الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الكفاح ضد الانتداب الفرنسي  معلومات تفصيلية

بواكير الاستقلال (8 حزيران 1941 ـ 17 آب 1943):
في الفترة الواقعة بين 8 حزيران و12 تموز 1941 دارت معارك عنيفة بين القوات الموالية لفيشي في سورية ولبنان، بقيادة الجنرال دنتز والقوات الحليفة البريطانية والفرنسية الحرة بقيادة الجنرال ويلسون، ويعاونه الجنرال كاترو، وكانت نتيجتها انتصار القوات الحليفة على قوات فيشي، وطردها من هذين البلدين والحلول محلها فيهما، استناداً لأحكام اتفاقية عكا الموقعة بين الطرفين المتحاربين في 13/7/1941.
وبعد استقرار القوات الحليفة في سورية ولبنان، أتى الجنرال ديغول بزيارة إلى سورية، وألقى خطاباً سياسياً في الجامعة السورية (جامعة دمشق حالياً) في 29 تموز 1941، وقد وردت في هذا الخطاب العبارة التالية: «إننا نؤكد، نحن الفرنسيين، أن ما مرّت به بلادكم وما تزال، من أهوال ومصائب، هو مدعاة أكيدة للنصر، ونؤكد أن عهداً جديداً لسورية سيكون، وقد حان الوقت لإنهاء الانتداب والسعي سوياً لوضع الأسس النظامية التي تضمن حريتكم».


ويشكل خطاب ديغول تراجعاً عن المنشور الذي وقعه الجنرال كاترو، فقد تحدث عن (إنهاء الانتداب) و (الحرية) لكنه لم يتحدث عن «الاستقلال L,INDEPENDANCE» بصريح العبارة، ولذا فإن الأوساط الوطنية استقبلت خطاب ديغول بحذر وتشكيك، وعادت للتحرك، ومن أجل ذلك صمّم كاترو (الذي خبر سورية طيلة ربع قرن) على تهدئة الخواطر وامتصاص النقمة، فارتأى إصدار قرار رسمي يعترف فيه، بصفته ممثلاً مطلق الصلاحية للجنرال ديغول، باستقلال سورية الناجز، وذلك بأن يعيد بعض مظاهر الحكم الدستوري إلى البلد، واستمزج رأي الشيخ تاج الدين الحسني، في 12 أيلول 1941، بشأن تعيينه رئيساً لدولة سورية، وبعد أن قبل الشيخ تاج المهمة أصدر كاترو قرار تعيينه في السادس عشر من الشهر نفسه، وأتبعه بقرار آخر يعيد توحيد جبل الدروز وجبل العلويين بالوطن الأم، ويلغي قرار فصلهما الذي أصدره غابرييل بيو.


