الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الكفاح ضد الانتداب الفرنسي  معلومات تفصيلية

معركة العنابزة (في منطقة الفرات):
في حزيران 1921 توجهت حملة عسكرية من حلب إلى دير الزور، بقيادة الليوتنان كولونيل « لوموانLE MOIGNE»، فاحتلتها وبقيت فيها شهراً كاملاً، ثم عادت إلى حلب في الشهر التالي، بعد أن تركت قسماً منها يضم حوالي 300 جندي كحامية في المدينة. ونظراً لتدخل رجال الحامية، وخاصة رئيسها الكابيتين ريشار في شؤون القبائل بشكل فظ، قام أفراد من هذه القبائل خاصة من أبناء عشيرة العقيدات وعشيرة العنابزة، بقيادة المجاهد تويني الجنيد. بمهاجمة مطار دير الزور، ليلة16/17 أيلول 1921، فأحرقوا إحدى الطائرات الفرنسية الجاثمة على أرض المطار، وقتلوا عدداً من الحراس، ثم نزلوا إلى المدينة وهاجموا المراكز الإدارية والأمنية التي كان يحتمي الفرنسيون فيها .
ولم تسكت القيادة العسكرية الفرنسية في حلب عن هذه الضربة القاسية لنفوذ فرنسا وهيبتها، فسيرت حملة عسكرية كبيرة بقيادة الكولونيل «ده بيوفرDE BIEUVRE» من حلب باتجاه دير الزور، يوم 28 أيلول 1921.
وقد ضمت هذه الحملة الوحدات العسكرية التالية:
* من المشاة:
- كتيبة الرماة السنغاليين، من فوج الرماة السنغالي السابع عشر، بقيادة الكومندان بلاشيرBLACHERE.
- كتيبة من فوج الرماة الجزائريين التاسع عشر بقيادة الكومندان بوسونBOSSON.
- كتيبة من فوج الرماة الجزائريين الثاني والعشرين بقيادة الكومندان غي GUY.
* من المدفعية:
بطاريتين بإمرة الكومندان لاتLATTES وتتألفان من:
- بطارية عيار 75 مم بإمرة راندوRENDU.
- بطارية عيار 65 مم بإمرة روغونROUGON.
* من الخيالة:
مجموعة خيالة يقودها الكومندان فانج VING وتتألف من:
- كوكبة من فوج الخيالة الخفيف السادس بقيادة آمانريشAMANRICH.
- كوكبة من فوج السباهيين الحادي والعشرين بإمرة ده لامازDE LAMAZE.
ـ رعيل رشاشات مفرز من فوج السباهيين الحادي والعشرين بإمرة أوتيشانAUTICHAMPS .
ومن الوحدات الخاصة كان هناك فصيلة هندسة، ورعيل من الهجّانة ورعيل من الخيالة المتطوعة الشركس.
ـ غادر هذا الرتل حلب يوم 28 أيلول 1921 متبعاً ضفة الفرات اليمنى، باتجاه دير الزور، واضطرت القبائل والعشائر القاطنة بين حلب ودير الزور لإبداء الطاعة إلى الكولونيل قائد الرتل، ما عدا جماعتين (فخذين) من قبيلة العقيدات هما «عشيرة البوخابور» النازلة على الضفة اليمنى للفرات بين دير الزور والميادين و «عشيرة البوبكر» النازلة على الضفة اليسرى لهذا النهر


