الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الكفاح ضد الانتداب الفرنسي  معلومات تفصيلية

 معركة الكفر بقيادة سلطان باشا الأطرش (21 تموز 1925):
بعد أن قام ثوار جبل العرب بإحراق دار البعثة الفرنسية في بلدة صلخد، أمر الجنرال سول SOULE قائد المنطقة العسكرية الجنوبية التي تضم دمشق وحوران وجبل العرب، حامية السويداء، بتسيير حملة تأديبية إلى جنوب الجبل لتعيد هيبة السلطة الفرنسية من جهة، وللقبض على سلطان باشا الأطرش وجلبه مخفوراً إلى دمشق من جهة ثانية.
وفي يوم 20 تموز 1925 تم تعيين حملة تضم 180 رجلاً (7 ضباط و173 جندياً وصف ضابط)، بقيادة الكابيتين نورمان NORMAND وهي تضم الوحدات التالية:
*) 111 جندياً من الفوج الثاني في (الفرقة السورية LA LEGION SYRIENNE)، بقيادة الليوتنان «هيلمجيزونHELME GUIZON».
*) 54 خيالاً من السباهيين من ملاك الفوج الثاني للسباهيين التوانسة، بإمرة الكابيتين «ماي MAILLE» ويساعده الليوتنان «كارييرCARRIERE».
*) ثمانية جنود خيالة من الكوكبة الدرزية بإمرة ضابط.
*) الطبيب الأول «فورنييهFOURNIER».
*) الضابط المترجم جوزيف صايغ.
ووصل هذا الرتل صباح 20 تموز إلى قرية (الكفر)، فقام بالتفتيش عليه هناك الكومندان «تومي مارتان TOMMMY MARTIN» حاكم جبل الدروز بالوكالة، ثم عاد هذا إلى السويداء في اليوم نفسه، فوجد هناك الطبيب «فيربوزييهVERBEIZIER»، وكلفه فوراً بالالتحاق برتل الكابيتين «نورمان» برفقة سيارة صحية.
أقام الكابيتين نورمان مخيمه قرب نبع «الكفر»، ونقله بعد الظهر إلى أرض مجاورة مرتفعة نسبياً تسيطر على السهل المجاور لها، إلا أن هذه الأرض كانت مقسمة إلى عدة قطاعات، بينها جدران قليلة الارتفاع يمكن استخدامها كمساتر، وتم وضع الخيالة السباهيين في مكان، وجنود الفرقة السورية من المشاة في مكان ثان، ومركز القيادة مع بغال النقل وذخيرة الحملة في مكان ثالث.
وفي صباح يوم 21 تموز 1925 مرّ الكابيتين الطيار «بواسونBOYSSON» بطائرته في طيران استطلاعي فوق طريق السويداء - الكفر - صلخد، ولم يسترع انتباهه ما يثير الريبة، فعاد وحطّ في مطار السويداء حوالي الساعة 10,30 من صباح ذلك اليوم، ويبدو أن سلطان الأطرش كان يتتبع الحملة منذ انطلاقها من السويداء، وبما أنه كان يعرف منطقة الكفر التي تمركزت فيها معرفة جيدة، قام بتقسيم المجاهدين الذين كانوا معه وفق طبيعة الأرض وحجم القوة المعادية وكيفية تمركزها، وكانت خطته الهجومية بسيطة ولكنها فعّالة، حيث قسم عناصره إلى ثلاث مفارز، مفرزة مشاة (رجّالة) ومفرزتي فرسان (خيالة)، وقد كلف سلطان مفرزة المشاة بالتسرب بحذر، والتقرب ما أمكن من الناحية الجنوبية الغربية للمعسكر، وهي منطقة وعرة يسهل الاحتماء بها، للقضاء على الجنود الذين سيحاولون اتخاذ أماكن مناسبة لهم للقتال فيها، وأما مفرزتا الخيالة فقد كلفهما بالتقدم من الشرق على جبهة واسعة بغية مهاجمة المخيم من الشمال الشرقي والجنوب الشرقي بالتتابع، وهي مناطق مفتوحة نسبياً وتسهل حركة الخيالة فيها.