وقد أصدر الشيخ تاج الدين الحسني، في 20 أيلول، مرسوماً بتكليف حسن الحكيم بتشكيل الحكومة السورية الجديدة، التي حلّت محل حكومة خالد العظم المستقيلة، وحوت الحكومة الجديدة حقيبة للخارجية وأخرى للدفاع ، ومع أن هذه الخطوات جاءت للتدليل على تمتع سورية بالاستقلال التام إلا أن الأوساط الوطنية ظلّت تشكك بحقيقة النوايا الفرنسية، وهذا ما دفع كاترو إلى أن يقوم بالاتفاق مع الشيخ تاج الدين بتنظيم حفل بروتوكولي في 27 أيلول 1941، يُصدر فيه إعلاناً بمنح الاستقلال الناجز لسورية، وجاء في الإعلان المذكور مايلي:
«... وتتمتع الدولة السورية بالحقوق والميزات التي تتمتع بها الدول المستقلة ذات السيادة، ولا تخضع هذه الحقوق والميزات إلا للقيود التي تفرضها حالة الحرب الحاضرة وأمن البلاد وسلامة الجيوش المتحالفة (...) وحيث إن سورية قد دخلت في الحياة الدولية فإنها تنتقل إليها طبعاً الحقوق والواجبات المعقودة باسمها.
ويحق لسورية أن تعين ممثلين سياسيين لها في البلدان التي ترى أن مصالحها تقتضي هذا التمثيل، أما في سائر البلدان الأخرى فإن سلطات فرنسا الحرة تقدم المساعدة لتأمين الدفاع عن حقوق سورية ومصالحها العامة وحماية التبعية السورية فيها.
ويحق للدولة السورية أن تشكل قواتها العسكرية الوطنية، وتقدم لها فرنسا الحرة مؤازرتها التامة لذلك، لقد تعهدت بريطانيا مراراً بأن تعترف باستقلال سورية، وستتدخل فرنسا الحرة دون إبطاء لدى سائر الدول الحليفة أو الصديقة لتعترف باستقلال الدولة السورية».
وفي رد رئيس الدولة الحسني على التصريح أكد على أن الحلفاء «يَفُونَ بعهودهم دائماً» وركز على النقاط التي تتعلق بأن التصريح الفرنسي يشكل إعلاناً رسمياً باعتراف الحلفاء باستقلال سورية.
وإثر الانتهاء من الاحتفال أذاع حسن الحكيم، رئيس الوزراء (بيان الحكومة السورية) الموجه إلى الشعب والذي يقول فيه «أعلن فخامة الجنرال كاترو باسم فرنسا الحرة بالاتفاق مع حليفتها بريطانيا العظمى، تصريح 27 أيلول 1941 فصدق الحلفاء وعودهم لسورية واعترفوا باستقلالها وسيادتها اعترافاً صريحاً قاطعاً، فأصبحت منذ هذا التاريخ دولة مستقلة ذات سيادة (...) وقد كان في هذا التصريح بإعلان سورية دولة مستقلة ذات سيادة فوراً، ودون انتظار فترة الانتقال المحفوفة بالمكاره والأخطار مجال تظهر فيه كفاءة السوريين لممارسة هذا الحق، كما أنه أقر للشعب السوري سيادته القومية في الداخل والخارج، فالتشريع بعد اليوم لا يصدر إلا عن الحكومة السورية، ولسورية الحق في تأسيس قواها الوطنية عندما تجد من مواردها المالية واستعداد أبنائها ما يكفل لها نجاح هذا العمل المقدس.
وسنمارس السيادة الخارجية فوراً فنوفد ممثلين سياسيين إلى البلاد الشقيقة والمجاورة، ويتسع نطاق هذا التمثيل السياسي جرياً مع المقدرة المالية والحاجة السياسية.
ولا يسعنا إلا إعلان غبطتنا بما تم بشأن محافظتي اللاذقية وجبل الدروز، والترحيب بإخواننا الذين جمعت بيننا وبينهم سياسة عادلة مُحقة لأماني البلاد، ونحن على يقين بأن الصلات بين سورية ولبنان ستطبع دوماً بطابع الأخوة والإخلاص، وأن قضاياهما ستُحل بروح من الثقة المتبادلة والشعور بالمصلحة المشتركة».
وقد وجه رئيس الحكومة السورية بعد ذلك رسالة رسمية إلى كاترو تحوي عدداً من المطالب، ومنها نقل إدارات الجمرك والأمن العام، والهجرة والجوازات والعشائر إلى مسؤولية الحكومة السورية وإلغاء وظائف ضباط الاستخبارات وخفض عدد المستشارين الفرنسيين في دوائر الدولة، وربط الرقابة على الصحف والمطبوعات بحكومته، وإلغاء الاتفاق الخاص باستثمار الخط الحديدي الحجازي باعتباره وقفاً إسلامياً، وجملة من المطالب المشروعة الأخرى، ولم يستجب كاترو لهذه المطالب واكتفى بإعطاء الحكومة السورية صلاحيات إصدار جوازات السفر للمواطنين السوريين (دون قضايا الهجرة).
ورغم إخفاق الحكيم في انتزاع كامل الصلاحيات فقد اتسم عهده بالاستقرار الداخلي والانفتاح الخارجي، وأدى هذا إلى قيام علاقات مع الخارج في إطار محدود، واعترفت خمس دول باستقلال سورية هي المملكة المصرية، والمملكة العربية السعودية، وبريطانيا العظمى، واليونان وبلجيكا ، وحين فشلت محاولات الحكيم من أجل دفع الجنرال كاترو لتسليم بعض الإدارات، التي لا تحمل طابعاً عسكرياً، إلى حكومته اضطر لتقديم استقالته في 11 نيسان 1942.
وترأس الحكومة الجديدة حسني البرازي، وما لبثت هذه الحكومة أن اصطدمت بالعقبات ذاتها التي اصطدمت بها الحكومة السابقة فانصرفت إلى الأمور الشكلية التي تُثبت - ولو ظاهرياً - أن البلد قد نال الاستقلال التام، ومن ذلك إصدار أعداد مُذهبة من (الجريدة الرسمية) تحوي وثائق إعلان الاستقلال.
ومع تزايد ضغط التيار الوطني اضطرت الوزارة لتقديم استقالتها في 8 كانون الثاني 1943. وكلف جميل الإلشي بتشكيل حكومة جديدة، ولكن بعد أسبوع من تشكيلها توفي رئيس الدولة، الشيخ تاج الدين الحسني فجأة، في 17 كانون الثاني 1943، ووقعت البلاد في أزمة فراغ دستوري من جديد.
وعمد كاترو في 25 آذار 1943 إلى إعادة العمل بدستور عام 1930، في كل من سورية ولبنان، وقام بتعيين عطا الله الأيوبي رئيساً للحكومة السورية ورئيساً للدولة بالوكالة ، وأعلنت حكومة الأيوبي عن قرب إجراء انتخابات تشريعية، وجرت هذه الانتخابات فعلاً في 7 تموز 1943، وعادت (الكتلة الوطنية) في تركيبها الجديد، برئاسة شكري القوتلي، للعب دورها السياسي، وحصلت على أغلب المقاعد في المجلس النيابي المنتخب. وفي 17 آب 1943 اجتمع هذا المجلس وانتخب فارس الخوري رئيساً له، كما انتخب شكري القوتلي رئيساً دستورياً للجمهورية، وابتدأت سورية منذ هذا التاريخ عهد استقلالها الفعلي.