وبعد بعض المناوشات بين الطرفين آثر شيوخ هاتين العشيرتين المسالمة، وسمحوا لقوات الحملة الفرنسية بالمرور عبر أراضيهم أو الاستقرار فيها، ولكن أبناء عمومة عشيرة البوخابور، وهم فخذ يسمّون «العنابزة» ويسكنون على الضفة اليسرى للفرات، لم يقبلوا بشروط هذا الاتفاق، فقاموا باجتياز الفرات إلى الضفة اليسرى وتمركزوا في قرية «أخشام» تحت قيادة رئيسهم عسّاف الشويحط، ونفر من فرسان العشيرة المعروفين مثل حمود الحمادي وصديقه عربيد الشحيتر (عرسان الشحيتر في بعض المصادر).
وقد أراد الفرنسيون أن يكملوا احتلال الضفة اليسرى للنهر، بين دير الزور والميادين فاحتلوا أولاً «تل السن» ثم تقدموا باتجاه الجنوب الشرقي، واصطدموا بجماعة كبيرة من العنابزة الذين استبسلوا في الدفاع عن قريتهم وما حولها، إلى أن أمر قائد الرتل بتدخل المدفعية وسرب من الطائرات في قصف مواقع المجاهدين داخل القرية وخارجها، دون أن تتوصل الطائرات للقضاء على مقاومتهم بالرغم من إلقائها 1400 كغ من القنابل فوقهم، ويعترف الكولونيل ده بيوفر في التقرير الذي قدمه تحت رقم 915، إلى قائد الفرقة الثانية من جيش الشرق في حلب، عن حركات الرتل العسكرية يوم 24/10/1921، بأن شباب العنابزة المدافعين عن القرية «قد برهنوا عن ثبات جدير بالملاحظة، وأنهم امتازوا بشجاعة وجرأة لا شك فيهما»

 

 

 

 

وإثر القصف بالمدفعية والطيران والرشاشات لمدة قاربت خمس ساعات، واستشهاد قادة شباب العنابزة (عساف الشويحط، حمود الحمادي، عربيد الشحيتر) انسحب بقية المدافعين بعد أن كبدوا العدو خسائر فادحة، وأقر الكولونيل «ده بيوفر» قائد الرتل، في التقرير الذي رفعه إلى قيادة الفرقة، بمقتل أربعة ضباط (هم الملازمون: لوسياني، ميكيل، أوتيشتان، لياس)، وجرح خمسة (الكابيتين فافر، الكابيتين مارفان، والملازمون: سالان، بروتا، ليبس)، وبلغ عدد القتلى من الجنود 26 (3 فرنسيين و23 غير فرنسيين)، وعدد الجرحى 95 (6 فرنسيين و89 غير فرنسيين) ، وكانت الوحدتان الفرنسيتان اللتان تعرّضتا لأكبر نسبة من الخسائر هما سرية غزازياني، وكوكبة ده لاماز، وقد دُفنت جثث القتلى في قرية أخشام نفسها (لا تزال منطقة الدفن تسمى قبور السنغاليين)، وتقدر المصادر العربية خسائر القوات الفرنسية بأرقام أعلى بكثير من تلك التي أتت بها المصادر الفرنسية.
6) معركة بياندور (الجزيرة العليا):
كان نفر من المواطنين القاطنين في أعلى الجزيرة قد استاؤوا من قائم مقام هذه الناحية بسبب تعاونه مع الفرنسيين وتنفيذه لأوامرهم، فقاموا باغتياله في شهر حزيران 1923، ولجأت السلطة الفرنسية لإقامة مخفر دائم في قرية بياندور (التابعة لمركز القحطانية حالياً)، رغم معارضة سكانها المحليين من عرب وأكراد لهذا الإجراء، وكان يشغل هذا المخفر، في أواسط شهر تموز 1923، رعيلان PELOTONS من الهجّانة الفرنسية، أحدهما بقيادة الليوتنان روبرتو ROBERTO والثاني بقيادة الليوتنان كاريرCARER، وكانت القيادة للضابط الأول، وفي 26 تموز وصل رعيل ثالث، بإمرة الليوتنان موريل MAUREL وقد اغتنم الليوتنان روبرتو فرصة وصول هذا الرعيل الإضافي لكي يقوم بتبديل رعيل الليوتنان كارير ولكي يقوم بجولة تفتيشية في جزيرة ابن عمرو، مصطحباً معه أفراد رعيل كارير، وكذلك الليوتنان روجارREGARD، ورشاشاً مع سدنته برئاسة السيرجان جوهونGOHON، بينما بقي الليوتنان موريل الذي وصل لتوه إلى المنطقة في بياندور مع رعيله، بالإضافة لرشاش مع سدنته برئاسة السيرجان لياندريLEANDRE وحوالي عشرين دركياً، أي أن عدد من بقي في بياندور كان 80 رجلاً تقريباً، مع رشاش.
وفي 28 تموز 1923 تمت مهاجمة المخفر المذكور من قبل جماعة من الثوار تضم حوالي 500 خيال، قامت بتطويق المخفر ومحاولة إبادة عناصره، ودامت عملية التطويق يومي 28 و29، وسقط سدنة رشاش السرجان لياندري بين قتيل وجريح، وزاد الوضع سوءاً بالنسبة للجند المحاصرين قيام الثوار بالسيطرة على نبع الماء، وعدم وجود خزانات ماء إضافية ضمن المخفر، ولما حاول المدافعون اقتحام خط الثوار للتزود بالماء لم ينجحوا إلا بإملاء عدة أوعية صغيرة (زمزميات) بينما خسروا أربعة قتلى مقابل ذلك، وبعد ظهر يوم 29 تموز قرّر الملازم موريل الانسحاب من الموقع باتجاه تل ناصر، الذي يبعد حوالي 8 كم إلى جنوب بياندور، فكلّف هذا الانسحاب الرعيل المنسحب تسعة قتلى وخمسة عشر جريحاً ومفقوداً، وكان رتل روبرتو الذي وصل إلى جزيرة ابن عمرو، قد عاد فبات ليلة 29/30 تموز في وادي الرميلان، وسار باتجاه تل عبّاس فوصله الساعة 19,30 من مساء اليوم التالي.

