانية كما سبق لهم أن فعلوا في نهاية الحرب العالمية الأولى، ولم يمنع هذا التوجس الحكومة السورية من تأييد قضية الحلفاء، فاستصدرت المرسوم التشريعي رقم 201 في 26 شباط 1945، المتضمن إعلان سورية الحرب على دولتي المحور (ألمانيا واليابان). ولم يكن هدف هذا الإعلان، في حقيقة الأمر، شجب مواقف هاتين الدولتين فحسب، وإنما كان دافعه الرغبة في الاشتراك في منظمة (هيئة الأمم المتحدة)، التي أعلن بأنها ستضم الدول الصديقة للحلفاء، التي سبق ان أعلنت الحرب على دول المحور، أو ستعلنها قبل الأول من آذار 1945،وقامت الولايات المتحدة الامريكية بالنيابة عن الأمم المتحد جميعاً في 35 آذار 1945ـ بتوجيه الدعوة إلى الحكومة السورية لحضور مؤتمر سان فرانسيسكو، المكلف بوضع ميثاق هيئة الأمم المتحدة، فأرسلت الحكومة السورية وفداً برئاسة فارس الخوري، وعضوية نعيم الأنطاكي وناظم القدسي وفريد زين الدين، وتوجه الوفد في 12 نيسان 1945 إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وأسهم بشكل إيجابي في جلسات ومناقشات مؤتمر سان فرانسيسكو، التي انتهت بوضع الميثاق في 25 حزيران 1945.
وكانت السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، قد شهدت نشاطاً عربياً مكثفاً، بعد أن دفعت أحداث هذه الحرب الدول العربية لتوحيد كلمتها والدفاع عن مصالحها المشتركة، وقد تولت الحكومة المصرية، اعتماداً على تصريح أنطوني إيدن ، وزير الخارجية البريطاني، أمام مجلس العموم في 24 شباط 1943 دعوة الدول العربية المستقلة (المملكة المتوكلية اليمنية، المملكة العربية السعودية، المملكة العراقية، المملكة الأردنية الهاشمية، الجمهورية السورية، الجمهورية اللبنانية) للتفاوض بخصوص إنشاء جامعة الدول العربية، وجرت المرحلة الأولى من المفاوضات في الإسكندرية، وانتهت في 7 تشرين الأول 1944 إلى توقيع «بروتوكول الإسكندرية»، الخاص بإنشاء جامعة الدول العربية، وجرى التوقيع على ميثاق الجامعة رسمياً في 22 آذار 1945، من قبل ممثلي ملوك ورؤساء الدول العربية السبع ؟
ويمكن القول أن سورية، بعد أن أصبحت عضواً مؤسساً في (جامعة الدول العربية) و (هيئة الأمم المتحدة)، وبعد تبادلها التمثيل الدبلوماسي مع حوالي عشر دول عربية وأجنبية، أصبح استقلالها أمراً واقعاً لا مجال للمنازعة فيه.