الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الكفاح ضد الانتداب الفرنسي  معلومات تفصيلية

ثورة دمشق والغوطتين: معركة كفر بطنا:
كانت الثورة في منطقة دمشق والغوطتين قد بلغت أواسط تموز 1926 درجة من القوة والتنظيم أجبرت القيادة الفرنسية على الاحتماء ضمن أسوار مدينة دمشق، وعدم مغادرتها إلى خارجها إلا ضمن حملات كبيرة، إلا أنه في 16 تموز 1926، بعد أن تلقت القيادة الفرنسية في دمشق نجدات عسكرية كبيرة من المغرب وفرنسا نفسها، صممت على ضرب الثوار المتمركزين في بعض نواحي الغوطة فوجهت خمسة أرتال عسكرية ضخمة أشاعت أنها ذاهبة في مهمات خارجية إلى حلب وحمص واللاذقية ودير الزور، ولكنها عادت فجأة للتقدم باتجاه دمشق يوم 19/7/1926، بعد أن أغلقت جميع المنافذ المؤدية إلى المنطقة وقد أعطي لكل رتل من هذه الأرتال الخمسة قطاع محدد يتقدم ضمنه بحيث تغطي في جملة وحداتها دائرة كاملة تشمل كل الغوطة ثم تلتقي في مدينة دمشق.

وهذه الأرتال الخمسة هي:
• الرتل الأول: بقيادة الكولونيل «غولتGOULT» وقد أعطيت له مهمة التقدم إلى المدينة من جهتها الشمالية - الشرقية، وضم الوحدات التالية: كتيبتين من الرماة الأفريقيين وكوكبة سباهيين (خيالة مغاربة) وبطارية مدافع 75مم.
• الرتل الثاني: بقيادة الليوتنان كولونيل «ماسييه MASSIET» وقد أعطيت له مهمة التقدم إلى المدنية من الناحية الشرقية، وضم الوحدات التالية: كتيبة من فوج الرماة الأفريقيين الخامس والستين، وكوكبتين من السباهيين، وكوكبتي حرس سيّار GARDE DE MARCHE وخمس كوكبات أقليات (من فرسان الشركس) بإمرة الكابيتين كوليه، وقد انقسم هذا الرتل لأسباب فنية وتعبوية إلى رتلين فرعيين:
o الرتل أ : بقيادة الليوتنان كولونيل «ماسييه» نفسه واشتمل على نصف فوج من الرماة الأفريقيين، وعلى كوكبات الأقليات الخمس.
o الرتل ب: بقيادة الليوتنان كولونيل «فانج VING»، الذي سبق له أن شارك في قمع الثورات في المنطقة الشرقية (معركة أخشام)، والمنطقة الوسطى (ثورة الموالي)، وشمل هذا الرتل بقية الوحدات التي ضمها الرتل الثاني:
• الرتل الثالث: بقيادة الكولونيل «غودوGOUDOT» وتقدم إلى المدينة من جهتها الجنوبية الشرقية، واشتمل على الكتيبتين الثانية والثالثة من فوج الرماة الأفريقيين الخامس والستين وفصيل رشاشات 65 مم.
• الرتل الرابع: بقيادة الكومندان «دنيس DENIS»، وقد توجه إلى المدينة من الجنوب الغربي، واشتمل على الكتيبة الرابعة من فوج الرماة الخامس والستين، وكوكبة سباهيين، وبطارية مدافع عيار 80 مم.
• الرتل الخامس: بقيادة الليوتنان كولونيل «كوكوناسCAUCANAS» وتقدم إلى المدينة من جهة الشمال، واحتوى كتيبتين من الرماة، وكوكبة أقليات شركسية وفصيلة رشاشات 65 مم.
تمركزت هذه الأرتال الخمسة في قواعد انطلاقها مساء 18 تموز ثم بدأت بالتقدم باتجاه دمشق صباح اليوم التالي، وتعرضت في طريقها لأعمال مقاومة مسلحة متفرقة، أما الرتل الثاني وخاصة الرتل (ب) الذي يقوده «فانج VING» فقد انطلق من أوتايا صباح 20 تموز، وأخذ لنفسه جبهة بعرض 5كم «لتطهيرها من الثوار» كما يذكر الأمر اليومي الذي تلقاه. وتقع هذه الجبهة في قلب بساتين الغوطة (الزور).
وفي الساعة 10.30 صباحاً وصل الرتل إلى (كفر بطنا) التي أخلاها الثوار وكمنوا في قرية (عين ترما) والبساتين المحيطة بها.
