الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الكفاح ضد الانتداب الفرنسي  معلومات تفصيلية

النتائج التي أدت إليها الثورات السورية:
لقد اقترنت السنوات العشر التي قضاها الشعب العربي السوري في الكفاح المسلح ضد جيوش الانتداب بنتائج خطيرة سواء من الناحية العسكرية، أو الاقتصادية أو الاجتماعية، أو السياسية، أو القومية:
1) النتائج العسكرية: حشد الفرنسيون في المشرق ( سورية ولبنان) قوات عسكرية وصل عددها في وقت ما إلى 70.000 جندي، منها 20.000 جندي فرنسي (من المتروبول)، والبقية الباقية من جنود المستعمرات (سينيغال، ملاغاش، شمال إفريقيا، هنود صينيون) وقد خسر الجيش الفرنسي من جراء الثورات السورية، ما ينوف عن 15000 جندي، وقدرت هذه الخسائر في السنوات الخمس الأولى (من 1919 وحتى 1924) 9000 جندي و250 ضابطاً، كما ورد في خطاب الجنرال ويغان، في حفلة إزاحة الستار عن النصب التذكاري لقتلى جيش الشرق الفرنسي، الذي جرى بمدينة بيروت في شهر تموز 1924. كما أن الجنرال ساراي اعترف بأنه قامت خلال 1922 فقط، وفي سورية وحدها «خمس وثلاثون ثورة دفن فيها 5 آلاف جندي فرنسي» وأما خسائر الفرنسيين أثناء الثورة السورية الكبرى (1925 - 1927) فبلغت 2000 جندي وضابط في منطقة جبل العرب، و1000 جندي وضابط في منطقة دمشق والغوطتين، و1500 جندي وضابط في المناطق الأخرى (المنطقة الوسطى، القلمون، الجولان، وادي التيم، حوران).
ـ بلغت خسائر المجاهدين حوالي 10.000 شهيد، منهم 6000 أثناء أحداث الثورة السورية الكبرى، بين شهيد في ساحة الوغى، وقتيل تحت قصف المدفعية والطائرات، وكذلك من جرى إعدامهم بعد محاكمات صورية أو بدون محاكمة، ويذكر أمين سعيد أنه «يقدر عدد الذين ماتوا أو قتلوا بسبب الثورة، أو بسبب أعمال الحريق والتدمير، من النساء والأطفال والشيوخ والرجال بخمسة عشر ألفاً، يُضاف إليهم مثلهم استشهدوا في الحروب والمعارك التي دارت مع الجيش الفرنساوي ».
2) النتائج الاقتصادية: استدعت القوات الضخمة التي حشدتها فرنسا في سورية نفقات باهظة لم يدفعها المواطن الفرنسي وإنما البلاد السورية نفسها عن طريق العملة الورقية (الليرة السورية LA LIVRE SYRIENNE) التي فُرض التعامل بها، وكانت تمتص تدريجياً النقود الذهبية الموجودة بوفرة في البلاد، والتي نقصت كميتها، بين عامي 1920 و1928، إلى 40% عما كانت عليه عام1919، ولا يمكن تقدير الخسائر العينية التي لحقت بسورية نتيجة الثورة بالمال، وخاصة خسائر مدينة دمشق التي ضمت بعض التحف الأثرية في جامع السنانية وقصر العظم وعدة قصور قديمة في حي الميدان والشاغور، وأصاب الحريق الناجم عن قصف أحياء بكاملها أحياناً، كما حدث في حي (زقاق سيدي عامود) الذي أصبح يحمل منذ ذلك اليوم اسم (الحريقة)، وبهذا الصدد يقول أمين سعيد: «يقدر ما خسرته سورية مالياً في الثورة بخمسة ملايين جنيه، بما في ذلك أثمان الدور والمنازل التي احترقت ودُمرت في دمشق وحماة، وكان بعضها يحتوي على غالي التحف والنفائس مع الأسواق التي نُهبت».


وأصاب الأرياف السورية أيضاً ما أصاب مدينتي دمشق وحماة: ففي العمليات التي شنتها القوات الفرنسية ضد ثوار الغوطة، في شهر تموز 1926 تم حرق بيادر وأشجار وأرزاق، ومصادرة الحيوانات في 112 قرية، وفي دراسة غير منشورة عن أوضاع الثورة السورية الكبرى، في أواخر أيامها (1927)، يقدر فوزي القاوقجي أن ثمن البيوت والأرزاق والغلال التي تهدمت أو تعطلت بما لا يقل عن 30 مليون جنيه. وكانت الخسائر فادحة في جبل العرب، فخلت بعض القرى من سكانها نهائياً نتيجة لتدميرها أو حرقها، وغابت أسماء قرى أخرى كثيرة كانت موجودة في الجبل ذلك الوقت من المعاجم الجغرافية المستخدمة اليوم!
3) النتائج الاجتماعية: تركت الخسائر المادية التي حاقت بالمواطنين السوريين آثاراً هامة في المجتمع العربي السوري، وأولها ازدياد النقمة على الغرب ومدنيته الزائفة، وتمسك الشعب بتقاليده وقيمه والعودة إلى التراث. يضاف إلى ذلك اضطرار نفر كبير من أهالي الغوطة والأرياف لهجرها واللجوء إلى المدن للعيش فيها، مما يخل جزئياً في التركيبة الديموغرافية للشعب العربي السوري

