الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الكفاح ضد الانتداب الفرنسي  معلومات تفصيلية

احتلال حاصبيا وحصار راشيا (وادي التيم / لبنان):
بعد أن اطمأن الثوار أوائل تشرين الثاني 1925 إلى أن الخطر قد زال مؤقتاً عن مجدل شمس صمّموا على استعادة القرى اللبنانية المجاورة من الفرنسيين، وخاصة بعد أن وصلتهم رسائل من وجوه هذه القرى يطلبون فيها إنقاذهم من الاحتلال الفرنسي.
وسارت لهذه الغاية حملة من المجاهدين برئاسة حمزة الدرويش، فاحتلت قرية (حاصبيا) فعلاً يوم 9 تشرين الثاني 1925 دون أية خسائر، ولكنها فقدت أربعة شهداء عند احتلالها لقرية كوكبا في اليوم التالي (10/11/1925)، وقام المجاهدون، بعد ذلك باحتلال (برغز) و (مرجعيون) في 15 تشرين الثاني، مما أجبر الفرنسيين على الانسحاب إلى النبطية بعد سقوط حوالي 30 قتيلاً منهم.
وبعد احتلال هذه القرى أراد الثوار الوطنيون احتلال قلعة (راشيا)، ليتمكنوا بعدها من التقدم إلى سهل البقاع لاحتلال رياق وقطع خط الاتصال الحديدي بين دمشق وحلب من جهة، ودمشق وبيروت من جهة ثانية، فزحفوا باتجاه بلدة راشيا ووصلوها يوم 19/11/1925.
كانت حامية راشيا الفرنسية تحت قيادة الكابيتين «جراجينيه GRANGER» ومكونة من الوحدات التالية:
1) الكوكبة الرابعة من الفرقة الأجنبية الأولى بإمرة «الكابيتن لاندريوLANDRIAU».
2) الكوكبة الرابعة من فوج السباهيينSPAHIS الثاني عشر بإمرة «الكابيتين غرومايرفييل–GROS - MAYREVIELLE».
3) رعيل رشاشات من فوج السباهيين الثاني عشر بإمرة «الليوتن انغارديGARDY».
4) مائة دركي محلي بإمرة «الليوتنان تينيهTINI».
وفي 19 تشرين الثاني أمر قائد الحامية بإرسال رعيل من رجال الدرك المحلي كأدلاء، فتعرض هذا الرعيل للاشتباك مع مفرزة متقدمة من الثوار، وخسر قتيلين، كما أصيب ثلاثة من أفراده بجراح بليغة، وهذا ما جعل قائد الحامية يرسل رعيلاً من السباهيين بإمرة الليوتنان «غينارGUINARD»، ومعه بضعة أفراد من رجال الدرك، لنجدة الرعيل الأول، وجرى تطويق الرعيل الأخير، وفقد رجال الدرك قائدهم (الليوتنان تينيه)، ولم يتمكنوا من العودة إلى القلعة إلا بشق الأنفس، وتوقف قائد الحامية بعد ذلك عن إرسال مفارز الاستطلاع وأمر جملة أفراد الحامية باللجوء إلى القلعة، بعد أن وصلته تعليمات مشدّدة بلزوم الدفاع عن بلدة راشيا مهما كان الثمن، وقام بتحصين القلعة وإحاطتها بالأسلاك الشائكة، وتحسين استحكاماتها، ولم يتورع عن هدم كثير من بيوت البلدة لأنها كانت تقف في طريق مرمى أسلحتها المستقيمة.
وفي يوم 20 تشرين الثاني تعرضت الحامية لرمايات كثيفة من بعض بيوت القرية ومن المرتفعات المجاورة، فتم إقفال أبواب القلعة، ولجأ أفراد الدرك المحلي، الذين كانوا يرابطون فيها إلى مخفر (الحمّارة) على طريق دمشق، وبدأ الثوار بالتقدم نحو قلعة راشيا اعتباراً من صباح 21 تشرين الثاني 1925، بعد أن قطعوا جميع طرق المواصلات والاتصالات عنها، فاضطر قائد حاميتها لاستخدام سرب من حمام الزاجل لإيصال رسائله إلى القيادة العسكرية الفرنسية في بيروت.
ولقي الثوار صعوبات كبيرة أثناء التقدم باتجاه أسوار القلعة بسبب سيطرة الأسوار على الأراضي المحيطة بها، بالنظر والرمي معاً، حتى مسافة 500 متر تقريباً ودفع كثير منهم حياته ثمناً لمحاولة الوصول إلى باب القلعة أو أسوارها وبلغت خسائر الفرنسيين في اليوم الأول من الحصار أربعة قتلى وخمسة عشر جريحاً.