وقد حاول الليوتنان كولونيل فانج الوصول بقوات رتله عندئذ إلى (عين ترما)، لكنه جوبه بنيران غزيرة سقط بنتيجتها الليوتنان «كورسونCOURSON» قتيلاً ولما حاول الليوتنان «إيجارتيلرEGARTELER» إنقاذه أصيب بثلاث رصاصات جندلته، فأرسل فانج مفرزة ارتباط بإمرة الكابورال «كريسكيهCRISQUET» إلى القائد العام للرتل، الكولونيل ماسييه، لإعلامه بما جرى ولطلب النجدة منه، ولم يقدر لهذه المفرزة أن تصل إلى مركز قيادة الرتل لأنها أبيدت في طريقها ولم ينج منها أحد، وفطن قائد الرتل العام إلى وجود كمين من الثوار في المنطقة، وذلك حين مرت طائرة فرنسية يقودها الليوتنان «دوازليهDOISLAY» والسرجان «غريسرGREISSER» في سماء المنطقة فأسقطها المجاهدون على مقربة من (عين ترما).
وفي هذا الوقت دفع الليوتنان كولونيل «فانج» بمقدمة رتله إلى الأمام لتحديد أماكن حشود الثوار حول هذه القرية فأوقف المجاهدون (بإمرة فوزي القاوقجي) بنيرانهم جنود هذه المقدمة واضطروها للتراجع فقد جوبهت بنيران انصبّت عليها من داخل القرية وخارجها، واضطر قائدها «ده رونسرايDE RONSERAY» لاتخاذ الوضعية الدفاعية بقوة لا يزيد عدد أفرادها عن ثلاثين جندياً، وأما الكوكبة التي كان يقودها الكابيتين «سيروSEROUX» فقد تمكنت من الالتحاق بقيادة الرتل في الساعة 12.15 ، بعد تعرضها لبعض الخسائر، وأعطى قائد الرتل الليوتنان «فانج» عندئذ أمراً للكوكبة الموجودة في (شبعا) بأن تأتي لنجدة الكوكبة المشتبكة في (كفر بطنا)، لكن الثوار فطنوا لهذه الحركة، وأجبروا هذه الكوكبة على أن تنحرف إلى الجانب الشمالي من هذه القرية، وهذا ما أوقع الوحدات التابعة لهذا الرتل في حالة فوضى، بعد أن انعدم كل اتصال أو ارتباط بينها، وبعث قائد الرتل عندئذ فصيلة ارتباط لإيجاد نوع من الاتصال بين وحدات رتله، ولكن هذه المحاولة لم تنجح بتأثير ضغط الثوار.
وقام الثوار، حوالي الساعة 13.00 من ذلك اليوم، بالانتقال من حالة الدفاع إلى الهجوم، فانقضوا على قرية (كفر بطنا)، لإبادة الوحدة التي كان يقودها الكابيتين «رونسراي» داخلها، فاضطر الكولونيل «فانج» عندئذ لاستلام قيادة الوحدة بنفسه بعد سقوط قائدها قتيلاً، وما لبث فانج أن سقط قتيلاً بدوره حوالي الساعة 13.30 من اليوم نفسه، فاستلم القيادة مكانه الكومندان «ده بيانكورDE BAILLENCOURT» وأمر الجنود باستخدام بيوت القرية معاقل لهم، فقام الثوار بمهاجمة هذه البيوت والاشتباك مع الجنود بالقنابل اليدوية والسلاح الأبيض، وبالأيدي أحياناً، وقضي على مجموع أفراد الكوكبات الثلاث التي كان يتألف منها رتل الكولونيل «فانج» عدا ثلاث مفارز صغيرة تمركزت في معصرة زيت، والثانية في دار سكن، والثالثة في مئذنة مسجد القرية.
وفي صباح يوم 21 تموز1926 لم يبق مع الجندي الواحد من أفراد هذه المفارز الثلاث إلا 40 طلقة، إلى أن جاءت طائرة استطلاع أخبرت القيادة بالأمر، فسيرت نجدة سريعة إلى (كفربطنا) بإمرة قائد الرتل الثالث، الكولونيل «غودوGOUDOT» الذي كان متوقفاً عند تخوم قرية (يلدا) منتظراً الإذن له بالدخول إلى مدينة دمشق بعد إتمام مهمته.
وقد سقط من الفرنسيين خلال معركة ( كفربطنا) وما جاورها ما يفوق مائة قتيل ومائتي جريح، إلا أن المصادر الفرنسية لا تقر إلا بـ 72 قتيلاً (بينهم أربعة ضباط) و26 جريحاً (بينهم أربعة ضباط أيضاً) ، بينما خسر الثوار 17 شهيداً فقط، وقد كانت هذه المعركة ناجحة في جميع المقاييس، ولهذا لا يزال يذكرها المجاهدون القدامى، من أبناء المنطقة، بكل فخر.