الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الكفاح ضد الانتداب الفرنسي  معلومات تفصيلية

 معركة المزرعة (2/3آب 1925):
أثار المفوّض السامي الجنرال ساراي نبأ النتيجة التي انتهت إليها حملة الكابيتين «نورمان» (في الكفر)،

وزاد استياؤه حين سمع بمحاصرة الثوار لقلعة السويداء، التي لجأت إليها حامية هذه المدينة عقب المعركة، فأمر أحد مساعديه الكبار الجنرال ميشو MICHAUO بتشكيل حملة ضخمة والتوجه بأقصى سرعة إلى الجبل لفك الحصار عن قلعة السويداء، وإعادة هيبة الحكومة الفرنسية في المنطقة، وضمت هذه الحملة: ثلاثة أفواج مشاة، وكتيبة مدفعية ميدان من عيار 75 مم، وكتيبة مدفعية جبلية عيار 65 مم، وكوكبتين معززتين من الفرسان وسرية دبابات خفيفة، ومفرزة إدارية، فأصبح تعداد الحملة في حدود 3000 رجل تقريباً.
وتألفت مقدمة هذه الحملة من «كتيبة سيارة Bataillon de marche» بقيادة «لوانيه LOYNET» والسرية الأولى من فوج الرماة الجزائريين الحادي والعشرين التي يقودها «كابيلCABEL»، وسرية سنغالية وسرية من الفرقة السورية يقودها «لوغاي LE GAY» وسرية أخرى (السرية الثانية) من فوج الرماة الجزائريين الحادي والعشرين بقيادة الكابيتين «جيرهاديGERHADY» ورعيل رشاشات بإمرة الليوتنان «غاسيهGASQUET».
وقد أعطى الجنرال ميشو إلى المقدمة أمراً بالتحرك إلى قرية (بصر الحرير) لاحتلال الجسر الكائن هناك قبل أن يعمد الثوار إلى تدميره فيعوقوا وصول قلب الحملة إلى السويداء.
وتحرّكت المقدمة لتنفيذ مهمتها بعد ظهر 30 تموز 1925، وأمر ميشو بقية وحدات الحملة بعدم التحرك إلا على بعد معين من المقدمة، بشكل يضمن لها الأمن والحيطة، ووصلت المقدمة إلى قرية (بصر الحرير) في مساء اليوم نفسه فقام بمهاجمتها في الساعة 21,30 عدد كبير من الثوار طوقوا معسكرها طيلة الليل، وتضاعفت قوة الهجوم عليها عند الفجر، فتعرضت فصيلة الرشاش التي يقودها الليوتنان«سيكالديCECCALDI» لهجوم عنيف انتهى بمصرع هذا الأخير وجميع أفراد الزمرة التي كانت تعمل على الرشاش، وفي الساعة الحادية عشرة ليلاً، هاجمت مجموعة أخرى من الثوار (حوالي 200 مجاهد خيال) سرية «غابيلGABEL»، إلا أن أفراد السرية تصدوا لها بالحراب فاضطرت للانسحاب وبلغت خسائر الفرنسيين في موقعة (بصر الحرير) ثمانية قتلى أحدهم ضابط، وخمسة عشر جريحاً بينهم ضابطان.
ولما وصل قلب الحملة إلى قرية (الدور) قابلها الثوار بهجمات مفاجئة عنيفة مما عرقل سيرها وأخّرها حتى يوم 2 آب فاستأنفت سيرها باتجاه موقع المزرعة، الذي يبعد عن السويداء حوالي 17 كم وقام سلطان الأطرش عندئذ بإبقاء قوة ضئيلة نسبياً لمتابعة حصار قلعة السويداء، وأمر بقية رجال مجموعته (حوالي 1000 مجاهد بينهم 300 خيال) بالتوجه لضرب الرتل المتقدم باتجاه السويداء بمجرد وصوله إلى موقع المزرعة.