وفي صباح 22/11/1925 شدد المجاهدون الضغط على القلعة المحاصرة وقام نفر منهم بربط سلّمين إلى بعضهما للارتقاء إلى أعلى السور، بينما حاول نفر آخر منهم كسر باب القلعة والدخول منه.
وتمكّن أحد المجاهدين من جندلة «الكابيتين جرانجيه» قائد الحامية، فاستلم الكابيتين «غرومايرفييل» قيادتها وأمر باللجوء إلى برج القلعة الحصين والدفاع المستميت عنه، وفي يوم 23 تشرين الثاني كثّف الثوار الهجوم وتمكنوا من الدخول جزئياً إلى القلعة، واحتلال القصر الذي في داخلها مرتين متواليتين.


ولكن المدافعين تمكنوا من إخراجهم بعد هجوم معاكس عنيف شنّوه عليهم بالحراب، ومع ذلك بقي الثوار المهاجمون يحتلون القصر بعد أن أجبروا المدافعين عنه، بإمرة «الليوتنان ده مدرانو» على الجلاء واللجوء إلى البرج، حوالي الساعة الثامنة والنصف من صباح ذلك اليوم، بعد أن أصيب قائدهم بجرح بليغ.
وحاول الثوار أن يقتحموا الباب الرئيسي للقلعة فلم يفلحوا نظراً للمقاومة العنيفة التي كانت تؤمنها مجموعة من رجال الفرقة الأجنبية بإمرة «الأجيدان شيف كازو» فاستخدم الثوار عندئذ نفقاً سرياً يؤدي إلى داخل القلعة دلّهم عليه واحد من أهالي القرية، إلا أن الثوار تعرضوا عند الخروج من النفق لرماية أحد الرشاشات الموجهة إلى مخرجه وقام الليوتنان ديفاري، ومعه مجموعة من رجال الفرقة الأجنبية بالهجوم على النفق والبيت المتصل به واحتلاله، إلا أن مقتل «الأجيدان شيف كازو» حوالي الساعة العاشرة صباحاً زعزع معنويات المدافعين من جديد.
وعاد الثوار فسيطروا على الوضع تماماً حوالي الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم 21/11 وكادت القلعة أن تسقط تماماً بأيديهم لولا ورود نجدة من الطائرات الفرنسية قصفت الثوار بالقنابل، وألقت رسالة إلى الحامية تفيد بقرب وصول النجدات، إلا أن الرسالة سقطت خارج القلعة، وقد تمكن الثوار من الاطلاع على فحواها وفي الساعة الثامنة مساء وصل من جزّين رتل النجدة الأول، وهو فوج السباهيين السادس، بقيادة «لوبيز LOPEZ» ومعه فصيلة مدفعية، وانطلقت في الوقت نفسه نجدة أخرى من رياق.
وفي يوم 24/11/1925 خفت حدة الهجوم بعد وصول النجدة الثانية، التي تألفت من الكتيبة الحادية والعشرين من رماة جزائريين بقيادة الكومندان «لوانيه LOYNET»واضطر الثوار المهاجمون للانسحاب من القلعة إلى القرية، ومنها نحو الشرق الجهة الوحيدة التي بقيت مفتوحة أمامهم، بعد تطويق النجدات الفرنسية للقلعة من الجهات الثلاث الأخرى، وفي الساعة 12,30 من اليوم ذاته دخلت كوكبة من فوج السباهيين السادس بقيادة الكابيتين «ستوكليهSTOKLE» إلى القلعة وفكت الحصار عنها نهائياً، بعد أن فقدت حاميتها نصف عديدها تقريباً، ونفقت خيولها جميعاً بسبب الرمايات المتبادلة بين الطرفين.
وأما الثوار فقد خسروا حوالي مائة شهيد، إضافة إلى ثلاثة أمثال هذا العدد من أبناء القرى المسالمين الذين أعدمهم الفرنسيون بعد انسحاب الثوار بتهمة تقديم العون إلى هؤلاء، وتدعي بعض المصادر الفرنسية أن عدد الثوار الوطنيين الذين حاصروا راشيا بلغ 4000 رجل (علماً بأن عددهم لم يصل إلى نصف هذا الرقم) وتحدد عدد قتلاهم بـ 400 ، وهكذا انتهت معركة حصار راشيا، التي تجمع المصادر العربية والفرنسية على الإشادة بها.