الرئيسية  الموسوعة  تاريخ الجيش  الكفاح ضد الانتداب الفرنسي  معلومات تفصيلية

فرض الانتداب الفرنسي على سورية (1920 - 1928):
لما وقعت أحداث ميسلون في شهر تموز من عام 1920 كان المجتمع الدولي قد أقر إحداث نظام «التوكيل الدولي» أو «الانتداب LE MANDAT» ولكن القواعد التفصيلية لهذا النظام لم تكن قد أقرّت بعد، وكان على الجنرال غورو، المفوض السامي الفرنسي في سورية ولبنان، أن يدير الأراضي السورية إدارة عسكرية إلى حين إصدار نظام الانتداب من الجهة الدولية المختصة، ليتولى هو تطبيقه، ولكنه تجاهل ذلك وتصرف في بلاد الشام وكأنها «مستعمرة فرنسية في أراضي ما وراء البحار LE TAT DO GRAND LIBAN» وقام بإصدار سلسلة من القرارات جزّأت الأراضي السورية وجعلتها سبع دول:
1) في 31 آب 1920 أعلن غورو عن إنشاء «دولة لبنان الكبير LE TAT DU GRAND LIBAN»، وضم إليها أربعة أقضية كانت تابعة حتى ذلك الوقت لحكومة دمشق، وهي أقضية بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا.
2) وفي 8 أيلول 1920 أصدر قراراً يقضي بإنشاء «دولة حلب E TAT DALEP» وألحق بها إدارياً سنجقي (دير الزور) و (الاسكندرونة).
وبالقرار رقم 387 في 4 تشرين الأول من العام نفسه، تم تعيين الفريق كامل باشا القدسي وهو ضابط عثماني متقاعد، حاكماً على هذه الدولة، وعيّن إلى جانبه الجنرال ده لاموت DE LAMOTHE مستشاراً.
3) وفي 23 أيلول 1920 أصدر غورو قراراً جديداً بإنشاء «منطقة العلويين المستقلة ذاتياً TERRITOIRE AUTONOME DES ALAOUITES»، من أراضي لواء اللاذقية (العثماني) بما فيه أقضية صهيون وجبلة وبانياس، وقضاء حصن الأكراد وصافيتا من لواء طرابلس الشام (العثماني)، وناحية طرطوس، وقضاء مصياف من أعمال حماة، على أن تكون مدينة اللاذقية عاصمة لها، وقد عيّن الجنرال بيليوت حاكماً على هذه المنطقة.
4) وبعد أن استقال جميل الإلشي رئيس الحكومة السورية الثانية في عهد الانتداب، احتجاجاً على فصل منطقة العلويين عن الحكومة المركزية في دمشق، عهد المفوض السامي إلى حقي العظم بتشكيل الحكومة الجديدة، فقلّص هذا الأخير صلاحيات حكومته إلى «مجلس مديرين» بعد إلغاء منصب (وزارة الحربية) في الحكومة، وسمى نفسه «حاكم دولة دمشق GOUVERNEUR DE L ETAT DE DAMAS» اعتباراً من 3 كانون الأول 1920 .
5) وتماشياً مع فكرة التجزئة التي استنّها غورو اجتمع بعض زعماء جبل الدروز على هيئة مؤتمر وطني، واتخذوا جملة مقررات لتنظيم الشؤون الإدارية والمالية والقضائية الخاصة بالجبل، وقد حملها وفدٌ منهم إلى مندوب المفوض السامي في دمشق «دو كيه DE CAIX»، الذي اعتمدها يوم 4 آذار 1921، وبعدها أصدر المفوض السامي قراراً يقضي بأن يكون جبل الدروز «إقليماً يتمتع بالاستقلال الذاتي UN TRRITOIRE AUTONOME» أيضاً ، واستناداً لهذا القرار الأخير تم تعيين الأمير سليم الأطرش حاكماً للجبل، فدخل هذا إليه يوم 25/6/1921، ومعه بعثة فرنسية كانت تضم الكومندان «ترانكا» كمستشار إداري للحاكم، ونفراً من المستشارين الفنيين والإداريين والتراجمة والكتبة، وقوة من الجيش الفرنسي لفرض هيبة الحكومة الجديدة، كما تم تشكيل «مجلس تمثيلي» خاص بالجبل، يتكون من أربعين عضواً بالتعيين من زعماء الأسر الكبرى التي تقطن الجبل ، وقضى القرار بأن تكون كل من (صلخد) و (شهبا) مركز قضاء، وأن يحكم كل قضاء منهما قائم مقام من الأسرة المهيمنة في قراه (آل الأطرش فيما يتعلق بصلخد، وآل عامر بالنسبة لشهبا)، وأن يكون إلى جانب كل قائم مقام مستشار إداري فرنسي، وتم تشكيل قوة من الدرك المحلّي تعد 300 خيال يقودها ضابط فرنسي يعاونه ضابط من الأهالي، وكان أول ضابط من هؤلاء هو توفيق الأطرش، الذي مُنح رتبة «ليوتنان كولونيل: مقدم» لهذا الغرض.