ولتنفيذ هذه المهمة جيداً وزع سلطان جملة المجاهدين الذين معه إلى مفرزتين:
1) مفرزة المشاة: ومهمتها احتلال الهضاب الصخرية الموجودة شمالي المزرعة بغية قطع الطريق أمام الرتل الفرنسي، ومنعه من الوصول إلى هذه القرية التي تتمتع بأهمية تعبوية بارزة.
2) مفرزة الفرسان: وقد تم حشدها حول قرية (الدور) لمهاجمة مؤخرة الرتل الفرنسي، والاستيلاء على قافلة المؤن والذخيرة، وذلك عندما يصبح الرتل في الأرض المكشوفة الكائنة حول نبع المزرعة.
ونفذ الثوار هذه الخطة بدقة، حيث هاجم قسم منهم مؤخرة الرتل عندما وصل إلى المزرعة في ليلة 2/3/آب 1925 فأبادوا بعض وحداته بينما فر أغلب أفراد الوحدات الأخرى.
وفي الوقت نفسه تعرضت مقدمة الحملة وجناحها الأيسر لنيران المجاهدين المشاة المرابطين على طول الطريق العام، في المناطق الصخرية المحاذية له من جهة الشمال، وفي يوم 3 آب أصبحت الحملة تحت رحمة المجاهدين الذين أحاطوا بها من كل اتجاه، وخاصة بعد انضمام جماعة مجاهدي المقرن الشمالي التي أبلى أفرادها البلاء الحسن، وطيلة يوم 3/8/1925 كان عدد المجاهدين بازدياد، فقد هب شباب القرى المجاورة وكهولها إلى ساحة المعركة للهجوم على جند الفرنسيين وكانوا يحملون ما تيسر لهم من الأسلحة النارية (البواريد)، والبيضاء (السيوف والخناجر)، وحتى مناجل الحصاد؟
أباد الثوار عبر هذه الحملة كتيبة فرنسية كاملة (وهي كتيبة أوجاكAUJAC) التي خسرت أكثر من عشرة ضباط فرنسيين (الكومندان سودوا، الكابيتين فور، الليوتنان بيستاني، الليوتنان بيلو، الليوتنان بيجولو، الليوتنان تشيرفر...).
وبحلول المساء كان الجنرال ميشو قد فقد سلطته تماماً على قواته المبعثرة المفككة، فأعطى الأمر بالانسحاب ليلة 3/4 آب تاركاً في ساحة المعركة حوالي 1000 قتيل.
وقد أقرت المصادر الرسمية الفرنسية بما يقارب هذا الرقم من الخسائر، فذكرت أن عدد القتلى كان 51، وعدد الجرحى 361، وعدد المفقودين 460 أي أن جملة الخسائر كانت 872 (39 ضابطاً و833 جندياً) بين قتيل وجريح ومفقود.
كذلك فقد خسر الفرنسيون عتاداً حربياً هاماً منه مدفع 105 مم، ومدفع 75 مم، ومدفعان 65 مم، وعدد من البنادق بلغ ألفي بندقية، وكمية كبيرة من الذخيرة، وهذا ما حمل بعض المصادر الفرنسية على القول بأن معركة المزرعة هي أكبر كارثة تعرضت لها القوات الفرنسية العاملة في سورية طيلة أيام الثورة السورية.
وقد خسر الوطنيون بالمقابل حوالي 150 شهيداً.
وقامت المصفحات الفرنسية في يوم 3 آب 1925 بمحاولات يائسة لتأمين الاتصال بين وحدات حملة ميشو أو تموينها بما تحتاجه من الإمدادات ولكن الثوار تصدوا لها ومنعوها من تنفيذ مهامها وأنزلوا بها أفدح الخسائر، فكانوا يختبئون خلف الجرود بعد أن يضعوا سدوداً من الأحجار في طريق المصفحات فإذا توقفت هذه ونزل سدنتها منها لإزالة الأحجار انقض عليهم المجاهدون فأبادوهم، ومن ظلوا ضمن المصفحات كانوا يلاقون المصير نفسه، حيث كان الثوار يتسللون باتجاهها ويهاجمونها من الزوايا الميتة، ويدخلون فوهات بنادقهم من كواها ثم يطلقونها على السدنة فيقضوا عليهم، وقد تمكن الثوار في ذلك اليوم (3 آب 1925) من قتل الليوتنان غاسكيهGASQUET، مع سدنة خمس مصفحات: ثلاثة منها تابعة للكوكبة الثامنة عشرة، والاثنتان الأخريان للكوكبة الثامنة والعشرين.


وكان لمعركة المزرعة نتائج هامة في مجرى الثورة السورية، فقد زادت من معنويات الثوار في جبل العرب، وقوّت تسليحهم بما كسبوه من غنائم، إضافة إلى أنها دفعت قيادة الثورة لمحاولة إيجاد واجهة سياسية لها، للاهتمام بالأمور المدنية والأمور السياسية خارج الجبل.
وهكذا عمد سلطان باشا الأطرش، بعد تحقيقه هذا النصر، إلى الاتصال بنفر من الوطنيين في دمشق، وعلى رأسهم عبد الرحمن الشهبندر ونزيه المؤيد العظم لنقل الثورة إلى دمشق، ولوضع خطط موحدة للدفاع عن حقوق البلاد والوقوف في وجه المحتل الأجنبي بالتعاون بين زعماء النضال السياسي وقادة الكفاح المسلح، كما نادى الشعب السوري بكامله للثورة ببيان أصدره يوم 23 آب 1925 .