وفي الساعة 12.30 من يوم 21 تموز وبعد أن تناول الجنود الفرنسيون طعام الغداء فكّوا سروج خيولهم لإراحتها، وهجعوا في قيلولة قصيرة أيقظهم منها هجوم فجائي شرس شنّه عليهم حوالي 700 مجاهد (500 خيال و200 راجل) كمنوا خلف الجدران القصيرة وبدؤوا بإطلاق النار، وكان أول ما فعله الثوار هو السيطرة على الرشاش والاستيلاء عليه كغنيمة، بينما تم إسكات الرشاش الثاني في الجهة المقابلة.
وقد أحس قائد الرتل بضغط الثوار على موقعه في الساعة الثانية بعد الظهر فطلب النجدة من الكومندان «تومي مارتان» فأرسل هذا له ثلاثة رشاشات آلية ورعيلاً من السباهيين كلّفه بتغطية انسحاب مفرزة الكابيتين نورمان بكاملها إذا لزم الأمر.
وكان هجوم جماعة سلطان الأطرش على هذه المفرزة محكماً وعنيفاً بشكل لم يتمكن أفرادها من تنظيم أنفسهم في المعركة كما يجب، ونفدت الذخيرة خلال ساعة من القتال العنيف، وسقط الطبيبان «فورنييه»و«فيربوزييه» جريحين قبل الإجهاز عليهما بضربات السيوف والخناجر، وجرى الأمر نفسه للضابط المترجم جوزيف صايغ، وجُرح الكابيتين نورمان في فخذه الأيمن، ولما يئس من إمكانية متابعة المقاومة في ذلك المكان نفسه، أمر جنده بتركيب حرابهم ومحاولة شق طريق لهم، ولكن الانسحاب كان صعباً في تلك الظروف وبكثير من الصعوبة تمكنت مجموعة الضباط (الكابيتين نورمان - الكابيتين ماي – الليوتنان هيلمجيزون ـ الليوتنان كاريير)، ومعهم جماعة من السباهيين، من اللجوء إلى أرض مرتفعة نسبياً ومتابعة المقاومة لمدة عشرين دقيقة أخرى، قبل أن يتلقى الليوتن انهيلمجيزون رصاصة في رأسه، وأُجبر الباقون على محاولة التسلل والنجاة بأنفسهم، ولكن تم تطويقهم من جديد وسقطوا جميعاً بين قتيل وجريح أو مفقود ، وكانت الجماعة الوحيدة التي تمكنت من النجاة سليمة هي جماعة السيرجان «كابيولادشيCAPIOLADCHY» وكانت نجاتها بفعل الحظ، إذ كان أفرادها مكلفين بمهمة سخرة في قرية الكفر نفسها لما نشبت المعركة، فاستجار أفرادها بمختار القرية الذي أجارهم، ثم أطلق سراحهم لكي يذهبوا إلى السويداء ويخبروا قائد حاميتها بما حدث.
ومن أصل تعداد رتل «نورمان» الذي كان يضم سبعة ضباط و173 جندياً لم يَعُدْ من المعركة سليماً إلا:
*) رقيبان و47 جندياً من أفراد الفرقة السورية منهم 13 جريحاً.
*) عريف فرنسي (دو كار DU CARRE) ومعه 17 جندياً من الخيالة السباهيين بينهم 6 جرحى.
*) رام من الرماة الشمال أفريقيين.
وقُتل الباقون جميعاً وهم 7 ضباط و62 جندياً من أفراد (الفرقة السورية LA LEGION SYRIENNE)، و36 جندياً من السباهيين (بينهم ثمانية صف ضباط من الفرنسيين) وسائق سيارة فرنسي (المجموع 106 قتلى).
وسقط من الثوار حوالي عشرين شهيداً كان على رأسهم مصطفى الأطرش، شقيق سلطان وإسماعيل الأطرش نجل جاد الله الأطرش، ونصار البربور، وشكيب غزالة.
وتعتبر معركة الكفر(21 تموز 1925) مثلاً ناجحاً عن الإغارة الحربية النموذجية، فقد توفّرت عوامل النجاح من:
*) التحضير الجيد.
*) معرفة أرض المعركة مسبقاً بصورة دقيقة.
*) المهارة في استخدام الأرض من حيث التضاريس والسواتر.
*) السرعة والفعالية في التنفيذ.
*) بسالة المنفذين في أدائهم لمهامهم.
*) التنسيق الجيد بين مختلف العناصر القائمة بالإغارة وقيادتها.