وهكذا لم تكد تنقضي سنة واحدة بعد معركة ميسلون ودخول القوات الفرنسية إلى دمشق، حتى أصبحت سورية مجزأة إلى ثلاث دويلات (دمشق وحلب ولبنان الكبير)، وإقليمين يتمتعان بالحكم الذاتي (هما جبل العلويين وجبل الدروز)، وسنجقين (لواءين) تابعين لدولة حلب ولكنهما يتمتعان بقدر لا بأس به من الاستقلال الإداري والمالي (وهما سنجقا الاسكندرونة ودير الزور).
وقد لحظ الجنرال غورو أن سياسة التفرقة والتجزئة هذه لم ترق لأبناء الشعب السوري بمختلف فئاته وطوائفه فعمد إلى إعادة توحيد بعض المناطق التي سلف له أن حاول تجزئتها، فأصدر بتاريخ 8 حزيران 1922 قراراً أنشأ فيه ما سمّي «الاتحاد السوري LA FE DE RATION SYRIENNE» من ثلاث دويلات هي «دولة دمشق» و «دولة حلب» و«المنطقة المستقلة لجبل العلويين» بينما أبقى «الإقليم المستقل لجبل الدروز» خارج الاتحاد.
وتشكل «مجلس الاتحاد» من ممثلين عن دول الاتحاد الثلاث بالتساوي، واجتمع هذا المجلس لأول مرة في 28 حزيران 1922، وانتخب صبحي بركات عضو المجلس التمثيلي عن دولة حلب، رئيساً له، وهذا الإجراء غير شرعي من الناحية الدولية لأنه جرى قبل صدور «نظام الانتداب» في لندن يوم 24 تموز 1922، المبني على نص المادة 22 من صك عصبة الأمم

نص المادة 22 من صك عصبة الأمم، وهي المادة التي بني عليها نظام الانتداب الصادر في 24 تموز 1922

وفي 19 نيسان 1923 جرى سحب الجنرال غورو من منصبه في بيروت، وتم تعيين الجنرال «ويغان WEYGAND» مكانه، فوصل إلى مقر عمله في 9 أيار 1923، وحاول المفوض السامي الجديد أن يخفف من أسلوب «الإدارة العسكرية المباشرة» الذي مارسه سلفه، فأصدر في 24 أيلول 1923 قراراً يطلب إجراء انتخابات لتشكيل «مجلس تمثيلي منتخب» في كل دولة، إلا أنه نص في المادة 37 من هذا القرار على أن «جميع المناقشات التي تصدر عن المجلس في غير اختصاصه يمكن إبطالها بقرار من المفوض السامي».
واستناداً لهذا التوجه أصدر «حاكم دمشق» ـ السيد حقي العظم ـ قراراً تحت رقم 66 في 26 تشرين الأول، وجرى الأمر نفسه في حلب مع إضافة بسيطة وهي أن تدخل السلطات الفرنسية في الانتخابات المحلية دفع حاكم حلب كامل باشا القدسي لتقديم استقالته، فعيّن المفوض السامي مكانه مصطفى برمدا حاكماً لدويلة حلب.