 

وهناك تعرّض لهجوم ضخم من جماعة من الثوار الخيالة، على ضفاف نهر الجرابي، مما أوقع الفوضى في صفوف الرتل، وخاصة بعد أن ذُعرت الجمال وحاولت الهرب، وفشل الملازمان كارير وروجار، والسرجان آدم، بتجميع الرتل من جديد، ولما حاول كارير شق طريق له ولمجموعته باتجاه رتل روبرتو لم ينجح إلا في التقدم لمسافة بسيطة ثم سقط قتيلاً، وأما روجار فقد تم القبض عليه، وقُتل عندما حاول المقاومة، وكذلك كانت نهاية السيرجان آدم الذي قُتل بعد مقاومة عنيفة، وحاول الليوتنان روبرتو عندئذ إنقاذ رعيل الليوتنان كارير، وذلك بتوجيه رمايات كثيفة من الرشاش على الثوار لتأمين انسحابه، ولكنه أهمل حيطته الذاتية فتمكن الثوار من مهاجمته من الخلف وإبادة رعيله، وقتل هو نفسه حين حاول الدفاع ببارودة أحد جنده القتلى، وقتل كذلك السيرجان برامّا BRAMMA بعده بقليل.
وسقط من جراء المعركة جميع الفرنسيين والأفريقيين من أفراد الرعيلين وعددهم يفوق ستين ضابطاً وجندياً، وأما جنود الهجانة التسعون فقد سقط منهم 15 قتيلاً و3 جرحى، وهرب الباقون مع أفراد فصيلة الدرك، بعد أن سمح لهم المهاجمون بالهروب ، وانتهت هذه المعركة التي خطط لها وخاضها مواطنون عاديون من أبناء عشائر الشيتية بقيادة آل اليوسف، والحوّالة برئاسة الشيخ سلومي الحميد، وعشيرتي الراشد والبوعاصي، الذين تمكنوا من التغلب على مجموعة من الجند المدربين يفوق عددهم 150 مقاتلاً بينهم أربعة من الضباط وعشرة من صف الضباط.