4) النتائج الوطنية والقومية: كانت الثورة محكاً أظهر المعدن الحقيقي للزعماء الوطنيين، الذين خاضوا غمار الثورة فعلاً، وتجلّى ذلك بوضوح في الانتحابات التي جرت عام 1928 وما بعدها، وجعل هذا المواطن يشعر بأهميته كفرد في البناء الوطني الكامل.
ويضاف إلى ذلك أن الثورة قد زادت من ترابط أبناء مختلف المناطق السورية بعضهم مع بعض، بأداء ضريبة الدم من أبناء كل المناطق، ومثال ذلك أن دم الشهداء من أبناء جبل العرب سال على أبواب دمشق، ودم الدمشقيين الذي انساح بين صخور الجبل، خلقا رابطة أبدية بين أبناء الجبل وبين إخوانهم في دمشق الشام، وقس على ذلك في شتى المناطق السورية الأخرى.
وزادت الثورة من التآلف بين أبناء الطائفة المسيحية وإخوانهم المسلمين، وشارك الجميع مسلمين ومسيحيين في الكفاح المسلح ضد الفرنسيين، وعاشوا معاً في السراء والضراء، وكانت حماية المتطوعين المسلمين للأحياء المسيحية في دمشق، بعد تخلي الفرنسيين عنها، برهاناً للمسيحيين على مصداقية الأخوة التي تجمهم بالمسلمين.
وقد ظهر مثيل للترابط بين المواطنين داخل الأراضي السورية ما يضاهيه بين السوريين في المهاجر (وخاصة في الامريكيتين) وبين أخوانهم في الوطن الأم، وقدم المغتربون دعماً مادياً ومعنوياً للثورة والثوار.
ويلاحظ أن الوعي القومي العربي قد ازداد بازدياد الارتباط بين سورية والبلاد العربية الأخرى.
5) النتائج الخارجية والدولية: كانت للثورات السورية آثار بالغة الأهمية في مجال السياسة الخارجية و الدولية، ومن ذلك:
* إسماع صوت سورية عالياً بين كواليس عصبة الأمم في جنيف، وذلك عن طريق الصحافة الدولية النظيفة وبما قدمه وفد (المؤتمر السوري - الفلسطيني) الذي كان يرأسه الأمير ميشيل لطف الله من دعم وخدمات، وقد عمل وفد هذا المؤتمر بتعاون وثيق مع الوفد السوري غير الرسمي، الذي كان يضم إحسان الجابري وشكيب أرسلان في مقر العصبة.
* أجبرت الثورة الحكومة الفرنسية على تعيين مفوضين ساميين مدنيين (ده جوفنيب ـ بونسو - ده مارتيل) بدلاً من القادة العسكريين (غورو - ويغان - ساراي)، وكان لهذا تأثيره في تبديل طريقة الإدارة من (الإدارة العسكرية) إلى (الإدارة المدنية).
وكانت الثورة السورية سبباً في تنشيط أعمال الأحزاب اليسارية الفرنسية التي أخذت تهاجم الرأسمالية والاستعمار بكل عنف، ولا أدل على ذلك أفضل من قول الكاتب الفرنسي «فوشيه» في كتابه «سورية ولبنان»:
«إن في سورية الآن عملية انتقام للماضي الأسود، ففظائع الحرب العالمية، وقتل الجماعات، وإتلاف المواسم، وإطلاق المدافع على دمشق والقرى المجاورة لها، وأعمال السلب والنهب وغير ذلك من الأعمال الرهيبة، قد أوجدت لدى الشعب السوري تصميماً على إثبات وجوده، إن الناس قد تلين قناتهم للقوة العسكرية، ولكن الثورة تظل كامنة في صدورهم، ولا أجد لفظة تعبر عن حالة الدمشقيين النفسية إلا لفظة (الحنق)، ويدل ذلك على أن خضوعهم المكرهين عليه، لا يلبث حين تواتيه الظروف، أن يتحول إلى ثورة عارمة، وقد نالهم القنوط من وجود أي مخرج ينقذهم من موقفهم المؤلم».