وفي 29 أيلول 1923 أقرّ مجلس عصبة الأمم «نظام الانتداب» الذي صدر قبل عام ونيّف (24 تموز 1922) في مدينة لندن، وحوى 20 مادة ، وقامت أمانة العصبة بإبلاغ التصديق على نظام الانتداب إلى الحكومتين الفرنسية والبريطانية، فقام سكرتير الحكومة الفرنسية بإرسال نسخة منه في 5 تشرين الأول 1923، إلى المفوض السامي الفرنسي في بيروت، مع مذكرة جاء فيها: «أتشرف بإبلاغكم أن رئيس الوزراء أنبأني بزوال الحوائل السياسية التي أخّرت حتى الآن تطبيق نظام الانتداب لسورية ولبنان وفلسطين، وقد دخل كلاهما في دور التنفيذ، وبناء عليه سيطبق هذا الانتداب من الآن وصاعداً وفقاً لأحكام تصريح لندن المؤرخ في 24 تموز 1922 والذي أتشرّف بإرسال نسخة منه مع هذا الكتاب».
وفي عام 1924 حدث أمران هامان كان لهما أثر في سورية، أحدهما خارجي والثاني داخلي: أما الحدث الخارجي فكان بدء تنفيذ معاهدة لوزان للصلح، بين الدول المتحالفة وتركيا التي تم التوقيع عليها يوم 24 /7/1923 وأهميتها بالنسبة لسورية ، تكمن في أنها اعترفت باتفاقية أنقرة التركية - الفرنسية لعام 1921 فيما يتعلق بخط الحدود بين سورية وتركيا الكمالية، والتي تنازلت فيها الحكومة الفرنسية عن جزء من الأراضي السورية إلى تركيا في منطقة كيليكيا.
وأما الحدث الثاني الداخلي فهو أن المفوض السامي ألغى بقراره رقم 2980 في 5 كانون الأول 1924 «الاتحاد السوري» الذي دام حوالي سنتين، وأقام محله كياناً موحداً باسم «دولة سورية E TAT DE SYRIE» ويضم كلاً من دمشق وحلب ودير الزور وحماة وحمص ودرعا وعاصمته دمشق.



 

ولكن هذه الحركة التوحيدية لم تكن كاملة لأنها أبقت كلاً من (جبل الدروز) و (جبل العلويين) خارج الدولة السورية الموحدة، بل أصبح الأخير أكثر استقلالاً وتبدّل وضعه القانوني من «إقليم يتمتع بالحكم الذاتي UN TERRE- TOIRE AUTONOME» إلى «دولة مستقلة UN TAT INDEPENDANT».
وكان إلغاء (الاتحاد السوري) وإنشاء (دولة سورية) آخر أعمال الجنرال «ويغان» في الشرق، حيث تم سحبه أواخر عام 1924 ، وتعيين الجنرال «ساراي SARRAIL» مكانه، واستهل ساراي عهده في 15 كانون الثاني 1925 بإلغاء الأحكام العرفية التي كانت مفروضة على البلاد منذ عام 1920، وأعلن أنه على استعداد لمقابلة الجميع، وتقدم إليه نفر من الزعماء السوريين في 17 كانون الثاني 1925 بلائحة من المطالب الوطنية تضم ثلاثة عشر بنداً وعد بدراستها، ولكنه في الحقيقة رفضها ضمناً لأنها تطالب بنوع من الاستقلال لدولة سورية يتنافى مع المصالح الفرنسية، فقد جاء في ديباجتها وبنودها الثلاثة عشر مايلي:
«نحن الموقعين أدناه من مختلف طبقات الشعب السوري، قد أتينا عن الوفد الحامل لهذه المطالب ليبلغها إلى الجنرال ساراي المفوض السامي للجمهورية الفرنسية، وليعرب له عن أماني الأمة التي تطلب تحقيقها، وهي:
1) نطلب أن تكون البلاد السورية بحدودها الطبيعية التي كانت عليها قبل الحرب العامة، بما فيها بلاد العلويين وجبل الدروز ولواء الاسكندرونة والأراضي الملحقة بلبنان الصغير وطناً واحداً في اللغة والقومية.
2) دعوة الجمعية التأسيسية، وأن تنتخب انتخاباً حراً لتضع للبلاد قانونها الأساسي، وحل المجالس التمثيلية الحالية لأنها لا تنطبق على القواعد النيابية، وحصر حق التشريع بالمجلس النيابي وإلغاء القوانين الاستثنائية الصادرة بشكل قرارات إفرادية.
3) لما كانت سورية بلاداً معترفاً باستقلالها في العهود الدولية، فنطلب تأييد قاعدة مسؤولية الحكومة أمام البرلمان، وإلغاء الإدارة العسكرية ومنع تدخل المستشارين (الفرنسيين) حتى في الأوامر الجزئية».
وبدلاً من تنفيذ هذه الطلبات المحقّة، أو بعضها على الأقل، حاول ساراي تهدئة المشاعر الوطنية بإصدار القرار 16/س تاريخ 19/1/1925، الذي يتعلق بالتابعية (الجنسية) السورية من جهة، وبالإيعاز لرئيس دولة سورية السيد صبحي بركات لتفعيل (المجالس التمثيلية) من جهة ثانية، وقد دعا الأخير لانعقاد (المجلس التمثيلي لدولة سورية) في 16 آذار 1925، ولكن مثل هذه التدابير لم تكن لترضي الشعب السوري، الذي كان لا يرضى عن الاستقلال الوطني بالكامل بديلاً، ولهذا تجاوبت جميع البلاد السورية مع الثورة التي أطلقها سلطان باشا الأطرش، في أوائل شهر تموز 1925، وهي الثورة المعروفة باسم «الثورة السورية الكبرى» والتي دامت حوالي ثلاثين شهراً من تموز 1925 وحتى أواخر 1927.
وقد حاول ساراي قمع الثورة بقوة السلاح فقصف مدينتي دمشق وحماة بالقنابل، وكذلك فعل بعدة قرى في حوران وجبل الدروز، وهذا ما ألّب المشاعر ضد فرنسا ليس في البلدان العربية والإسلامية فحسب، وإنما في البلدان الأوروبية والمهاجر الأمريكية أيضاً، ولهذا قامت الحكومة الفرنسية بسحب الجنرال ساراي في تشرين الثاني 1925، وعينت محله المسيو هنري ده جوفنيل، الوزير السابق والعضو في مجلس الشيوخ والذي قام فور تعيينه بمقابلة عدد من الزعماء الوطنيين السوريين في باريس وجنيف والقاهرة، قبل أن يتوجه إلى بيروت ويستلم مهام منصبه كمفوض سامٍ جديد أوائل عام 1926.
وقد أحدث تعيين هنري ده جوفنيل مفوضاً سامياً لفرنسا في الشرق، قدراً من التغيير في السياسة الفرنسية تجاه سورية، لأنه وضع حداً لنظام «الإدارة المباشرة» التي اتبعها الجنرالات الثلاثة (غورو، ويغان، ساراي) بين 1919 و1925، وقام بمحاولة - ولو متواضعة - لإشراك الوطنيين في الحكم.
المفوضون السامون الذين تعاقبوا على سورية ولبنان من عام (1918 - 1945).

وقد بدأ ده جوفنيل عهده بالإعلان عن أنه «جاء يمنح السلم لمن يريد السلم، ويعلن الحرب على من يريد الحرب».
واتصل ده جوفنيل بالداماد أحمد نامي بيك - الذي كان يقيم ذلك الوقت في مدينة بيروت - وطلب منه تشكيل حكومة سورية جديدة، ولكن هذا أغضب صبحي بركات، رئيس دولة سورية، لأنه جرى دون علمه، فسارع إلى تقديم استقالته وأحدث هذا فراغاً دستورياً في منصب رئاسة الدولة بدمشق، وهذا ما جعل ده جوفنيل يعين بيير آليب باسم «المُرسل فوق العادة من لدن المفوض السامي والقائم بإدارة شؤون الدولة السورية» وفقاً للقرار رقم 118 الصادر في 19 شباط 1926، والقاضي بتخويله إدارة شؤون الدولة السورية مؤقتاً.
وظل هذا التدبير قائماً حتى 26 نيسان 1926، حين استلم الداماد أحمد نامي منصبه الجديد كرئيس دولة ورئيس حكومة معاً، وألّف وزارته الأولى، ودخل فيها عدد من الزعماء الوطنيين (فارس الخوري ولطفي الحفار وحسني البرازي)، إلا أن اثنين من وزرائه قدّما استقالتهما احتجاجاً على صدور قرار يقضي بتعطيل جريدة «سورية الجديدة» وهذا ما أجبر الداماد على إعادة تشكيل حكومته في أواسط عام 1926.
وفي أثناء ذلك كان ده جوفنيل يحاول إقناع الوطنيين بضرورة إنهاء الثورة المسلحة، لكي يعمل على إقامة تنظيم جديد للعلاقات بين فرنسا وسورية، فجرى عندئذ اجتماع بين قيادة الثورة في الجبل والقيادة السياسية الوطنية في دمشق، تم فيه الاتفاق على طلب تحقيق شروط معينة من قبل المفوض السامي، قبل إنهاء الثورة المسلحة وهي:
1) تدعى جمعية تأسيسية بطريقة الانتخاب المباشر لوضع قانون البلاد الأساسي (الدستور) على أساس السيادة الوطنية.
2) تحدّد العلاقات بين سورية وفرنسا بمعاهدة تُعقد بينهما، وتكون محققة لمطالب سورية.
3) يُفصل في مسألة الوحدة السورية في المستقبل بين أولي الشأن أنفسهم.
4) تنشأ إدارة وطنية تحوز على ثقة البلاد.
5) يُعلن عفو عام عن المخالفات والجرائم السياسية دون استثناء أحد، وأما الحق المدني فيبقى لأهله وكان من الممكن أن يبدأ ده جوفنيل في بحث هذه المطالب وتنفيذها مقابل إنهاء الأعمال المسلحة في سورية إلا أن الحكومة المركزية في باريس لم يرق لها ما أبداه من ميل للتفاهم مع الوطنيين، فعملت على سحبه وتعيين «هنري بونسوH. PONSOT» مكانه، الذي وصل بيروت في 12 تشرين الأول 1926، واتبع بونسو الخط نفسه الذي انتهى إليه ده جوفنيل، ولكن مع ميل واضح إلى المماطلة في التنفيذ، وذلك لاقتناعه بأن «الزمن كفيل بحل كل شيء» واستهل عمله بإعلان العفو عن المنفيين السياسيين، ووعد بدراسة إصدار عفو عام عن جميع الملاحقين والمحكومين في حالة إلقاء الثوار للسلاح، كما أعلن عن قرب تشكيل حكومة وطنية جديدة تتولى إجراء انتخابات تأسيسية لوضع أحكام الدستور.
وقبل أن يعمل بونسو على تنفيذ وعوده ألغى ارتباطاته فجأة ثم سافر إلى باريس، أوائل شهر شباط 1927 وتوجه منها إلى جنيف في الشهر التالي، وذلك للاجتماع بأعضاء لجنة الانتداب في عصبة الأمم، والتشاور معهم حول الإجراءات التي اتخذها أو يزمع اتخاذها، وفور عودته إلى سورية قام بونسو بالإيعاز إلى الداماد أحمد نامي بتقديم استقالته في 8 شباط 1928، وعهد إلى الشيخ تاج الدين الحسني في 12 شباط بتشكيل حكومة تشرف على انتخابات الجمعية التأسيسية، المكلفة بوضع دستور البلاد، وقد جرت هذه الانتخابات بالفعل في 24 نيسان 1928، وبدأت بوضع أحكام الدستور، عن طريق لجنة فيها ترأسها السيد فوزي الغزّي الذي كان واحداً من كبار فقهاء القانون الدستوري في ذلك الوقت.
وقد أنهت الجمعية التأسيسية صياغة الدستور ضمن نص من 115 مادة يقرر استقلال سورية ضمن نظام نيابي وطني جمهوري، ويحدد علاقاتها كدولة مستقلة مع فرنسا بالنصوص التعاهدية التي يمكن أن تعقدها الدولتان في المستقبل.
وبالتوقيع على هذا النص - ولو أن المفوض السامي لم يعتمده إلا بعد عامين - يكون عهد الانتداب الفرنسي المباشر قد آذن بالزوال مُفسحاً المجال أمام بدء ظهور المؤسسات الدستورية الوطنية للدولة السورية.